يونان في بطن الحوت

يونان في بطن الحوت
نكمل تأملاتنا اليوم في قصة يونان النبي، ولنضع أمامنا الأصحاح الثاني من السفر، حيث كان يونان في بطن الحوت، وسط المياه الكثيرة واللجج والتيارات، رمزًا للتجارب والضيقات والحروب الروحية التي يتعرض لها المؤمن في علاقته مع الله.
يونان في بطن الحوت
ألقى يونان إلى البحر، إلى المياه الكثيرة، التي ترمز في الكتاب إلى التجارب والضيقات، ومحاربات العدو:
ولهذا يقول الكتاب: “مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة” (نش8: 7). ولكنها قد تضغط على الإنسان فيرفع صوته إلى الله “ترفع الأنهار صوتها، من صوت مياه كثيرة… عجيبة هي أهوال البحر” (مز92).
عجيبة هي أهوال البحر، الذي ألقى فيه يونان. كان هذا النبي واثقًا من رأيه، ومن قوته. وكان مصرًا على إهلاك نينوى.
فأراد الرب بإدخاله في أهوال البحر، أن يشعره بضعفه، فيشفق على تلك المدينة الخاطئة التي كان هو أيضًا خاطئًا مثلها، مع الفارق!
حقًا إنك نبي، ولكنك “تحت الآلام”، مثل هذه المدينة الخاطئة: رفضت أن تطيع كلمة الرب وأن تؤدي رسالته، وهربت من وجهه، وأصررت على كلمتك، واغتظت بالصواب، ولم تكن مشيئتك موافقة لمشيئة الآب… وهكذا دخلت المياه إلى نفسك.
تحدث داود عن هذه المياه الكثيرة، المحاربة للنفس، فقال: “أترى جازت نفوسنا الماء الذي لا نهاية له… مبارك الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم”(مز 123).
هذه المياه كانت تغمر الأرض منذ بدء الخليقة “وكان على وجه الغمر ظلمة. ثم انقذ الله الأرض من سلطان المياه(تك 2:1، 9).
قد تأتي المياه الكثيرة من داخل النفس، وقد تأتي من الناس، وقد يسمح بها الله لحكمة خاصة…
بالنسبة إلى يونان. أتته المياه من داخل نفسه، من خطيئته التي أهاجت البحر والأمواج، واستلزمت تدخل الله لتصحيح مسيره.
كانت هناك مياه داخل نفسه، قبل وقوعه في مياه البحر. المياه غطت نفسه، ذاته وكرامته وشعوره بنفسه، كل ذلك غمر الوصية، وغطى على محبته للناس وخلاصهم.
وهو نفسه شعر بهذا، فقال لأهل السفينة “خذوني وأطرحوني في البحر، فيسكن البحر عنكم، لأنني عالم أنه بسببي هذا النوء العظيم عليكم” (يون 1: 12).
خطيئته هي التي ألقته في البحر، وأدخلته في المياه الكثيرة. ومع ذلك نراه يلوم الرب قائلًا: “لأنك طرحتني في العمق، في قلب البحار… جازت فوقي جميع تياراتك ولججك” (يون2: 3)
بمخالفته للرب، أساء إلى نفسه، وأساء إلى أهل السفينة، وتسبب في إلقاء أمتعتهم في البحر. ومع ذلك لم يشعر بخطيئته، بل عاتب الرب: “طرحتني.. جازت عليّ تياراتك ولججك”. إنه كالتلميذ الذي يرسب، فيقول: “لماذا يا رب…”. مثل آدم الذي أخطأ، فقال للرب: “المرأة التي جعلتها معي” ولم يقل استسلامي وضعفي!
في بعض الأحيان يسمح الرب بالتيارات واللجج تغطي الإنسان، لكي يشعر بضعفه، ويتأكد أنه ليس أقوى من الآخرين…
لكي يفهم أنه إنسان تحت الآلام مثلنا (يع5: 17) … لكي يذكر المقيدين كأنه مقيد معهم، ويتعامل مع المذلين كأنه هو أيضًا في الجسد (عب13: 3). وهكذا يشفق على الساقطين.
يسمح الله باللجج، لكي يشعر المؤمن بقوة المحاربات، وضعف الطبيعة البشرية، وقسوة العدو، وسهولة السقوط…
وإذ يشعر الإنسان بضعفه، يحترس ويحذر ويدقق…
ويضع سيفه على فخذه، من هول الليل (نش3: 8)
يتذكر من أين سقط ويتوب، ويعرف أنه لا يوجد كبير أمام الخطية، لأنها “طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء، يمكن للتيارات واللجج أن تغطي النبي العظيم، فهو ليس أقوى من الذين غرقوا. الكل في الضعف… والشيطان يقظ.
يسمح الله بالتيارات واللجج، لكي نتضع، ونتعلم الصلاة…
ولا نعود نعتمد على أنفسنا، ولا على قوتنا وخبرتنا.
وقد تأتي التيارات والمياه الكثيرة، من الناس…
من المعاشرات الردية التي تفسد الأخلاق الجيدة، مثلما حدث للوط في سدوم، حيث كانت نفس البار تتعذب يومًا بعد يوم من مناظر الناس الأشرار.
وقد تأتي التيارات واللجج، لكي يشعر الإنسان بأن الخطية خاطئة جدًا، ويتعب، ويستفيد من شدة التجربة وقسوة نتائجها. وقد استفاد يونان من التجربة. فصلى، ثم أطاع…
يقول الكتاب: “فصلى يونان إلى الرب إلهه من جوف الحوت وقال: “دعوت من ضيقي الرب… صرخت من جوف الهاوية” (يون2: 1) …
في فترة التذلل الأولى، في هروبه، لم يكن يصلي…
كل ركاب السفينة كانوا يصلون إلى آلهتهم، ما عدا يونان، فقد اضطجع في جوف السفينة ونام نومًا ثقيلًا، حتى أيقظه رئيس النوتية ووبخه قائلًا: قم أصرخ إلى إلهك”.
أما الآن، فإنه يصلي في جوف الحوت، ويصرخ إلى الرب.
في حياة الدعة والسلام، أحيانًا لا نصلي، نظن أنه لا حاجة إلى ذلك. أما عندما يهيج علينا البحر، وتبتلعنا الحيتان، حينئذ نقول: “في ضيقتي صرخت إلى الرب”.
إذن مباركة هي الضيقة التي تقربنا إلى الله… مباركة هي الأمراض والآلام، التي تقربنا إلى الله.
هناك أشخاص لا يصلون على اليابسة، إنما يصلون حينما تطبق عليهم التيارات واللجج، ويشعرون بضعفهم ومسكنتهم.
على أننا نلاخط أن الله في التجربة، كان مشفقًا على يونان.
لم يدفعه إلى مياه البحر العظيم، بل أحاطت به المياه في جوف حوت، على قدر احتماله للتيارات واللجج… فإن كنت يا يونان صرخت من هذه المياه القليلة، فكيف كنت تفعل في لجج البحر العظيم؟! إن جريت مع المشاه فأتعبوك، فكيف تباري الخيل؟!
يقول: “نزلت إلى أسافل الجبال، مغاليق الأرض عليّ”.
هذا أفضل جدًا، فطالما أنت على قمة الجبل، فأنت تكلم الناس من فوق. من يقدر عليك؟! حسن أن تنزل…
سأريك ضعفاتك، حتى لا تقسو على نينوى، بل تطلب لها المغفرة، أشفق على المخطئين، حتى لا تدان مثلهم… على رأي أحد القديسين: لا تلم العشار، حتى لا تدان مع الفريسي.
دخل يونان في مغاليق الأرض، حيث لا يبدو منفذ. ربما البحر الهائج المكشوف أرحم. “ضاع المهرب مني، وليس من يسأل عن نفسي”. هنا بدأ يتجه إلى الله… ليس غيره.
كثيرون نزلوا من أعالي الجبال، من القمم الروحية التي كانوا يعيشون فيها. والأرض أغلقت أبوابها عليهم.
وهنا أخذوا إنسحاق القلب واتضاع الضمير، الانسحاق الذي لم يكن لهم وهم على قمة الجبل…
الله من أجل خير يونان، أنزله من أعالي الجبل، إلى بطن الحوت “أعد الرب حوتًا عظيما فابتلع يونان”.
وفي الحوت ناحيتان تبدوان كما لو كانتا متناقضتين: إنه يمثل التجربة المؤلمة، ويمثل أيضًا الحفظ.
حوت يونان، يمثل التجربة الحافظة، غير المؤذية.
إنه يمثل التأديب، وليس الموت، كما قال داود النبي: “تأديبًا أدبني الرب، وإلى الموت لم يسلمني” (مز 117).
فيه امتدت يد الرب إلى يونان، يده لا عصاه…
وعاش يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام ولم يؤذه، بل حفظه الحوت من كل تيارات البحر ومن كل لججه. وأسلمه أخيرًا إلى الرب، سالمًا، وقد أخذ درسًا روحيًا.
الأيام الثلاثة التي قضاها يونان في بطن الحوت، تعلمنا أن كل تجربة لها مدى زمني، كتجربة أيوب…
لم تكن مدة قصيرة… كل ساعة فيها، بل كل دقيقة من ال4320 دقيقة، كانت دهرًا، تقاس بألمها وليس بطولها…
إنه جو رهيب مفزع، عاش فيه النبي المخالف…. وصبر الرب عليه، ولم يخلصه إلا في ملء الزمان، مثل أيوب…
في بداية التجربة احتج يونان وشكا، قال للرب: “طرحتني… تياراتك ولججك”. فدل على أنه لم يصل إلى الانسحاق بعد، ولم يعرف خطأه. فتركه في التجربة ليستفيد.
نفس الوضع حدث مع أيوب: شكا واحتج. وقال للرب: “فهمني لماذا تخاصمني؟ أحسن عندك أن تظلم. تستذنبني لكي تبرر أنت”!! فصبر عليه الرب، لأنه لم يكن قد انسحق قلبه بعد… ولما وصل إلى الانسحاق (أي42: 6) رفع الرب عنه التجربة…
هكذا أنت في كل تجربة تمر عليك، لا تنفعك الشكوى والاحتجاح، والثورة على أحكام الله، والشعور بأنك مظلوم. وإنما انسحق، وأشعر بخطئك، واستفد من التجربة. حينئذ تنتهي التجربة، لأنها تكون قد أدت رسالتها، فلا داعي لبقائها.
هكذا يونان: وقع في بحر لا يقدر عليه، وفي جوف حوت لا يقدر عليه. ولم تنفعه الشكوى ولا الاحتجاج. كان المنفذ الوحيد هو الصلاة، وطلب رحمة الله.
الله أمر الحوت بابتلاع يونان، والله أمره بقذفه. إذن الأمر يحل مع الله أولًا وأخيرًا. بإرضائه تنتهي التجربة.
خلاصك، من عند الرب… “هو صار لي خلاصًا”… “مبارك الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم”….
وهكذا سلم الحوت وديعته، أنزلها سالمة إلى الشاطيء.
لم يؤذ الحوت يونان. بل أعطاه صلاة وانسحاقًا، وطاعة.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد السادس) 11-2-1977م




