أسباب قساوة القلب

أسباب قساوة القلب
حدثتكم في الأسبوع الماضي عن الآية التي تقول: “إن سمعتم صوته، فلا تقسوا قلوبكم”. وتكلمنا عن قساوة القلب في الحياة الروحية ومظاهرها، وضربنا لها أمثلة… ونتكلم اليوم عن أسبابها…
حلاوة الخطية:
من أهم الأسباب لقساوة القلب، حلاوة الخطية، كما يقول سليمان الحكيم:
“المياه المسروقة حلوة، وخبز الخفية لذيذ”.
†حلاوة الخطية تضع غشاوة بين الإنسان ومحبة الله، فيتقسى القلب. وهكذا حدث منذ البدء، في قصة حواء والشجرة…
نظرت المرأة، فإذا الشجرة شهية للنظر، وبهجة للعيون وجيدة للأكل. وحلاوة الخطية، أنستها الوصية، وقست قلبها…
ومن أهم الأمثلة في هذا المجال، قصة شمشون نذير الرب:
كان روح الرب قد حل عليه. ولكنه لما أحب دليلة، وأخطأ، تقسى قلبه فلم يعد يسمع صوت الروح فيه. وعلى الرغم من اتصال المرأة بأعدائه ضده، ومعرفته بذلك، إلا أن حلاوة الخطية سدت أذنيه عن سماع إنذارات الله، حتى ضاع الجبار…
الخاطئ كلما يصله صوت الله، تسد حلاوة الخطية أذنيه، فيتقسى قلبه ولا يسمع ولا يستجيب. ويتحول إلى شخصين: أحدهما رقيق جدًا في محبته للخطية، والآخر قاسيًا جدًا في صدوده عن الله…
مثل زوجة أب، توغر صدره ضد أبنائه، فيصير قاسيًا في معاملته لهم، بينما يكون رقيقًا جدًا في معاملته لزوجته…
وهكذا نحن في الخطية: الحب والرقة والاستجابة نعطيها للشهوة، أما القسوة والصدود فنعطيها لله.
وفي شعورنا بحلاوة الخطية، ندخل في ازدواج الشخصية.
وكما قال بولس الرسول: “الشر الذي لست أريده، إياه أفعل” ( رومية 7 : 19 ). (لست أريده) تعني صوت الروح فيه، أما (إياه أفعل) فتعني القلب الرافض لله الذي يصد الروح.
كطالب أيام الامتحانات، صوت يقول له قم للمذاكرة، مستقبلك، دروسك… وحلاوة النوم تقسي قلبه، لينتظر ويتماهل متمتعًا بالنوم وهكذا بنفس الشعور لا يقوم العابد للصلاة…
حلاوة الخطية توجد منافسًا لله في القلب، فلا يستجيب لله.
مثل قصة الشاب الغني، الذي أتى للمسيح، طالبًا نصحه، طالبًا للأبدية، ولكن محبة المال قست قلبه فمضى تاركًا الرب.
ما الذي قسى قلب فرعون؟ إنها حلاوة الخطية أيضًا…
في كل ضربة، كان يطلب التوبة، ويعد الله وعودًا. ثم يعود فيرجع… كيف يمكنه أن يتخلى عن أكثر من 400 ألف يعملون أعمال بالسخرة. لذة التمتع بهذا الربح، منعت عنه التوبة…
كالذي يكذب، ويجعل طبيبًا يكذب، ليحصل على أجازة مرضية… كلما يقول الروح له إنها خطية، تسكت ضميره، حلاوة الاجازة!
ثم تدخل هنا (العقلانية) فتحاول أن تسكت ضميره، وتبرر له الأمر، وتتهمه بالحرفية، وتعذره بأن الأمر مألوف…!
ومن أمثلة تأثير حلاوة الخطية، امرأة لوط…
وصلها إنذار الرب، وسمعت صوت الملاكين، وسمعت لوطًا يعظ أصهاره، ورأت الملاكين يدفعانها وباقي الأسرة للخروج حتى لا يقفوا في كل الدائرة. ولكن حلاوة الخطية قست قلبها: كيف أترك أموالي، وتعب السنين كلها، أحقًا احترق كل هذا؟ ليتني أنظر للوراء لأبصر… ونظرت فهلكت…
حلاوة الخطية تقسي القلب. وإن دفعه الروح للتوبة، يؤجل!
أنا مقتنع بخطأي، لابد أن أتوب. ولكن لماذا الآن؟ من أجل حلاوة الخطية، أنتظر قليلًا، وأتوب بعدئذ.
في التأجيل قساوة قلب. الروح يدعو، فتقول ليس الآن!
لم يعد القلب حساسًا لصوت الله كما كان قبلًا. لم تعد المشاعر حارة ومستجيبة ولا مهتمة بعمل الله وبمحبته! عبارة “هذا الأمر يحزن الله”، فقدت تأثيرها على القلب القاسي.
الصحبة الشريرة:
† ومن ضمن الأشياء التي تقسي القلب: الصحبة الشريرة.
لو عاشرت أناسًا حساسين نحو الله، يمتلئ قلبك حساسية. ولو عاشرت أناسًا لا يهتمون بالروحيات، فإنهم يقسون قلبك.
مثال ذلك أخاب الملك. الذي قست قلبه زوجته إيزابيل …
علمته كيف يقتل الأنبياء ويضطهد الأبرار. وخذوا مثالًا، تصرفه مع نابوت اليزرعيلي. أراد آخاب أن يأخذ حقل نابوت، فرفض نابوت أن يتنازل عن ميراث آبائه، فمضى آخاب إلى بيته مكتئبًا مغمومًا(1مل21) ورأته إيزابيل هكذا، فوضعت له الخطة: يقتل نابوت.. يتهمه أولًا بالتجديف على الله، ويجلب عليه شهود زور، ويحكم عليه بالموت… وتقسى قلب أخاب، فقتل نابوت.
ولد صغير، تغرية صحبة شريرة بالتدخين، فيهاب الموقف، ويخاف ويرفض ولكنهم يشجعونه، ويقسون قلبه، حتى يبدأ، ويظلون به حتى يصير التدخين له عادة، بلا خوف…
أتذكر أني قرأت مرة كتابًا عن الهيبز والبيتلز، وكيف علموا زملائهم الإباحية، وقسوا قلوبهم فعلموهم القتل أيضًا…
كان هؤلاء يخافون، ولكنهم شجعوهم، وأمروهم باغتيالات وقسوا قلوبهم فنفذوا، وتطوروا إلى شرب الدماء…
العقلانية الشريرة:
صوت الله يمنع الإنسان من الخطية، لكن الصحبة الشريرة تقول له: “إفعل ولا تخف”، فيفعل بلا خوف، ويتقسى قلبه…
وإن رفض، يتهكمون عليه: “هل أنت من الدقة القديمة”! وبالإقناع وبالإغراء وبالسخرية وبالإلحاح، يتقسى قلبه، ويصير مثلهم…
ربما تكون الصحبة الشريرة أناسًا، وربما تكون كتبًا وأفكارًا…
كإذاعة متطفلة تشوش على إذاعة واصلة إليك. كلما تحاول أن تسمع، تشوش عليك الإذاعة الدخيلة، هكذا العقلانية الشريرة، التي تشبعك براهين وأفكارًا، تغير بها مبادئك، وتقسي قلبك…
مثل شاب صغير في بلاد الغرب، يقابله بعض الشباب، ويحدثونه عن الحرية حديثًا قد لا يقبله أولًا، ولكنهم يلحون عليه:
ما سلطان المجتمع عليك؟ ما سلطة الوالدين؟ ما سلطة الدولة؟ أنت حر، إفعل ما تشاء. لا تفقد شخصيتك، لا تفقد كرامتك، لا تخضع لرأي غيرك… وهكذا يتقسى قلبه، فلا يعود يحترم أحدًا، أو يطيع أحدًا. ويظن أن هذه هي الحرية!!
إنها العقلانية الشريرة، والأفكار الجديدة، التي تقسي القلب. إنها ليست تقسية مؤقتة، بل دائمة، لأنها تغيير للقيم والمبادئ.
العوائق:
قد يتقسى القلب أيضًا بالعوائق، بالأعذار، كعذراء النشيد.
ناداها الرب أن تفتح له، فقالت: “غسلت رجلي، فكيف أوسخهما. خلعت ثوبي، فكيف ألبسه”؟!… هكذا تتقدم العوائق لتقسي القلب كل عمل من أعمال الروح يقف ضده عائق أو عوائق: الصوم أمامه المرض، والسهر أمامه التعب، والصلاة أمامها عدم الرغبة، والاعتراف أمامه الخجل، والتناول أمامه عدم الاستعداد أو عدم الاستحقاق…
وقد يعتذر الإنسان، عن كل هذه الوسائط الروحية، بأن الله إله قلوب، ولا لزوم لكل هذا!! وإن الله يعرف ضعف طبيعتنا، وإن الروح نشيط ولكن الجسد ضعيف!!
ثلاثة أشخاص دعاهم الرب لخدمته، فاعتذر أحدهم بأنه سيدفن أباه، والآخر بأنه تزوج، والثالث بأنه اشترى خمسة أزواج بقر ويريد أن يختبرها… مجرد أعذار.
الإنسان القوي لا يهتم بالعوائق، بل ينتصر عليها…
تعود الخطية:
الإنسان في بدء الخطية يشمئز أو يخاف منها. ولكنه كلما يتعودها، يتقسى قلبه، فتسهل عليه ويشربها كالماء، لا يصحو ضميره، ولا يحتج فكره.
تعود الوسائط الروحية:
قد يعتاد الإنسان بعض الوسائط الروحية، بطريقة تفقد هيبتها وتأثيرها فالكنيسة مثلًا من كثرة تواجده فيها، يتكلم فيها ويضحك، ويتمشى ويجري وينادي غيره، وينسى أنها كنيسة. كذلك قد يفقد هيبة الهيكل بكثرة دخوله، وهيبة الأسرار بكثرة تناوله، وهيبة الاعتراف والكهنوت بمصادقة الكهنوت!
كإنسان يتعاطى دواءًا بكثرة، فيفقد الدواء تأثيره عليه!
وكما يتقسى الجسم فلا يستجيب للدواء، يتقسى القلب فلا يستجيب لكل وسائط الروح. تصبح عادية بلا تأثير…
أسباب أخرى:
† قد تأتي قسوة القلب، من أن القسوة طبيعة فيه
كالأرض الصخرية التي لا تستجيب بطبيعتها لبذر أو ري…
† وقد يتقسى القلب للاستهانة بلطف الله وطول أناته:
يقول الرسول ( رومية 2 : 4–5 “أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، غير عالم أن لطف الله، إنما يقتادك إلى التوبة. ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب، تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب.
يخطئ إنسان، ويظن أن غضب الله سيحل عليه بسبب خطيئته. وإذ لا يحدث له شيء، يفقد مخافته، ويستمرئ الخطية، ويتقسى قلبه، فيستمر! أكان الأفضل أن يعاقب؟!
إنسان يحلف على الإنجيل كذبًا، ويضعه على عينيه، ولا يصيب عينيه شيء، فيستهين بالإنجيل وبالكذب والحلفان، ويتقسى قلبه، ولا يعود يخاف من المقدسات!
كان يمكن أن يضربه الله، ولكنه أطال عليه أناته، فيتقسى قلبه، ويستهين بطول أناة الله…! هل العقوبة لهؤلاء أفضل؟.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثاني والثلاثون) 12-8-1977م





