الأفكار الشريرة ومقاومتها

الأفكار الشريرة ومقاومتها
سؤال:
هل كل فكر شرير يجول بذهني يحسب خطية؟
كيف تأتي الأفكار الشريرة، وكيف أمنع مجيئها؟
الجواب:
ليس كل فكر شرير يجول بذهنك يحسب خطية. فهناك فرق بين حرب الفكر، والسقوط بالفكر:
*حرب الفكر، هو أن يلح عليك فكر شرير. وأنت غير قابل له، وتعمل بكل جهدك وبكل قلبك على طرده، ولكنه قد يبقى بعض الوقت. وبقاؤه ليس بإرادتك، لذلك لا يحسب خطية. بل إن مقاومتك له تحسب لك براً.
*أما السقوط بالفكر، فهو قبولك للفكر الشرير، والتذاذك به، واستبقاؤك له، وربما اختراعك لصور جديدة له…
والسقوط بالفكر قد يبدأ من رغبة خاطئة في قلبك، أو شئ مختزن في عقلك الباطن. أو قد يبدأ بحرب للعدو من الخارج، تقاومها أولا، ثم تستسلم لها وتسقط، وتتطور في سقوطك…
أو قد تسقط في الفكر إلى لحظات، وترضى به، ثم تعود فتستيقظ لنفسك وتندم وتقاومه فيهرب.
على قدر ما تقاوم الفكر، تأخذ سلطانا عليه، فيهرب منك، أو لا يجرؤ على محاربتك. وعلى قدر ما تستسلم له، يأخذ سلطانا عليك، ويجرؤ على محاربتك…
بيدك دفة الحرب، وليس بيده. الفكر يجس نبضك، وعلى حسب حلتك يحاربك. قال السيد المسيح “رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شئ” (يو 14: 30). أما أنت فهل عندما يحاربك الشيطان، يمكنه أن يجد فيك شيئا له؟!
أن الفكر يختبر قلبك: هل يوجد فيه ما يشابهه؟ و “شبيه الشئ منجذب إليه؟ أو هل يمكن ايجاد الشبيه؟
فإن كان قلبك من الداخل أميناً جداً، لا يخون سيده مع هذه الأفكار، ولا يفتح لها مدخلا إليه، ولا يتعامل معها، ولا يقبلها، حينئذ تهرب منه الأفكار، وتخانه الشياطين…
أما ان يتساهل القلب مع الأفكار، فحينئذ تجرؤ عليه.
هناك أفكار شريرة تدخل إلى القلب النقي لتساهله معها.
وهناك أفكار شريرة تخرج من القلب الشرير لعدم نقاوته.
اي أن هناك أفكار شريرة تأتي من الخارج، وأخرى من الداخل.
*الأفكار الشريرة التي من الخارج، مثالها محاربة الحية لحواء.
وكانت حواء نقية القلب. ولكن بسبب تساهلها مع الحية، دخلت الأفكار إلى قلبها، وتحولت إلى شهوة، وإلى عمل.
*أما الأفكار الشريرة التي تأتي من الداخل، فعنها قال الرب “والإنسان الشرير، من كنز قلبه الشرير، يخرج الشر” (لو 6: 45).
قد تأتي الأفكار من القلب، من شهوات مختزنة. وقد تأتي من العقل الباطن، من صور وأفكار وأخبار مختزنة…
من هذا المكنوز في الداخل، تخرج الأفكار، لأية إثارة، ولأي سبب. فاحرص أن يكون المكنوز فيك نقياً.
على أن الأفكار التي تخرج من العقل، تكون أقل قوة.
إنها أقل قوة من الأفكار التي تخرج من القلب. لأن الخارجة من القلب. لأن الخارجة من القلب، ممتزجة بالعاطفة أو بالشهوة، ولهذا فهي أقوى.
وهكذا بإمكان الإنسان بسهولة، أن يطرد الأفكار التي تخرج من العقل. ولكنه إذا استبقاها، أو تسهل معها، فقد تتحول إلى القلب، وتنفعل بانفعالاته، فتقوى…
لذلك كما يجب على الإنسان أن يحفظ قلبه، كذلك يجب أن يحفظ عقله، ويحفظ الخط الواصل بين العقل والقلب…
“فوق كل تحفظ احفظ قلبك، لأن منه مخارج الحياة” (أم 4: 23).
إن حرب الأفكار إذا أتتك، وأنت نقي القلب، حار الروح، ستكون حرباً ضعيفة، وبإمكانك أن تهرب منها. أما إن أتتك وأنت في حالة فتور روحي، أو “من كثرو الإثم قد بردت “محبتك للرب. فحينئذ تكون الحرب عنيفة والهروب صعباً… لذلك “صلوا، لكي لا يكون هربكم في شتاء”.
احفظ فكرك، لكي لا يدخله شئ يعكر نقاوتك. واحفظ أيضًا حواسك، لأن الحواس هي أبواب للفكر…
أحفظ نظرك وسمعك وملامسك وباقي الحواس. لأن ما تراه وما تسمعه، قد لا تمنع ذهنك من التفكير فيه، ومن الانفعال به. لذلك فالاحتراس أفضل.
وان دخل إلى سمعك أو بصرك أو فكرك شئ غير لائق، فلا تجعله يتعمق داخلك. وليكن مروره عابراً..
إن الأشياء العابرة لا تكون ذات تأثير قوي. أما إن تعمقت، فإنها تترسب في العقل الباطن، وتمد جذورها إلى القلب، وقد تصل إلى مراحل الإنفعال…
ان النسيان هو من نعم الله على الإنسان، به يمكن أن تمحي الأفكار العابرة، وما تعبر به الحواس…
أما الأفكار التي تدخلها إلى أعماقك، فإنها تستقر في باطنك، وتتصل بالشعور وباللاشعور، ولا يكون نسيانها سهلا، وقد تكون سبباً في حرب من الأفكار والظنون والأحلام، ومصدراً للرغبات وللانفعالات، ومبدأ لقصص طويلة…
على أن موضوع الأفكار قد يحتاج منا إلى رجعة أخرى…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السادس) 6-فبراير-1976م




