التواضع الحقيقي وعلاماته

التواضع الحقيقي وعلاماته
كانت محاضرة الأسبوع الماضي عبارة عن إجابة لسؤال وجه إلى قداسة البابا… فقال:
إن التواضع الحقيقي ليس هو تواضع المظهر، ولا مجرد تواضع الفم، وعبارة “أنا خاطئ” و “أنا غير مستحق”، إنما التواضع الحقيقي يكمن في أعماق القلب.
فإن قال إنه خاطئ أو إنه غير مستحق، يكون مقتنعًا بهذا تمام الاقتناع في قلبه، ليتنا نتأمل في هذا التواضع:
التواضع الحقيقي وعلاماته
الإنسان المتضع لا يدين غيره، لا يشتم غيره، ولا يحتقره. بل يشعر أنه أقل الناس، ويحاول أن ينال بركة كل أحد، ويستفيد من كل أحد.
المتضع لا يكون عنيدًا، ولا يجادل كثيرًا، ولا يقاطع غيره في الكلام، ويقدم غيره على نفسه في الكرامة.
المتضع لا يغضب من الإساءة ولا يثار، بل يقول: “هذا بسبب خطاياي” كما قال داود حينما شتمه شمعي بن جيرا.
الذي يحتد بسبب كرامته الشخصية، ليس هو متواضعًا بالحقيقة فالمتواضع لا يغضب من أحد، ولا يغضب أحدًا، بقدر طاقته.
المتواضع إنسان بسيط، يتقبل كل شيء في هدوء، وهو مسالم للكل. إنه وديع وهادئ ورقيق، كالنسيم.
الإنسان المتضع يعامل الكل باحترام، حتى من هم أقل منه.
لا يتعالى، ولا ينتفخ، ولا يكلم أحدًا من فوق، ولا يظن في نفسه أنه شيء. كما قال القديس برصنوفيوس: “لا تحسب نفسك في شيء من الأمور، ولا يحسبك أحد شيئًا، وأنت تتنيح”.
المتضع منسحق أمام نفسه من الداخل. خطيته أمامه كل حين. يشعر في أعماقه بالانسحاق وعدم الاستحقاق، ويحيا حياة الشكر.
يشكر الله على كل وضع، وعلى أقل القليل، لأنه متأكد أنه لا يستحق حتى أقل القليل. وإن وضعه الرب في منصب، يتذكر الله “المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة”.
لا يمجد نفسه، ولا يفرح بالتمجيد الذي يأتيه من الخارج، ولا يسعى إليه. ولا يطلب المواهب، ولا يشعر باستحقاق لها. لا يطلب لنفسه وضعًا معينًا، ولا يميز نفسه في شيء.
المتواضع لا يفكر في ذاته أبدًا، بل يختفي وينكر ذاته يخفي فضائله حتى عن نفسه، ولا يجعل شماله تعرف ما تفعله يمينه. ينسى فضائله، ولا يتذكر إلا أخطاءه.
ينسى فضائله لأجل انشغاله بفضائل أخرى أعمق، يمارسها وينساها.
ينسي أعمال الناس الرديئة، ولا يتذكر إلا حسناتهم.
التواضع فضيلة باطنية في الداخل، ترتكز على معرفة الإنسان لنفسه. لا يحاول المتواضع أن يتصاغر، بل هو متأكد من صغره.
المتواضع لا يقيس نفسه بالضعفاء، حتى يرى أنه أفضل منهم، بل ينظر إلى فضائل القديسين، فتتضاءل كل أعماله أمامه…
المتواضع يشكر على مجرد الوجود، مجرد الحياة. يشكر حتى على التجارب وعلى الضيقات، ويرى أنه يستحق عقوبات أكثر.
من عمق شعوره بعدم الاستحقاق، لا يجرؤ أن يطلب شيئًا. صلاته شكر لا طلب. طلبته الوحيدة هي المغفرة…
يشعر أن ما أعطي له، فوق ما يطلب، وفوق ما يستحق، وهو لم يشكر عليه كما ينبغي، حتى يطلب أكثر منه…
إذا وصل الإنسان إلى عمق الاتضاع، تتحول صلاته إلى تسبيح وتمجيد، وينسى نفسه بالكلية في الصلاة…
حقًا من أكون أنا، حتى أذكر ذاتي في حضرة الله!!
التواضع يحمل في مفهومه معنى “إنكار الذات..
إذا مدح أحد إنسانًا متواضعًا، يخجل، ويحسب نفسه مرائيًا، يظهر بغير حقيقته، أو أنه يسلب مجد الله، وينسبه إلى نفسه…
هو لا يثق بذاته أنه يستطيع أن يعمل شيئًا حسنًا، إنما ينسب كل خير فيه إلى الله وحده، بغير تظاهر. لا يعتمد على ذكائه وفهمه. كما قال الكتاب: “وعلى فهمك لا تعتمد”.
لذلك فالمتواضع كثير الصلاة، يطلب المعونة في القليل وفي الكثير، حتى الأمور التي تبدو بسيطة، يراها تحتاج إلى صلاة.
هو صغير في عيني نفسه، وأصغر من جميع الناس. لذلك يقول عن الناس: هذا أعمق مني في صلاته، هذا أكثر مني معرفة، وهذا أذكى، وهذا أسمى، وهذا أقوى… ويحترم الكل…
لهذا فالمتواضع يتعلم من كل أحد، حتى من الطبيعة والحيوانات.
يتعلم النشاط من النملة، والمهارة من النحلة، والنظام من الأفلاك. يتعلم الإيمان من العصافير التي لا تجمع إلى مخازن، واثقة من أن الله يقوتها. يتعلم الصمت من الثرثار. ويرى أن كل إنسان له فضل عليه.
القديس الأنبا أنطونيوس، في أول نسكه، كان يتعلم من كل ناسك فضيلة، والقديس مقاريوس تعلم من راعي بقر، وطلب كلمة منفعة من الصبي زكريا… وهكذا تهذب جميع القديسين.
المتواضع يشعر باستمرار، أنه يأخذ أكثر مما يعطي…
أما المتكبر فيظن في عطائه، أنه لا يأخذ من أحد شيئًا!
المتواضع بعيد عن كل مظاهر العظمة العلمانية والعجرفة النسكية.
لا يهتم بعظمة المنظر، والمنصب، والسلطة، واحترام الناس. كما يبعد عن المظاهر النسكية التي تجلب له احترام الروحيين، كمظاهر الصوم والنسك والوحدة والرياء في الروحيات…
الكبرياء أسقطت الشيطان من مجده كرئيس ملائكة، وأسقطت الإنسان الذي أراد أن يصير عارفًا مثل الله…
لذلك قيل في البستان: “إذا رأيت شابًا يرتفع إلى السماء بهواه، فأجذبه إلى أسفل”. وقال الكتاب:
“قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح”.
كل الذين سقطوا، تكبروا قبل أن يسقطوا، لأن المتواضع لا يسقط أبدًا. البيوت العالية تسقط، أما الأرض الكائنة أسفل فهي لا تسقط، وهكذا المتواضع.
لذلك قيل: “الرب يقاوم المستكبرين، أما المتواضعون فيعطيهم نعمة”. ما أصعب عبارة (الرب يقاوم). وما أصعب ما قيل في ذلك المعنى في سفر أشعياء النبي (إش2: 12- 17).
“إن لرب الجنود يومًا على كل متعظم وعال، وعلى كل مرتفع، فيوضع. وعلى كل أرز لبنان العالي المرتفع، وعلى كل بلوط باشان. وعلى كل الجبال العالية، وعلى كل التلال المرتفعة… فيخفض تشامخ الإنسان، وتوضع رفعة الناس، ويسمو الرب وحده، في ذلك اليوم”
إن ارتفع قلبك، خف على نفسك، لئلا تكون قريبًا من السقوط إن وثقت بذاتك، إن ظننت أنك شيء، خف لأنه قبل السقوط تشامخ الروح. وكما قال الرسول: لا تستكبر بل خف (رو11: 20).
الإنسان المتواضع لا يثق بنفسه، ولو كان في عمق القداسة. لا يقول قد خلصت من الخطية بل يقول:
ربما لأجل ضعفي، رفع الرب الحرب عني، أو احتقرني الشياطين فلم يحاربوني. فإن ارتفع قلبي، يرفع الرب عني نعمته، فأسقط. إنني لست أعظم ممن سقطوا. فالخطية كل قتلاها أقوياء…
إنني أعيش الآن في راحة من الخطية، ليس لأنني قوي انتصرت على الخطية. وإنما لقد أبعد الرب الحرب عني حتى لا أقع في اليأس وقطع الرجاء بسبب سقوطي المستمر..
الشياطين عندما ترى الإنسان المتواضع، تهرب لأنها ترى فيه صورة خالقه المتواضع الذي هزمها وقد أخلى ذاته…
ما أكثر قصص القديسين الذين غلبوا الشياطين بتواضعهم، مثل القديس مقاريوس والقديس أنطونيوس الكبير، وغيرهما.
القديس أنطونيوس قال للشياطين: “أيها الأقوياء، ماذا تريدون مني أنا الضعيف؟! أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم”.
أقول هذا، واتذكر الذين يحاولون إخراج الشيطان، بأن يشتموهم ويضربوا المصروعين، ويقربوا النار منهم، وينتهروهم بغير اتضاع…!
المتواضع يخفي ذاته، ولا يتحدث عن فضائله، ولا يشرح ما وصل إليه روحيًا، ولا يقول “قد صرت… وصرت”…
الفضائل التي نكشفها، ما أسهل أن يخطفها شيطان المجد الباطل. وقد تثير حسد الشيطان، فتحاربنا بأكثر عنف لتسقطنا.
المتواضع يخلي ذاته، أما المتكبر فيزيد عليها أكوامًا من المجد العالمي، والمجد النسكي، وقصص الخبرات الروحية، ومجد المواهب ومجد العلم والمعرفة، ومجد السلطة والقيادة… ويظل يكوم على نفسه، حتى لا يجد ذاته…
الإنسان الذي يظن أن الخطية لم يعد لها سلطان عليه، كيف يصلي ويقول: “انضح عليّ بزوفاك فأطهر، واغسلني فأبيض أكثر من الثلج”! من أي شيء يطهره الرب ويغسله؟!
المتواضع محبوب من الناس، لأنه نوع نادر…
محبو العظمة موجودون في كل مكان. أما المتواضعون فقليلون. كثيرون يجادلون ويعلمون غيرهم ويقنعون ويتباهون بالمعرفة. ولكن نادر هو النوع الذي يقول: “لا أعرف”…
المتواضع يستشير كثيرًا، ويسأل ليفهم. أما المتكبر فليس له كبير يسأله، من فرط ثقته بمعرفته الخاصة…!
من الصعب أن يجد له مرشدًا، لأنه لا يثق بأن هناك من يفوقه. وإن استشار أحدًا، يمتحن رأيه، ويجادله، وقد لا يقتنع بإرشاده! لذلك إذ لا يجد من هو كفؤ لإرشاده، يدعي أنه يتعلم من الله مباشرة، وأنه يتلقى الإرشاد من الروح القدس مباشرة وليس من إنسان!!
مسكين الذي يكبر قلبه عن الإرشاد، فالكتاب يقول: “الذين بلا مرشد، يسقطون مثل أوراق الشجر”.
إذا زاد الإنسان في كبريائه، فإنه يتمرد على كل سلطة…
لا يقبل نصيحة أو توجيهًا من أحد: لا من الأبوين في البيت، ولا من الأقارب، ولا من الأساتذة، ولا من الرؤساء، ولا من الآباء الروحيين. وقد يغير أب اعترافه، على اعتبار أنه لم يعد يصلح لمستواه… يتكبر على كلمة (أبونا)، وعلى كلمة (سيدنا)، وعلى المطانية، كما يفعل البروتستانت!
المتواضع يطلب التوبة باستمرار، ولا يدعي لنفسه درجات عليا قد وصل إليها. لذلك فهو يبكي على خطاياه باستمرار.
أما المتكبر، فإذ لا يجد لنفسه خطايا يبكي عليها، فإنه لا يبكي إلا على خطايا الناس. وهو يصف الكل بالخطية، وبحاجتهم إلى (الخلاص) و(التجديد) و(الملء)…!
الإنسان المتواضع حنون على كل أحد ومترفق. أما المتكبر فهو قاسي القلب، ينظر إلى الناس باشمئزاز وتعال ويدينهم…
المتواضع يساعده انسحاقه على الاعتراف بخطاياه، أما المتكبر فمن الصعب أن يعترف حتى بينه وبين نفسه إنه قد أخطأ. الاعتراف يحطم صنم الذات الذي يتعبد له…!
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السابع والثلاثون) 10-9-1976م




