الأب الكاهن وروحانية الطقوس

الأب الكاهن وروحانية الطقوس[1]
الأب الكاهن وروحانية الطقوس
روحانية الطقس تترك تأثيرًا في النفس. ولذلك حتى إن لم يلق الكاهن عظة أثناء القداس، فإن مجرد روحانيته في أداء الطقس، تترك تأثيرها في نفوس الحاضرين في الكنيسة…
صلاته من عمق قلبه. تؤثر في القلوب أكثر من العظة.
يعجبني ما قيل عن إيليا النبي إنه: “صَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ” (يع5: 17). فإن كان لصلاته هذا التأثير القوي في السماء، فكم يكون تأثيرها على الأرض. إنه صلى صلاة، ولم يصل كلامًا.. صلاة بكل ما تحمل كلمة “صلاة” من معنى.. صلاة تحمل معنى الصلة بالله. فيها العمق، وفيها الفهم والقصد..
إن مجرد تحركات الكاهن في الكنيسة، لها تأثيرها أيضًا.
طريقة مشيه، ركوعه، سجوده، رفع يديه إلى فوق، لهجة صوته في الصلاة.. الكاهن الذي يدخل إلى الكنيسة في خشوع، في خوف من الله، ويركع أمام الهيكل في رهبة، وهو يقول: “أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ، وَأَسْجُدُ قُدَّام هَيْكَلِ قُدْسِكَ بمَخَافَتكَ” (مز5: 7). ثم يفتح الستر مصليًا، ويركع أمام المذبح في خشوع، ويقف وينحني مقبلًا المذبح، ثم يبدأ الصلاة…
حركة الكاهن أيضًا، وهو يرفع البخور مارًا وسط الشعب.
وهو يقول من كل قلبه: بركة بخور باكر.. بركة بخور البولس، تكون مع جميعكم.. فيشعر الناس ببركة البخور وفاعليته، ويتهافتون عليه.. ذلك أن الأب الكاهن يرفع البخور، تمامًا كما يرفع الصلاة.. وفي العهد القديم كان هناك مذبح يسمى “مذبح البخور” مغشى بالذهب (خر37: 25، 16). يُعتبر البخور عليه ذبيحة مقدمة إلى الله عن الشعب…
إذن يرفع الكاهن البخور، وهو واثق من قوة البخور وفاعليته:
كما رفع هارون البخور، فامتنع الوبأ الذى ضرب الله الشعب به فامتنع الوبأ، وتوقف غضب الله على الناس (عد16: 44- 50).
هذا البخور الذي قيل عنه في سفر الرؤيا إن ملاكًا “وَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ. فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ” (رؤ8: 3، 4).
نعم، هذا البخور الذي أمر الله أن يكون بخورًا عطرًا” (خر30: 35) (خر37: 29)، تصعد رائحته الذكية أمام الله…
ما مدى خشوع الكاهن وهو يرفع البخور؟
وما مدى ثقته بفاعلية هذا البخور وهو يقدمه.
بهذا القياس يكون تأثيره الروحي وهو يرفع البخور، ويكون أيضًا تأثيره الروحي أثناء رفع البخور.. نفس الوضع أيضًا وهو يبخر أمام الأيقونات، طالبًا شفاعة القديسين الذين يبخر أمامهم. بأي عمق يفعل ذلك؟ وبأي روح؟
المشكلة إن بعض الآباء الكهنة يظنون أن التبخير مجرد واجب يؤديه، مجرد طقس أو نظام كنسي دون أن يدخل إلى عمق روحانيته. سواء في الأواشي، أو أمام الأيقونات، أو أمام الإنجيل!!
كذلك طريقة صلاة الكاهن: هل هي بسرعة أم ببطء، دمجًا أم بلحن؟ بفهم وعمق، أم بغير فهم ولا عمق؟!
كثيراً ما يكون الكاهن في عجلة، يريد أن ينتهي من القداس بسرعة، فيصلي لكي ينتهي في الموعد الذي يريده، دون أن يعني ما يقوله أثناء الصلاة وسرعته تحث الشمامسة والمرتلين على نفس السرعة…
وهناك ألفاظ يقولها، وربما لا يقصدها أو لا ينفذها!
مثال ذلك فى أوشية الإنجيل: يقول “اذكر يا رب الذين أمرونا وأوصونا، أن نذكرهم في صلواتنا وتضرعاتنا التي نرفعها إليك..”، فهل في ذلك الوقت يذكر في ذهنه أو يتذكر أولئك الذين قد أوصوه أن يذكرهم؟ يقول أيضًا في نفس الأوشية: “المرضى أشفهم. والذين سبقوا فرقدوا، يا رب نيح نفوسهم”.. فهل أثناء هذه الصلاة، يذكر في ذهنه أمام الله بعض أسماء المرضى أو الراقدين؟
لا بد أن يدرك الكاهن مسئوليته عن الناس أثناء القداس:
إنه لا يصلى فقط عن نفسه، كما يصلى أي إنسان في صلاته الخاصة، إنما هو يصلي بالأكثر عن شعبه كله وعن الكنيسة. إن الآباء كما يقول القديس بولس الرسول: “وُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ” والمطلوب من الوكيل أن يكون أمينًا (1كو4: 1، 2).
إذن ما هو عمل الكاهن كوكيل، أثناء صلواته الطقسية؟
هو وكيل لله أمام الناس، ووكيل عن الناس أمام الله…
استأمنه الناس أن يرفع صلواتهم وطلباتهم ويقدمها أمام الله.. كل الناس، من كل نوع، وفى كل حالة من الاحتياج.. يرفع الصلوات عنهم بصفة عامة وبصفة خاصة. كما يقول البعض للأب الكاهن: “أذكرني يا أبانا في القداس. اذكر موضوعي الفلاني ومشكلتي الفلانية”. وهو هنا كوكيل عن الناس، مفروض أن يذكر الكل في احتياجاتهم وهنا نسأل:
ما مدى أمانة الكاهن في تقديم احتياجات الناس إلى الله؟
كم ينسى الكاهن أشخاصًا يعتمدون كثيرًا على صلواته! ويظنون أنه مهتم تمامًا بمشاكلهم مثل اهتمامهم هم بها! بل قد تصل بهم الثقة أنهم يحسبونه يجاهد مع الله جهادًا من أجلهم! فهل يخيب ظنهم؟
إن صلاة القداس هي أقدس صلوات الكنيسة. وحسن أن يجمع الأب طلبات الناس، ويعرضها أمام الله في صلواته أثناء القداس، بكل عمق، وبكل اهتمام. ويتابعها مع الله أيضًا في كثير من صلواته الخاصة.
نقطة أخرى في صلوات الطقس، وهي تواضع الكاهن.
لعل ذلك يظهر منذ البداية في “صلاة الاستعداد” التي يقول فيها “أنت يا رب تعلم أني غير مستحق ولا مستعد ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدسة التي لك. وليس لي وجه أن أقف وافتح فاي.. بل بكثرة رأفتك أغفر لي أنا الخاطئ. وامنحني أن أجد نعمة ورأفة في هذه الساعة..”.
فهل هذا هو شعور الكاهن من بداية القداس؟ وهل يصحبه هذا الشعور طول صلاة القداس؟
إنه أيضًا بعد تقديم الحمل يقول: “أعط يا رب أن تكون هذه الذبيحة مقبولة عن خطاياي وجهالات شعبك”. فهل يشعر فعلًا أنه يقدمها أيضًا عن خطاياه؟ وهل يذكر ذلك وهو يغسل يديه قبل القداس ويقول: “انضح على بزوفاك فأطهر، واغسلني فأبيض أكثر من الثلج” مع باقي الصلوات.
وهل هو أيضًا يذكر ذلك وهو يضرب المطانية قبل البدء في قداس القديسين ويقول: “أخطيت حاللوني وسامحوني”..؟
وهل يذكر خطاياه أيضًا، وهو يكرر أكثر من مرة أن تكون خدمته “بغير وقوع في دينونة”.
وهل هو يعترف من كل قلبه وهو يقول قرب نهاية القداس:
” اذكر يا رب ضعفي أنا الخاطئ، واغفر لي خطاياي الكثيرة، وبسبب خطاياي ونجاسات قلبي، لا تمنع شعبك نعمة روحك القدوس”..
لا شك أن صلوات الكاهن الخديم باتضاع وانسحاق قلب، تترك تأثيرها العميق في نفوس الناس، وتكون أمثولة لهم وقدوة…
كذلك عمقه الروحي أثناء رشم الصليب، ومباركة الناس.
سواء ذلك أثناء رشم الشعب كله بعلامة الصليب، أو في رشم شخص معين، أو في منح البركة للكل، أو في رشم القربان المقدس..
أمران هامَان يضعهما الكاهن في قلبه ونصب عينيه، وهما:
إيمانه الكامل بقوة علامة الصليب وفاعليتها. وثانيًا اتضاعه الشخصي أثناء الرشم بعلامة الصليب، شاعرًا أن البركة ليست منه هو، بل من الصليب. وأنه ليس مانح البركة بل موصلها.. ويزداد هذا الشعور عمقًا، وهو يرسم الحمل المقدس بعلامة الصليب، ويقول: “وبارك”.. فليس هو الذي يبارك الحمل برشم الصليب بيده عليه. إنما ذكر عبارة أخرى يقول فيها: “يا الذي بارك في ذلك الزمان، الآن أيضًا بارك..”.
وينبغي أن يكون رشمه لعلامة الصليب، بتؤده ووقار وخشوع وجدية.. لأن البعض لا يرشمون الصليب بهذه الجدية.
إن الشعب يدرك تمامًا الحالة التي يتلقى فيها الرشم بروحانية يحس فيها القوة التي ينالها من رشم الأب الكاهن له.
كذلك ينبغي أن يهتم الأب الكاهن بالصلوات السرية التي يتلوها أثناء القداس الإلهي.
أثناء صلوات سرية لا يسمعها أحد، ولكن الله يسمعها. ويجب أن يقولها الكاهن بفهم وعمق، ويقصد كل كلمة منها.
منها الصلوات التي يقولها طالبًا تأثير القراءات على الشعب، كقراءة البولس أو الإبركسيس، أو الصلوات الخاصة بقراءة الإنجيل المقدس. ومنها صلوات سرية يقولها قبل الاعتراف الأخير. كذلك صلوات يصليها وهو يدور حول المذبح.. كلها ينبغي أن تكون من عمق قلبه.
ما أهم مشاعر الأب الكاهن، وهو يصلي الأواشي:
سواء الأواشي التي يقولها خارج الهيكل، أو من على المذبح. تصوروا حينما يصلي (أوشية السلامة) من أجل الكنيسة يصليها جميع الآباء الكهنة، في جميع الكنائس، في كل أنحاء الكرازة، من أجل سلامة الكنيسة من أقصاء المسكونة إلى أقاصيها…
ماذا يكون مفعول هذه الصلاة، إن صلاها الآباء بعمق من كل قلوبهم، ويتضرع صادق أمام الله، وتجاوب الشعب كله معهم، قائلين أيضًا من عمق قلوبهم “يا رب ارحم”.. ألا يستجيب الله لكل هؤلاء؟ أم أن البعض – للأسف الشديد – يظن أن الصلوات الطقسية مجرد روتين ونظام، وتلاوة محفوظة، وألحان!!
لا شك أن الصلوات الطقسية، حينما يصليها الكهنة والشعب بروحانية وعمق، تقتدر كثيرًا في فعلها (يع5: 16).
يكون لها تأثيرها في السماء، وعلى الأرض.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – الأب الكاهن وروحانية الطقوس، بمجلة الكرازة 9 مايو 1997.




