المسئولية

المسئولية[1]
لعل من أبرز الآيات في المسئولية ما ورد في سفر حزقيال النبي- فقرة وردت مكررة مرتين في حز3، حز33، وهي: “قَدْ جَعَلْتُكَ رَقِيبًا لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ. فَاسْمَعِ الْكَلِمَةَ مِنْ فَمِي وَأَنْذِرْهُمْ مِنْ قِبَلِي. إِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: مَوْتًا تَمُوتُ وَمَا أَنْذَرْتَهُ أَنْتَ وَلاَ تَكَلَّمْتَ إِنْذَارًا لِلشِّرِّيرِ مِنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ لإِحْيَائِه، فَذَلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتُ بِإِثْمِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ” حزقيال 3 : 17–18 ، حزقيال 33 : 7–8 .
وأخطر عبارة هنا هي قلت للرب للراعي المسئول: “أما دمه، فمن يدك أطلبه”…
لعل كثيرًا من الآباء الكهنة يذكرون هذه العبارة، حينما يقولون في المزمور الخمسين: “نَجِّنِي مِنَ الدِّماء يا الله إلَه خَلاصِي”…
أية دماء هذه؟! أليست دماء الذين هلكوا بسبب تقصيرنا؟!
ويكرر الرب انذاره للرعاة في الإصحاح التالي (حز34) فيقول: “حَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً وَمَأْكَلًا لِكُلِّ وَحْشِ الْحَقْلِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ رَاعٍ وَلاَ سَأَلَ رُعَاتِي عَنْ غَنَمِي، وَرَعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعُوا غَنَمِي، فَلِذَلِكَ… هَئَنَذَا عَلَى الرُّعَاةِ وَأَطْلُبُ غَنَمِي مِنْ يَدِهِمْ, وَأَكُفُّهُمْ عَنْ رَعْيِ الْغَنَمِ، وَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ بَعْدُ، فَأُخَلِّصُ غَنَمِي مِنْ أَفْوَاهِهِمْ…” حزقيال 34 : 8–10 … حقًا ما أخطر هذه العبارة:
أطلب غنمي من أيديهم، وأكفهم من رعي الغنم…
ويشرح الرب الطريقة المُثلى فيقول: “هَئَنَذَا أَسْأَلُ عَنْ غَنَمِي وَأَفْتَقِدُهَا… أَرْعَاهَا فِي مَرْعًى جَيِّد… وَفِي مَرْعًى دَسِمٍ” ويقول: “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ… أَحْكُمُ بَيْنَ شَاةٍ وَشَاةٍ” حزقيال 34 : 11–17 . ويتغنى داود بعمل الله كراع فيقول:
“الرَّبُ يَرْعاني فَلا يُعْوزُني شَيء” المزامير 23 : 1 .
ويستطرد “في مَراعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي، إلَي مَاءِ الرّاحةِ يورِدُني. يَردُّ نَفْسي. يَهْديني إلَي سُبُل البرِّ…” المزامير 23 : 2–3 .
فماذا يفعل الرعاة؟ من جهة الاهتمام بحاجة الرعية، في احتياجاتهم، وفي هدايتهم إلى سبل البر، وفي إنذارهم؟
يقول بولس الرسول لشيوخ أفسس: “… ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ” أعمال الرسل 20 : 31 . إنه يقول:
“أنذر بدموع كل أحد”. وليس ينذر بتسلط.
ولا يُنذر بكبرياء، ولا بقسوة، بل كما يقول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ انَاةٍ وَتَعْلِيمٍ” تيموثاوس الثانية 4 : 2 ، ويقول أيضًا: “شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ، أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ” تسالونيكي الأولى 5 : 14 . ذلك لأن بعض العادات تحتاج إلى وقت للتخلص منها. بالنسبة إلى الضعفاء وصغار النفوس…
هنا يبدو أمامنا عمل الكاهن. إنه ليس سلطة، وإنما مسئولية. والسلطة إنما هي لإتمام المسئولية.
وتتلخص المسئولية في عبارة وردت في الدسقولية وهي: يهتم بكل أحد ليخلصه…
كثير من الآباء ينسون هذا العمل من أجل خلاص النفس، وينشغلون بأمور عديدة، وأنشطة متنوعة، في العمل الطقسي، وفي المشروعات، وفي جمع المال لأجلها، وفي الأمور الإدارية وما يرتبط بها من اصطدامات… أو في السيطرة على كل العمل، واخضاع غير الخاضعين…
بينما الحاجة إلى واحد: يهتم بكل أحد ليخلصه.
ولعل هذا يذكرنا بقول الرب: “فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟” لوقا 12 : 42 ، أي يعطيهم طعامهم الروحي في حينه، لا يتأخر عليهم”.. نعم، “طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا” لوقا 12 : 43 .
أما لو قصر في مسئوليته، فما أخطر المصير الذي ينتظره!! سأشير إليه – دون أن أذكره – لوقا 12 : 45–46 .
هنا عمق المسئولية التي يطالبه الرب بها بالنسبة إلى كل فرد. ويكرر له عبارته التي قالها في سفر حزقيال النبي.
“ومن يدك أطلب دمه”…
أما كيف يقوم الراعي بمسؤليته، فللموضوع بقية.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “صفحة الآباء الكهنة – المسئولية”، نُشر بمجلة الكرازة 28 أغسطس 1992م




