الأنبا غاليون

سير الآباء السواح
الأنبا غاليون1
قال أنبا اسحق رئيس دير القلمون:
كان من سكان هذا الدير قديس اسمه غاليون. وقد نشأ في احدى قرى الصعيد. وظهرت من قدسه عجائب كثيرة حتى كان يبرئ المرضى من الأسقام. وكان لا يمل من الصلاة ليلًا ونهارًا، وكان طعامه دفعة واحدة في كل أسبوع. وهذا كان قارئًا للدير، ذا صوت عظيم.. حافظًا، خبيرًا بقراءة الكتب. وكان كاملًا في كل الفضائل.
وكان مقيمًا بهذا الدير. دخل إليه وهو شاب وصار شيخًا ولم يخرج من باب الحصن إلى خارج. ولم يختلط بأحد من الأخوة إلا في وقت الصلوات.
فخ الشيطان:
فرآه الشيطان وقد تخلص من شباكه فنصب له فخًا، وأتى إليه ليلًا وقد خرج من قلايته يريد البيعة وقد اجتمع إليها الرهبان في نصف الليل. وقال له: “يا أخي غاليون، إننا كنا اثنى عشر رجلًا نسيح في هذه البرية. ولما كان اليوم مات أحدنا ونحن لا نقدر أن ينقص عددنا. فأنت تكون كمال العدد لأنك ناسك عابد، محب للأخوة، زاهد في الدنيا، غير راغب فيها ولا في متاعها ولا في طعامها ولا لذاتها.
وأنت مستحق أن تكون معنا”. ثم توارى عنه.
فداخله الفكر وظن أن الله أرسل له هذا الملاك. وكان في هذه الليلة مبتهلًا. ولما فرغت الصلاة عاد إلى منزله، وأخذ منه عصا ليقف عليها في الليل. وخرج من باب الدير ولم يشعر به أحد. فوجد أحد عشر رجلًا من جند الشيطان في زي رهبان. فمضوا أمامه بعد الابتهاج به والسلام عليه وهو يتبعهم إلى أن انتصف النهار. وإذا هم على جبل عال مشرف على أرض الواحات، مقفر ليس فيه طعام ولا ماء ولا أحد البتة. فجلسوا وجعلوا يضحكون ويهزأون ببعضهم البعض، ويفرحون ويقولون:
“لقد اصطدنا في هذه الليلة صيدًا حسنًا”. قال غاليون: “فتفكرت في أمري وقلت إن هؤلاء القوم شياطين وليسوا هم قديسين. وإني رشمت على وجهي رسم الصليب المقدس، والتفت فلم أجد أحدًا منهم.
من دير الأنبا شنوده:
وبقيت على الجبل لا اعرف أين أذهب، ولا كيف الحيلة من الورطة التي وقعت فيها! ففتحت فأي وقرأت المزمور السابع عشر:
“أحبك يا رب قوتي. الرب ثباتي وملجأي”. ثم كررت ذلك القول ثلاث دفعات فثبت قلبي وسكن روعي. وتأملت خلفي وقدامي فلم أر أحدًا من الناس.
فأخذت أقرأ المزمور السادس ” يا رب لا بغضبك تبكتني، ولا برجزك تؤدبني. ارحمني يا رب فإني ضعيف. اشفني يا رب فإن عظامي وهنت، ونفسي جزعت جدًا”.
والتفت خلفي وإذا أنا أسمع صوتًا. وتبينت فرأيت ثلاثة أشخاص لابسين ملابس بيضاء يقرأون من المزمور السابع والتسعين:” سبحوا الرب تسبيحًا جديدًا، لأن الرب صنع عجائب…” وكانت أصواتهم كإنها أصوات الملائكة، وكنت أعرف اللحن الذي يقولونه، فقلت معهم. وكنت حذرًا من الشيطان أن يكون قد أرسل أيضًا جنده ليهلكوني. فقلت لا يمكن للشيطان أن يقرأ مزامير داود النبي.
وبينما أنا كذلك، وإذا القوم قد قربوا مني وهم يقرأون بألحان حسنة. فجاوبتهم مثل ألحانهم. ولم نزل تلك الليلة جميعها نقرأ من مزامير داود إلى الصباح. وكلما قرأوا من مزمور قرأت أنا أيضًا ذلك المزمور معهم. وهم لا يسألونني عن أمري، ولا أنا أيضًا سألتهم عن أمورهم. ثم جلسنا جميعًا فسألتهم وسألوني وإذا هم رهبان من دير القديس أنبا شنوده، وهم يسيحون في الجبل فقالوا لي” لسنا نريد أن تعرفنا ما أصابك.
لقد عرفنا بالروح فخاخ العدو وحيله التي أراد أن يطرحك فيها. فأشكر الله ولنشكره جميعًا لأنه لم يطرح تواضع المتواضعين، ولا غفل عنهم، بل افتقدهم وقت الشدة”. قال غاليون: “فأقمت معهم سنة كاملة… وكنا قد وجدنا عند سفح ذلك الجبل عين ماء عذب فيه سمك يشبه الطير، فكنا نصيد منه بغير آلة.. ونجعله في الشمس أيامًا ونأكله. وكان مثل طعم الخبز النقي”.
رجوعه إلى الدير:
ولم نزل على هذه القضية إلى احدى الليالي، وإذا أحد الثلاثة نفر يقول لي: “يا غاليون إن أباك اسحاق سأل الله أن يراك قبل وفاته. فقم أسرع وامضي إليه”. فقلت: “لا أعرف الطريق”. فقام هو وإخوته وأخذ بيدي، وقالوا: “اتبعنا”، فتبعتهم. فلم يصبح الصباح إلا وأنا واقف على باب ديري الذي فيه ربيت. وهم ودعوني وصاروا إلى دير القديس أبا شنوده.
وأما أنا فدخلت إلى الدير، ووجدت أبي اسحاق الراهب واقفًا ينتظرني. فلما رآني فرح وقال: “يا غاليون، أين مضيت يا ولدي؟”. فقصصت عليه خبري من أوله إلى آخره.
نياحته:
أنا اسحاق أخبركم بما رأيته من جهة هذا الابن غاليون أيضًا: أنه لما كان في غيبته في البرية، دعوت الله أن يطلعني على أمره، لأنني لم اعرف ما أصابه. فرأيت في منامي من يقول لي: “أنت اليوم تنظر إليه في الجسد وفي اليوم السابع ينتقل من الباطل إلى دار الحق والبقاء. فتيقظ، واحرص على الوقت الذي يمضي فيه هذا الأب إلى داره المعدة له”. فعرفت اليوم الذي رأيته في منامي.
ولم يكن في الدير قارئ مثله ولا من يحفظ الألحان والمزامير أيضًا مثله، فبكيت عليه. وكان هو يعرف ما أريده واليوم الذي فيه يموت، كما عرفت أنا في المنام. ولم أكن أعلم أنه يعرف.
فتقدمت إليه وقلت له:” خذ إليك موسى الصبي القارئ، والق إليه ترتيب البيعة وألحانها وجميع آلاتها”. فأخذ موسى إليه وضمه إلى صدره، وقال له: “يا ولدي، أقبل مني الروح الذي فيَّ. فإني إلى اليوم السابع أتنيح”. وإن موسى قبل منه الروح. وكان موسى هذا يزيد في القراءة والألحان، مثلما يزيد النيل في أيام فيضانه.
ولما كان وقت الوفاة، حضرت الآباء والأخوة وكفناه ودفناه، وصلينا عليه كعادة الرهبان. الرب قادر أن يوصلنا كما أوصله، ويعيننا كما أعانه. له المجد دائما آمين.
عن مخطوطة بدير السريان رقم283″ ميامر”.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى– العدد الخامس- يونيو 1965




