أنتم صورة الله القدوس

إننا نصلي باستمرار “قدوس، قدوس، قدوس رب الصباؤوت” ونكررها باستمرار، لتثبت فينا عقيدتنا عن قداسة الله. وحينئذ نتذكر أننا خلقنا على صورة ومثاله. إذن فأنتم صورة الله القدوس.
الله كان وحده في الأزل، بقداسته اللانهائية. لا شيء سوى قداسته، لا خطية على الأطلاق. ثم بدا يخلق…
وبعملية الخلق، أوجد كائنات حرة كالملائكة والبشر، يمكن بإرادتها أن تخطئ… وبدأت الخطية بسقطة الشيطان، وسقط معه ملائكة آخرون… ثم سقط الإنسان… وهكذا دخلت الخطية إلى العالم. ولكن من البدء لم يكن الأمر هكذا…
كان الشيطان ملاكًا قديسًا، عندما خلقه الله، كان بهيًا في جماله، كاملًا في طرقه. وهكذا كان الإنسان.
ما أجمل الصورة التي خلق بها الإنسان، على صورة الله!
آدم وحواء، النقيان، البسيطان، اللذان لا يعرفان شرًا، اللذان كانا عريانين ولا يخجلان، في قداسة عجيبة، مثل الأطفال الأبرياء الذين أحبهم المسيح، وقال لنا عنهم “إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال، فلن تدخلوا ملكوت السموات”.
ما أجمل الكون، حينما كان نقيًا، ليس سوى القداسة فيه!
حينما كان الله وحده، وحين كان الملائكة قبل السقوط…
وما أجمل طبيعتنا الأولى، كصورة الله شبهه ومثاله.
لقد خلقنا الله قديسين، وأرادنا أن نستمر كذلك:
وهكذا قال لنا الكتاب “كونوا قديسين، كما أن أباكم الذي في السموات هو قدوس” “كونوا كاملين، كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل. إن القداسة-ولا شك-هي وضعنا الأصيل، أما الخطية فهي دخيلة علينا.
ونحن كأبناء الله، من المفروض أن نكون قديسين:
ذلك لأن الابن يشبه أباه. وهكذا يقول معلمنا يوحنا الرسول “إن علمتم أنه بار هو، فاعلموا أن كل من يعمل البر هو مولود منه” ( يوحنا الأولى 2 : 29 . ويقول أيضًا “كل من هو مولود من الله، لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه. ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من الله” ( يوحنا الأولى 3 : 9 ). “كل من ولد من الله لا يخطئ. بل المولود من الله يحفظ نفسه: والشرير لا يمسه” ( يوحنا الأولى 5 : 18 ).
المفروض أننا قديسون، كأولاد الله. وأيضًا قديسون كهياكل لله، والروح القدس ساكن فينا.
لا يمكن أن يسكن الله في هيكل نجس، فبيت الله مقدس هو “ببيتك تليق القداسة يا رب”.
أنت قديس من خلال الأسرار المقدسة العاملة فيك:
قديس بسر المعمودية الذي طهرك من الإنسان العتيق وولدك ولادة جديدة. وقديس بمسحة الروح القدس التي قدستك في سر الميرون وأنت تتقدس أيضًا بسر التوبة الذي يمحو خطاياك، وبسر الإفخارستيا الذي به تثبت في المسيح، ونصلي فيه “طهر أرواحنا وأنفسنا وأجسادنا”.
ولهذا نقول في سر الإفخارستيا “القُدسَات للقديسين”:
ولهذا نسمي القداس الذي يتناولون فيه “قداس القديسين”.
بالقداسة يستعد المتناولون للتناول، وبالتناول أيضًا يتقدسون وما أجمل العبارة التي قالها صموئيل النبي يوم اختياره لداود ملكًا “تقدسوا وتعالوا معي إلى الذبيحة” ( صموئيل الأول 16 : 4 ).
وذبيحة الفصح أيضًا كانوا يتناولونها وهم طاهرون.
أبوابهم مرشوشة بالدم، رمز الفداء. ويأكلون الفصح مع فطير، رمز النقاوة. والخمير الذي يرمز للشر، ينزعونه من بيوتهم سبعة أيام، رمزًا للعمر كله. وكان كل من أكل مختمرًا طول تلك الأيام يقطع من جماعة الله ( الخروج 12 : 15–19 ).
وحينما اقترب الشعب من الجبل، لسماع وصايا الله، اقتربوا طاهرين…
اقتربوا في قداسة. وكان موسى قد قدس الشعب، وغسلوا ثيابهم، وظلوا مستعدين ثلاثة أيام، لم يقربوا امرأة ( الخروج 17 : 14–15 الخروج 3 : 4 ).
إن مكان حلول الله، هو مكان مقدس، لقداسة الله اللانهائية.
عندما ظهر الله لموسى في العليقة، أمره أن يخلع نعليه، لأن المكان الذي هو واقف فيه مقدس ( الخروج 3 : 5 ).
وهكذا كان (قدس الأقداس)، يسمى هكذا لحلول الله فيه…
إن أولاد الله قديسون أيضًا، لأنهم أعضاء في جسد المسيح.
ولا يمكن أن يكون عضو في جسد المسيح نجسًا، ما دام هو عضوًا، إذن لابد أن يكون قديسًا، لأنه أية شركة بين النور والظلمة، أو بين المسيح وبليعال…
وهكذا كانت عبارة مؤمن ترادف عبارة قديس في الكنيسة الأولى:
يقول الرسول “سلموا على كل قديس في المسيح يسوع” وقيل في صفات التي تقام أرملة، أنها تكون “غسلت أقدام القديسين”.
وهكذا دعيت الكنيسة مقدسة، لأنها تضم مجموعة قديسين:
إننا نقول في قانون الإيمان المسيحي “نؤمن بكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية”. وهي مقدسة أيضًا بدم المسيح الذي طهرها من كل خطية، ومقدسة لأن عضويتها قاصرة على القديسين.
ولهذا اشترط أن تكون المحلة مقدسة…
ذلك لأنها مسكن الله مع الناس… ولذلك فإن ذبيحة الخطية، التي كانت تحمل خطايا الناس، كانت تحرق خارج المحلة، لكي لا تنجس المحلة..
ولما كانت الكنيسة هي مجموعة قديسين، وجب أن ينزع منها كل خاطئ لا يتفق وجوده فيها مع قديستها، هكذا قال الكتاب “انزعوا الخبيث من وسطكم”. وبهذا أمر بولس الرسول أهل كورنثوس، من جهة الخاطئ الذي وجد بينهم”.
والكنيسة الأولى كانت حازمة في إخراج الخطاة…
لم يكن أي إنسان له الحق في دخول الكنيسة، وإنما القديسون فقط. القديس يوحنا ذهبي الفم منع الإمبراطورة من دخول الكنيسة، إذ رآها خاطئة غير مستحقة للدخول.
والسيد الرب طرد آدم من الفردوس لما أخطأ.
وإن كانت الخطية تفصل الإنسان من قدسية الكنيسة، فإنها بالأولى تفصله عن الله. الخطية حقا انفصال عن الله…
لأنه أية شركة للنور مع الظلمة. الله نور لا يدني منه، ليست فيه ظلمة البتة، والخطية ظلمة…
الذي يثبت في الله، يثبت في القداسة، وفي النور… والذي يفعل الخطية، ينفصل عن القداسة، وعن النور.
أنها انفصال عن الله، هنا وفي العالم الآخر أيضًا.
أورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس، لا تسكنها الخطية، ولا الخطاة… إنها المدينة المنيرة التي ينيرها الله بنفسه، وليست فيها ظلمة البتة. لذلك حسنًا قيل عن الخطاة إنهم “يطرحون في الظلمة الخارجية” خارج مسكن الله مع قديسيه…
المفروض فينا أن نكون قديسين، ولكن هل نحن كذلك؟
كلا، لقد فقدنا الصورة الإلهية، واستخدمنا حرية إرادتنا في الخطية وبعدنا عن الله. فماذا فعل الله؟
إنه ما يزال يحاول إرجاعنا إلى حياة القداسة مرة أخرى، بواسطة ملائكته، بواسطة قديسيه، بواسطة الرسل، والأنبياء، والرعاة، والكهنة، والوعاظ… بل بروحه القدوس ونعمته وعمله فينا، يعلمنا طرق الخلاص، ويسهل لنا طريق التقوى.
من أجل القداسة التي يريدها الله لنا، وضع لنا سر التوبة.
إنه بالتوبة يقدسنا، ويطهرنا، ويعيد إلينا صورته. ينضح علينا بزوفاه فنطهر، ويغسلنا فنبيض أكثر من الثلج… ما أجمل عبارة (نبيض أكثر من الثلج) … إنها تعطينا فكرة عن صورتنا الإلهية، التي ينبغي أن نعود إليها، حتى نلبس بها ثوب العرس.
التوبة توصلنا إلى النقاوة ثم إلى القداسة، التي بدونها لا يعاين أحد الرب. وهو ذا الرسول يقول لنا:
“لأن هذه هي إرادة الله، قداستكم” ( تسالونيكي الأولى 4 : 3 ).
من المحال أن تجمع بين الله، وحياتك في الخطية. لا تستطيع أن تعبد سيدين. لهذا يقول النبي: “إلى متى تعرجون بين الفرقتين؟! إن كان الله هو الله، فاعبدوه. وإن كان البعل هو الله، فاعبدوه”.. إما النور، وإما الظلمة…
إنك بالخطية تطرد الله من قلبك. لذلك فالخطية بهذه الصورة خيانة الله وتمرد عليه، وعدم اتفاق مع طبيعته القدوسة.
إن كان الإنسان كلما ينمو في البر، تبدو الخطية أمامه بشعة جدًا، فكم بالأولى نظرة الله الكلي القداسة إلى الخطية؟! إن الله لا يريدنا فقط أن نترك الخطية، إنما بالأكثر أن نكرهها… نشمئز منها: ولا تنافسه في قلوبنا.
إن دخلت محبة الله إلى قلبك، حينئذ ستطرد منه محبة الخطية، كما يطرد النور الظلمة، وحينئذ تصير قديسًا.
إنك عندما تقول (قدوس الله)، إنما تنحني احتراما لقداسة الله، وأيضًا تنحني بمطانية، إذ تتذكر حياتك الخاطئة البعيدة عن القداسة. وعندما نصلي لحن (أجيوس) الحزايني في يوم انتقال شخص من العالم، إنما، نقول لله في داخلنا: إنك أنت وحدك القدوس، فاغفر لهذا الإنسان، واقبله إليك، إذ ليس أحد بلا خطية، إلاك أنت وحدك، القدوس…
كلما ترتل وتقول “قدوس، قدوس، قدوس”، ارفع قلبك إلى الله، وقل له: امنحني يا رب هذه القداسة، بعمل روحك القدوس.
عندما أخطأ آدم، طرد من الفردوس، حتى لا يأكل من شجرة الحياة وهو خاطئ. إذن لابد أن نتقدس أولًا، لكي ما نستحق أن نأكل من شجرة الحياة، فنحيا في الله، ويحيا الله فينا، “فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في”.
لذلك إن أحببتم الحياة الحقيقية، وأحببتم الأبدية. وأحببتم أورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس. إن أحببتم عشرة الملائكة، وعشرة القديسين، وعشرة الله نفسه، في ذلك الموضع.. نقوا قلوبكم من كل خطية، وسيروا زمان غربتكم بخوف، في سيرة تليق بالقداسة التي إليها دعيتم. واسترجعوا صورة الله التي كانت لكم.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الأربعون) 7-10-1977م




