مصطلحات ورموز في الكتاب المقدس

| الكتاب | مصطلحات ورموز في الكتاب المقدس |
| المؤلف | قداسة البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | الكلية الإكليريكية للأقباط الأرثوذكس- العباسية |
| الطبعة | 2008م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 10808/ 2008 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقَدمة الكتاب
مقَدمة الكتاب
المصطلحات في الكتاب من الصعب أن نُحصيها، وكذلك الرموز. وقد اخترت لك أيها القارئ العزيز بعضًا من هذه وتلك: بعضًا من الكلمات التي وردت في الكتاب، وكل منها لها أكثر من معنى، كل معنى له مجاله، ضربنا لذلك أمثلة من الكتاب مع شواهدها.
كذلك عرضنا لك مقدمة عن الرموز في الكتاب، وعن مدرسة التفسير الرمزي، وأشهر المفسرين الذين لجأوا إلى هذا الأسلوب، ثم تكلمنا عن أشهر الرموز، ومنها:
الماء ورموزه - الزيت ورموزه - النار ورموزها - الذبائح ورموزها.
ثم تعرضنا للأرقام ورموزها في الكتاب المقدس.
وذكرنا رموزًا لكل من الأرقام الآتية: الرقم 3- الرقم 4- الرقم 5- الرقم 6 – الرقم 7- الرقم 8- وفي بعض الأوقات كنا نتحدث عن مضاعفات هذه الأرقام.
كل ما ذكرته في هذا الكتاب مجرد عينة.
ولست أستطيع أن أدعي بأنني وفيت موضوع المصطلحات والرموز حقه، فهو يحتاج بلا شك إلى أكثر من كتاب.
إنما هذه مجرد محاضرات ألقيتها على طلبة الإكليريكية، وفتحت بها بابًا للبحث في هذا الموضوع الواسع. واعتذر عن عدم تكملتي له.
مايو 2008م البابا شنوده الثالث
مصطلحات في الكتاب المقدس
الكتاب المقدس لا تستطيع أن تفهمه كله عن طريق القاموس. فهناك كلمات لها أكثر من معنى، وكلمات تُفهم بمعنى رمزي لا بمعنى حرفي، وتعبيرات تُفهم عن طريق (حذف المعلوم جائز)، وتعبيرات خاصة بزمن معين، وكلمات استخدم فيها المعنى السائد حسبما يفهم البشر، أو لتقريب المعنى إلى أذهانهم.
وسنحاول أن نتناول كل ذلك معك أيها القارئ العزيز.
1- الكنيسة
1- الكنيسة
كلمة الكنيسة تشتمل في الكتاب على ثلاثة معانٍ:
إما مبنى الكنيسة أو مكانها، أو جماعة المؤمنين، أو الإكليروس.
وقد تعبر في بعض الأوقات عن معنيين أو ثلاثة من هذه المعاني.
1- الكنيسة بمعنى المبنى أو المكان:
في هذا المعنى قيل في سفر أعمال الرسل: "وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلاَمٌ، وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ، وَبِتَعْزِيَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ" (أع 9: 31).
وهنا عبارة "كَانَتْ تُبْنَى" تعني المباني بلا شك.
وعبارة "كَانَتْ تَتَكَاثَرُ" قد تعني مباني الكنائس أو جماعات المؤمنين.
أما عبارات "كَانَ لَهَا سَلاَمٌ" و"تَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ"، فلا شك أنها تعني جماعات المؤمنين.
أيضًا يقصد المبنى في الآيات التي تقول: "حِينَ تَجْتَمِعُونَ فِي الْكَنِيسَةِ" (1كو11: 18)... فليس من المعقول أنهم يجتمعون في جماعة المؤمنين!! بل يجتمعون في مكان أي المبنى... وكذلك قيل عن برنابا وشاول "فَحَدَثَ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي الْكَنِيسَةِ" (أع11: 26).
وأيضًا قول بولس الرسول: "كَمَا أُعَلِّمُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ" (1كو4: 17).
وقوله أيضًا: "لكِنْ، فِي كَنِيسَةٍ، أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيْضًا، أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ" (1كو14: 19).
2- أما الكنيسة بمعنى جماعة المؤمنين:
فمن أمثلتها "كَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ" (أع2: 47). أي يضم إلى جماعة المؤمنين... وأيضًا قول الرب: "عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي" أي المؤمنين بي. وكذلك عبارة "حَدَثَ... اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ..." (أع8: 1) أي حدث اضطهاد على المؤمنين، وليس المقصود اضطهاد على المبنى...
وبنفس المعنى قيل عن القديس بطرس الرسول أثناء سجنه "وَأَمَّا الْكَنِيسَةُ فَكَانَتْ تَصِيرُ مِنْهَا صَلاَةٌ بِلَجَاجَةٍ إِلَى اللهِ مِنْ أَجْلِهِ" (أع12: 5). فالصلاة تصدر من جماعة المؤمنين وليس من المبنى...
كذلك قيل عن القديسين برنابا وبولس أنهما "وَجَمَعَا الْكَنِيسَةَ، أَخْبَرَا بِكُلِّ مَا صَنَعَ اللهُ مَعَهُمَا، وَأَنَّهُ فَتَحَ لِلأُمَمِ بَابَ الإِيمَانِ" (أع١٤: ٢٧). والمقصود طبعًا أنهما "جمعا" المؤمنين وليس المباني!!
وبنفس المعنى كلما ترد عبارة "سَلِّمُوا عَلَى... الْكَنِيسَةِ" المقصود بها جماعة المؤمنين. كما ورد في (رو16: 5) (أع١٨: ٢٢) (كو٣: ١٥).
كذلك كلما وردت عبارة (الكنيسة جسد المسيح) يكون معناها هو جماعة المؤمنين.
مثلما ورد في (كو1: 18) "وَهُوَ- أي المسيح - رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ"... و"جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ" (كو1: 24)، "الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ" (أف5: 23)، "كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ" (أف5: 24) ... كلها هنا بمعنى جماعة المؤمنين.
أما ملائكة الكنائس السبع التي في آسيا.
فقد تعني الكنائس هنا جماعة المؤمنين، كما تعني المكان أيضًا.
3- أما الكنيسة بمعنى رجال الكهنوت.
فمن أمثلتها قول السيد الرب عن الخصومات: "وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ" (مت18: 17). فليس من المعقول أن يجمع الإنسان كل جماعة المؤمنين ليشكوا لهم، وقد يكونون بالمئات أو الآلاف. إنما يشكو إلى الكنيسة بمعنى الرئاسة الدينية.
2- التقديس
2- التقديس
1- يقدس بمعنى يخصص.
كما في قول الرب لموسى النبي: "قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ النَّاسِ وَمِنَ الْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي" (خر13: 2). فليس المقصود هنا حياة القداسة أي البر، لأن هذا لا ينطبق على البهائم كما في هذا النص.
وبنفس الوضع تكلم الرب عن تقديس يوم الرب، أي تخصيصه للرب. كما قيل في الوصايا العشر "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ" (خر20: 8). فهو يوم مقدس بطبيعته. ولكن على المؤمنين أن يخصصوه للرب. لذلك قال بعدها: "عَمَلاً مَا لاَ تَعْمَلُوا" (لا23: 3).
وبنفس المعنى كل مواسم الرب المقدسة، والمحافل المقدسة في تلك المناسبات (لا23).
نفس المعنى ينطبق على تقديس المذابح، والكنائس، والأواني المقدسة، والأيقونات. أي تخصيصها للرب. كما قال الرب لموسى:
"وَتَأْخُذُ دُهْنَ الْمَسْحَةِ وَتَمْسَحُ الْمَسْكَنَ (أي خيمة الاجتماع) وَكُلَّ مَا فِيهِ، وَتُقَدِّسُهُ وَكُلَّ آنِيَتِهِ لِيَكُونَ مُقَدَّسًا. وَتَمْسَحُ مَذْبَحَ الْمُحْرَقَةِ وَكُلَّ آنِيَتِهِ، وَتُقَدِّسُ الْمَذْبَحَ لِيَكُونَ الْمَذْبَحُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ..." (خر40: 9، 10). وبالمثل نقول عن الملابس المقدسة (خر40: 13) أي المخصصة لخدمة الرب...
أيضًا بنفس الوضع مسح الكهنة وتقديسهم.
أي تخصيصهم لخدمة الرب. كما قال الرب لموسى: "وَتُلْبِسُ هَارُونَ الثِّيَابَ الْمُقَدَّسَةَ وَتَمْسَحُهُ وَتُقَدِّسُهُ لِيَكْهَنَ لِي..." (خر40: 13).
ولعله بمعنى التخصيص أيضًا ما قاله السيد المسيح له المجد عن تلاميذه "لأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي..." (يو17: 19) أي أخصصها لفداء الكنيسة وخدمتها، وإعداد التلاميذ لهذا الغرض. فالمسيح قدوس بطبيعته وليس محتاجًا أن يقدس ذاته، إنما هنا بمعنى يخصصها.
2- التقديس في معنى ما يخص الطهارة والبر.
كما قال صموئيل النبي ليسَّى البيتلحمي وأولاده: "تَقَدَّسُوا وَتَعَالَوْا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ" (1صم16: 5). فلا يمكن أن يكون المعنى هنا: تخصصوا!! إنما المعنى أن يكونوا طاهرين. وهكذا قال بعدها: "وَقَدَّسَ يَسَّى وَبَنِيهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الذَّبِيحَةِ".
لعله بنفس المعنى قال الرب لموسى النبي في إعداد الشعب لسماع الوصايا العشر: "اذْهَبْ إِلَى الشَّعْبِ وَقَدِّسْهُمُ الْيَوْمَ وَغَدًا، وَلْيَغْسِلُوا ثِيَابَهُمْ، وَيَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ" (خر19: 10، 11) "فَانْحَدَرَ مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الشَّعْبِ، وَقَدَّسَ الشَّعْبَ وَغَسَلُوا ثِيَابَهُمْ. وَقَالَ لِلشَّعْبِ: كُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ. لاَ تَقْرُبُوا امْرَأَةً" (خر19: 14، 15).
ومعروف أن حياة القداسة اللائقة بالقديسين هي حياة البر. كما قال الكتاب: "بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1بط1: 15، 16).
والأمثلة في هذا المعنى كثيرة جدًا وواضحة...
3- أمثلة خاصة بالرب:
مثل عبارة "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" في الصلاة الربية.
طبعًا ليس معناها التخصيص...! وليس معناها أن يصير في حالة قداسة. لأن اسم الله قدوس بطبيعته.
إنما معنى هذه العبارة أن يتعامل البشر مع اسم الله بما يليق بقداسته. فلا يذكرون اسم الله في غير وقار. وأيضًا كما قيل في الوصايا العشر "لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً" (خر20: 7). (اقرأ شرح هذه العبارة في كتابنا "أبانا الذي في السماوات").
3- يعرف
3- يعرف
1- المعرفة بمعنى بدء العلم. وهذا يختص بالإنسان.
أي أنه يعرف ما لم يكن يعرفه من قبل... بإدخال شيء جديد إلى ذهنه، أي معلومات جديدة لم يكن يعلمها...
ومن أمثلة ذلك ما قيل في المزامير "طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي" (مز25: 4) "عَرِّفْنِي الطَّرِيقَ الَّتِي أَسْلُكُ فِيهَا" (مز143: 8). أو قول أيوب الصديق "قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا" (أي42: 3).
وقد يعني التعريف معنى الإعلان.
مثل قول المرنم في المزمور: "عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ" (مز39: 4). ولعل من أمثلتها أيضًا قول السيد المسيح للآب بخصوص تلاميذه "عَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ..." (يو17: 26) ... أي أعلنت لهم حقائق خاصة باسمك ما كانوا يعرفونها... أو أعلنت لهم أعماقًا معينة... منها اسمك كأب سماوي حنون... "لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ"...
2- يعرف الرجل امرأته، أي يعاشرها كزوجة.
وأول مرة وردت فيها المعرفة بهذا المعنى، هي "وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِينَ" (تك4: 1). ثم "وَعَرَفَ قَايِينُ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ حَنُوكَ" (تك4: 17). وتكررت الكلمة كثيرًا بهذا المعنى.
3- معرفة الله.
معرفة الله هي المعرفة المطلقة، لأنه يعرف كل شيء عن كل شيء. ويعرف الخفيات، ويعرف الأمور قبل كونها. ويعرف بدون واسطة، وبدون فارق زمني...
أما عن قول الرب لإبراهيم، بعد أن مدّ يده ليذبح ابنه الوحيد "لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ... الآنَ عَلِمْتُ (عرفت) أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي" (تك22: 12) ... فلا يمكن أن تعني أن الرب عرف في تلك اللحظة ما لم يكن يعرفه من قبل. فالله يعرف المستقبل بلا شك... ولكنه يقول لإبراهيم: الآن أنت قدَّمت معرفة عملية عن مقدار طاعتك لله، بتقديم ابنك ذبيحة... وهذه المعرفة كانت في علم الله من قبل. ولكن إبراهيم أعلنها عمليًا...
ومعرفة الرب بالمستقبل أمر لاهوتي بديهي. ومن أمثلته قوله لإرميا النبي: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ" (إر1: 5).
ومعرفة الرب بالأمور تختلف عن معرفة البشر.
فالإنسان يعرف الأمور كما هي أمامه، أما الله فيعرف الكثير من الأمور لأنه خلقها هكذا، فهو مثلًا يعرف خواص المواد، لأنه هو الذي وضع في المواد هذه الخواص. أما الإنسان فإنه يكتشف الخواص التي جعلها الله في المواد... وهكذا في كل أمور الطبيعة.
أما عن الإنسان: فإن الله يعرف ما سيعمله، لا لأنه خلقه هكذا، أو سيره في ذلك الطريق. وإنما يعرف ذلك بعلمه السابق مثلما قيل عن عيسو ويعقوب "أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ". وأن "الْكَبِيرَ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ" (رو9: 13، 12).
4- الراعي
4- الراعي
1-المعنى الأول هو المعنى الحرفي "رعي الغنم مثلًا".
كما قيل عن الصبي داود: "بَقِيَ بَعْدُ الصَّغِيرُ وَهُوَذَا يَرْعَى الْغَنَمَ" (1صم16: 11).
وكما قيل عن موسى النبي: "وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ يَثْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ مِدْيَانَ" (خر3: 1).
2- والمعنى الثاني هو رعاية الشعب.
مثل قول القديس بولس الرسول: "اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ" (أع20: 28) وواضح هنا أن كلمة (راعي) المقصود بها الآباء الأساقفة... وصاحب رتبة الأسقفية هو الذي يحمل عصا الرعاية في الكنيسة. ومثل قول القديس بطرس الرسول: "ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ... وَلاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ، بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ" (1بط5: 2، 3).
ومن أمثلة ذلك قول الرب في سفر حزقيال النبي: "... إِذْ لَمْ يَكُنْ رَاعٍ وَلاَ سَأَلَ رُعَاتِي عَنْ غَنَمِي، وَرَعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعَوْا غَنَمِي" (حز34: 8).
أما عبارة (يرعون أنفسهم) فمعناها أنهم يهتمون بأمور أنفسهم. وفي الآية السابقة تعني أنهم اهتموا بأنفسهم وانشغلوا بها عن عمل الرعاية. وفي معنى هذه الرعاية الروحية، قال الرسول إن الله: "أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ" (أف4: 11).
3- الله هو الراعي.
ومنها المزمور 23 "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ... مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي". وعن ذلك قال الرب: "أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا... وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ" (حز34: 15، 16).
وما دام هناك رعاة من البشر، يكون الله هو "رَئِيسُ الرُّعَاةِ" (1بط5: 4). أو راعي الرعاة.
5- العالم
5- العالم
كلمة (العالم) تؤخذ في الكتاب المقدس بأكثر من معنى:
1- المعنى الأول هو العالم المادي بكل ما فيه من شهوات:
وعن هذا المعنى قال القديس يعقوب الرسول: "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا ِللهِ" (يع4: 4). وقال القديس يوحنا الرسول في رسالته الأولى: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ" (1يو2: 15). وعلل هذه بقوله: "لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ" (1يو2: 16). ثم قال: "الْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ (معه)" (1يو2: 17).
كذلك قول القديس بولس الرسول: "دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي4: 10). يعني طبعًا شهوات العالم. ألعله بهذا المعنى دُعي الشيطان "رئيسًا للعالم" (يو16: 11).
2- المعنى الثاني للعالم: هو الناس الذين يعيشون في العالم:
وعن هذا المعنى قال الكتاب: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16). وأضاف "لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ" (يو3: 17).
فعبارة "أَحَبَّ الْعَالَمَ" تعني الناس الذين في العالم. وعبارة "أرسل ابنه إلى العالم" تعني إلى الناس الذين في العالم. وبالمثل عبارة "يَدِينَ الْعَالَمَ"...
وبالمثل ما قيل عن السيد المسيح: "وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ" (يو1: 10) أي أهل العالم. وكذلك بنفس المعنى قال الرب عن الروح القدس: "لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ" (يو14: 17).
وهكذا قال أيضًا: "أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ" (يو17: 25). وأيضًا قول الرب: "أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ" (يو12: 46) يقصد: جئت نورًا لأهل العالم، للناس.
وأيضًا ما قاله الرب لتلاميذه: "إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ... لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ" (يو15: 18، 19). وطبعًا المحبة والبغضة المنسوبة هنا إلى العالم، المقصود بها أهل العالم.
ومن الأمثلة التي تدل على أن كلمة (العالم) تعني الناس، أهل العالم: قول يوحنا المعمدان عن السيد المسيح: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو1: 29). وقول أهل السامرة: "هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ" (يو4: 42). وقول السيد الرب نفسه: "وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ" (يو6: 51).
3- وكلمة (العالم) قد تعني أيضًا هذه الأرض التي نعيش عليها:
ولعل هذا ما قصده سيدنا يسوع المسيح بقوله: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ" (يو16: 28). وكذلك قوله عن تلاميذه "حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ" (يو17: 12).
4- وقد تعني كلمة (العالم) هذه الأرض ومن عليها، أو الكون كله.
وينطبق هذا على قول الرب: "وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ" (يو17: 5). وأيضًا قوله: "...لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ" (يو17: 24).
5- وقد تعني كلمة (العالم) الزمان الحاضر.
ومن أمثلتها: ما قيل عن نهاية العالم في مثل الحنطة والزوان:
"الْحَصَادُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعَالَمِ. وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلاَئِكَةُ. فَكَمَا يُجْمَعُ الزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ: يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (مت13: 39- 42).
وأيضًا "هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ: يَخْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَارِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ..." (مت13: 49، 50).
6- البركة
6- البركة
عبارة البركة أو المباركة ظهرت في الكتاب على ثلاثة أنواع:
1- مباركة الله للناس:
وهو الوضع الأصيل، لأن الله مصدر البركة الوحيد.
هو الذي بارك الإنسان الأول (تك1: 28)، وهو الذي بارك نوحًا وبنيه (تك9: 1). وهو الذي بارك أبانا أبْرَام قائلًا: "أُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك12: 2، 3). وهو الذي منح بركات عديدة لكل من يسمع وصاياه، كما ورد في سفر التثنية أصحاح 28.
وبركة الله هي مباركة مباشرة من عنده. وتحمل الخير والكثرة والتقديس وتحمل مباركة كل ما يحيط بالإنسان.
كما بارك الله الطعام "الخمس خبزات والسمكتين" (لو9: 16). وكما بارك غلة العام السادس، لتكفي أيضًا راحة الأرض في العام السابع (لا25: 21). وكما قال: "وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ وَثَمَرَةُ بَهَائِمِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ. مُبَارَكَةً تَكُونُ سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ..." (تث28: 4، 5).
وقد قال الكتاب: "بَرَكَةُ الرَّبِّ هِيَ تُغْنِي..." (أم10: 22).
2- مباركة الآباء للأبناء:
سواء الآباء بالجسد، أو الآباء بالكهنوت.
ومن أمثلة الآباء بالجسد: مباركة أبينا إسحاق لابنه يعقوب (تك27) هذه التي قال له فيها: "فَلْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ وَمِنْ دَسَمِ الأَرْضِ. وَكَثْرَةَ حِنْطَةٍ وَخَمْرٍ. لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ. لِيَكُنْ لاَعِنُوكَ مَلْعُونِينَ، وَمُبَارِكُوكَ مُبَارَكِينَ" (تك27: 28، 29).
وهي بركة ليس الأب مصدرها، وإنما مصدرها الله.
وهذا واضح من قوله: "لْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ...".
ونفس الوضع في مباركة أبينا يعقوب لأفرايم ومَنَسَّى ابني يوسف. فقد "بَارَكَ يُوسُفَ وَقَالَ: اللهُ الَّذِي سَارَ أَمَامَهُ أَبَوَايَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ، اللهُ الَّذِي رَعَانِي مُنْذُ وُجُودِي إِلَى هذَا الْيَوْمِ، الْمَلاَكُ الَّذِي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرّ، يُبَارِكُ الْغُلاَمَيْنِ..." (تك48: 15، 16).
"وَبَارَكَهُمَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَائِلاً: بِكَ يُبَارِكُ إِسْرَائِيلُ قَائِلاً: يَجْعَلُكَ اللهُ كَأَفْرَايِمَ وَكَمَنَسَّى" (تك48: 20).
وفي مباركته ليوسف قال: "مِنْ إِلهِ أَبِيكَ الَّذِي يُعِينُكَ، وَمِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي يُبَارِكُكَ، تَأْتِي بَرَكَاتُ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَبَرَكَاتُ الْغَمْرِ الرَّابِضِ تَحْتُ. بَرَكَاتُ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ..." (تك49: 25).
إذًا الأب يستمد لابنه البركة من الرب.
بركته إذًا هي نوع من الصلاة يأخذ بها من الله بركة لأبنائه.
وبالمثل أيضًا بركة رجال الكهنوت لأبنائهم.
وهكذا قال الرب لهارون رئيس الكهنة ولأبنائه الكهنة: "هكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ لَهُمْ: يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ. يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا. فَيَجْعَلُونَ اسْمِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَا أُبَارِكُهُمْ" (عد6: 23- 27).
إذًا بركة الكهنوت هي أيضًا صلاة تستمد البركة من الله للشعب.
والبركة الأخيرة التي يصلي بها الأب الكاهن في آخر كل اجتماع، يقول فيها الله "ليتراءف الله علينا ويباركنا، ويظهر وجهه علينا ويرحمنا..".
ننتقل إذًا إلى النوع الثالث من البركة وهي:
3- مباركتنا لله:
إذًا ما معنى "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ. بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ" (مز103: 2، 1).
ما معنى أن المخلوقات تبارك الخالق؟!
وما معنى قول المرتل في نفس المزمور: "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ. بَارِكُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ جُنُودِهِ، خُدَّامَهُ الْعَامِلِينَ مَرْضَاتَهُ. بَارِكُوا الرَّبَّ يَا جَمِيعَ أَعْمَالِهِ، فِي كُلِّ مَوَاضِعِ سُلْطَانِهِ..." (مز103: 20- 22).
وما معنى قول المرتل: "طوبَي لِكلِّ السُّكانِ في بَيْتِكَ، يُبارِكونَكَ إلَى الأبَدِ" (مز84: 4).
مباركة الخليقة لله تعني تسبيحها له.
فعبارة "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ"، معناها سبحي الرب.
و"بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ" أو "يَا جَمِيعَ أَعْمَالِهِ" تعني سبحوه.
وتسبيح الخليقة لله يشمل اعترافها ببركته الممنوحة لهم.
ومن هنا كانت مباركتنا لله تعني الاعتراف ببركته.
وبنفس المعنى يكون تمجيدنا لله، يعني اعترافنا بمجده. لأنه لا يمكن لنا أن نمنح الله مجدًا، وإنما نحن نعترف بمجده أو نتغنى بمجده. وبهذا نفهم أيضًا عبارة:
"لنَرْفَع اِسْمَهُ مَعًا" (مز 33: 3) "سبحوه، زيدوه علوًا إلى الأبد".
فنحن لا نرفع الله ولا اسمه، ولا نمنحه علوًا أزيد، فهو غير محدود في علوه. إنما نحن نعترف بهذا.
وبنفس المعنى نفهم عبارة "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ" (مت6: 9).
فنحن لا نقدس اسم الله، فهو قدوس بطبيعته. إنما نحن نتعامل معه بما يليق بقدسيته، معترفين بقداسة هذا الاسم العظيم. وهكذا حينما نقول في صلوات التسبحة:
"اسمك حلوٌ ومُبارك، في أفواه قديسيك".
فهو مُبارك من القديسين، لا لأن القديسين يباركونه، بل هو الذي يباركهم. إنما العبارة تعني إنهم يتعاملون معه بما يليق ببركته، أو هم معترفين ببركته.
عبارة طوبى لكل السكان في بيتك يباركونك إلى الأبد، في الترجمة الإنجليزية Still praising thee بمعنى يسبحونك. فتسبيح البشر لله يعني أيضًا اعترافهم ببركته عليهم.
حينما تتحدث اللغة عن الله، ينبغي أن تُفهم بالمعنى اللاهوتي، وليس بالمعنى الحرفي للغة.
7- يغفر
7- يغفر
تؤخذ هذه الكلمة بثلاثة معانٍ:
1- المعنى الأول بالنسبة إلى الله كغافر للخطايا.
الله هو صاحب الحق في المغفرة. وكل مغفرة تصدر من إنسان، إنما ترجع إلى الله.
إن لم يعتمدها لا تكون ذات مفعول. وقد ورد في الإنجيل المقدس - في معجزة شفاء المفلوج - لما قال له السيد المسيح: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ"... أن الكتبة فكروا في قلوبهم قائلين: "لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟!" (مر2: 5- 7) ... ونحن نقول لله في المزمور "... لأَنَّ مِن عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ" (مز130: 4).
والسيد المسيح كان يغفر الخطايا بقوة لاهوته.
وقد منح مغفرة الخطايا على الصليب، لما دفع أجرة خطايا العالم كله بسفك دمه عنهم، لأنه "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22).
والمغفرة من الله تحمل محو الخطايا، وعدم الحساب عنها في اليوم الأخير.
وفي ذلك يقول المرتل في المزمور: "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً" (مز32: 1، 2). وقد اقتبس بولس الرسول هذه العبارة في رسالته إلى رومية (رو4: 7، 8).
ونحن نطلب هذه المغفرة من الله كل يوم في الصلاة الربية. ويحمل هذا الغفران الخلاص من العقوبة الأبدية، وربما من الأرضية أيضًا.
المعنى الثاني للمغفرة. هي المغفرة عن طريق الكهنوت.
وذلك بحكم السلطان الذي منحه لهم الرب حينما نفخ في وجوههم قائلًا: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23). وأيضًا عملًا بقوله لهم: "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ" (مت18: 18).
ومغفرة الكاهن للخطايا تكون بواسطة الروح القدس الذي يعمل فيه وذلك بتحويلها إلى حساب المسيح ليمحوها بدمه.
ولذلك يقول عن خطايا الشعب في إحدى صلوات القداس الإلهي "يكونون محاللين من فمي بروحك القدوس".
ومغفرة الكاهن تأخذ أسلوب الصلاة. فيقول في الحلّ الذي يعطيه للتائبين (بأسلوب الصلاة): "حاللهم باركهم طهرهم". إذًا هو في منح المغفرة، إنما يطلبها من الله للخطاة التائبين...
هو يغفر الخطايا كوكيل لله، وكيل للسرائر الإلهية (1كو4: 1) (تي1: 7) قد ائتمنه الله على منح المغفرة، لمن يستحقها – بالتوبة - حسب معرفته بشريعة الله (ملا2: 7).
3- مغفرة البشر، للبشر:
كما نقول في الصلاة الربية: "اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا" (مت6: 12). وكما قال الرب: "اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" (لو6: 37). وقد أظهر الرب أهمية مغفرتنا للآخرين بقوله: "إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ" (مت6: 14، 15).
ومغفرة الإنسان لأخيه، تحمل معنى مسامحته والتنازل عن حقوقه من جهته، وعدم الحقد عليه في قلبه.
والقديس بطرس الرسول سأل الرب قائلًا: "كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟" فأجابه الرب: "لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مت18: 21، 22).
ولكن مغفرة الإنسان لأخيه، لا تعني محو خطية هذا الأخ، فلا يحاسب عليها في الأبدية!!
بل لا بد لهذا الأخ المخطئ أن يتوب، ويطلب المغفرة من الله الذي يمحو الخطايا بالتوبة. ويكون له سلام قلبي إن سمع الحِلّ من فم الكاهن حينما يعترف عليه بخطاياه.
إذًا كلمة (يغفر) بالنسبة إلى الله لها معنى. وبالنسبة إلى الكاهن لها معنى آخر. وبالنسبة إلى الإنسان المُساء إليه لها معنى ثالث.
وبهذه المناسبة نذكر مناسبتين، لكل منهما معناها.
الأولى حينما أتى ناثان لداود، واجهه بخطيته. فاعترف داود قائلًا: "أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ"، فقال له ناثان: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ" (2صم12: 13).
+ هنا ناثان يتكلم كوكيل لله. وبهذا الوضع منح مغفرة الرب لداود. وعبارة "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ" معناها نقلها إلى حساب المسيح ليمحوها بدمه.
+ والواقعة الثانية حينما أمسك واحد من السَّرَافِيم جمرة من على المذبح ومسّ بها فم إشعياء النبي وقال له: "... انْتُزِعَ إِثْمُكَ، وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ" (إش6: 7)، هنا يتكلم أيضًا وكيلًا عن الله.
8- روح/ أرواح
8- روح / أرواح
المعنى الأول خاص بالله تبارك اسمه:
وفي ذلك قال السيد المسيح: "اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا" (يو4: 24).
وروح الله يسمى بالروح القدس.
والترجمة الصحيحة له في اللغة الإنجليزية هي The Holy Spirit وليست The Holy Ghost كما تخطئ بعض الترجمات.
وقد وردت عبارة (الروح القدس) كثيرًا في الكتاب المقدس ومنها قول السيد المسيح لرسله القديسين: "... وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت28: 19). وكذلك في تبشير رئيس الملائكة جبرائيل للقديسة العذراء مريم بالحبل المقدس، إذ قال لها: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ..." (لو1: 35).
وأيضًا عندما منح السيد الرب نعمة الكهنوت لتلاميذه نفخ في وجوههم وقال لهم: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23). انظر أيضًا (أع1: 8). وحديث السيد مع تلاميذه بعد العشاء الرباني في (يو14- 16).
وقد سُميَّ الروح القدس روح الحق.
وقال عنه السيد الرب "رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ" (يو15: 26). انظر أيضًا (يو16: 13)، (1يو4: 6). وسفر إشعياء النبي يسميه "رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ" (إش11: 2).
وكثيرًا ما دُعي باسم روح الرب:
كما قيل أيضًا عن الرب في نبوءة إشعياء: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ..." (إش61: 1). انظر أيضًا (أع5: 9).
وفي مسح داود ملكًا، قيل: "وَحَلَّ رُوحُ الرَّبِّ عَلَى دَاوُدَ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا" (1صم16: 13). كما قيل في مسح شاول ملكًا "عَلَيْهِ رُوحُ اللهِ فَتَنَبَّأَ" (1صم10: 10).
9- أخ
9- أخ
1- يمكن أن تطلق على أخ شقيق من نفس الأب والأم، مثلما قال الرب لقايين: "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟" (تك4: 9). أو تقال عن غير الشقيق مثلما قال أبونا إبراهيم عن سارة: "وَبِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا هِيَ أُخْتِي ابْنَةُ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي، فَصَارَتْ لِي زَوْجَةً" (تك20: 12).
2- وقد تطلق كلمة أخ على القريب الشديد القرابة:
وذلك مثلما قيل عن القرابة بين أبْرَام ولوط.
فقد كان أبْرَام عم لوط، كما ورد في (تك11: 31) "وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ، ابْنَ ابْنِهِ...".
ومع ذلك نقرأ في (تك14) في حرب كدرلعومر وسبي سادوم "وَأَخَذُوا لُوطاً ابْنَ أَخِي أَبْرَامَ وَأَمْلاَكَهُ وَمَضَوْا... فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ، أَنَّ أَخَاهُ سُبِيَ جَرَّ غِلْمَانَهُ الْمُتَمَرِّنِينَ..." (تك14: 12، 14). فقيل عن لوط (أخاه) مع أنه ابن أخيه.
ونفس الوضع عن العلاقة بين يعقوب ولابان:
لابان هو أخو رفقة أم يعقوب (تك24: 29) (تك25: 20- 26).
إذًا لابان هو خال يعقوب. ومع ذلك "لَمَّا أَبْصَرَ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ بِنْتَ لاَبَانَ خَالِهِ... رَفَعَ صَوْتَهُ وَبَكَى. وَأَخْبَرَ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ أَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا، وَأَنَّهُ ابْنُ رِفْقَةَ" (تك29: 10- 12).
فقال عن خاله إنه أخوه، كما قال أبْرَام عن لوط أنه أخوه بينما هو ابن أخيه.
ونرى أن لابان يستخدم نفس الأسلوب، فيقول ليعقوب بعد أن اشتغل عنده "أَلأَنَّكَ أَخِي تَخْدِمُنِي مَجَّانًا؟ أَخْبِرْنِي مَا أُجْرَتُكَ؟" (تك29: 15). فاستعمل كلمة (أخي) للتعبير عن ابن أخته.
ونفس الأسلوب قيل عن أولاد خالة المسيح، أولاد مريم زوجة كلوبا، أنهم إخوته.
فقيل له: "هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ" (مت12: 47). ومثل ذلك ما ورد في (يو2: 12)، (لو8: 19).
(انظر بحثنا الخاص بهذا الموضوع في كتاب اللاهوت المقارن).
3- نلاحظ أن السيد المسيح دعا تلاميذه إخوته:
فقال لمريم المجدلية ومريم الأخرى: "اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي" (مت28: 10). وقال لمريم المجدلية مرة أخرى "لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ..." (يو20: 17).
4- وأطلقت كلمة إخوة للتعبير عن الشعب اليهودي كله.
فقال عنهم القديس بولس الرسول: "كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ، الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ... وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ..." (رو9: 3- 5).
5- ودعا السيد المسيح كل المؤمنين به إخوة له:
وورد عن ذلك في الرسالة إلى العبرانيين "لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ، فَلِهذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً، قَائِلاً: أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي... مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ... حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ" (عب2: 11- 17).
إنها كلمة (أخ) أو (إخوة). ولكنها تستخدم في معانٍ كثيرة... وعلينا أن نفهم كل استخدام في موضعه. ولا نستعملها جميعًا بمعنى واحد.
10- السماء
10- السماء
السماء في الكتاب المقدس لها أربعة معانٍ:
1- أولها هذه السماء التي فوقنا (الغلاف الجوي المحيط بالأرض)، والتي تطير فوقها الطيور، وتسبح الطائرات، وتسمى سماء الطيور. وهي التي قال عنها الرب: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ" (مت6: 26).
وفيها السحب والغيوم. والتي قال عنها سليمان الحكيم في صلاته وقت تدشين الهيكل "إِذَا أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ وَلَمْ يَكُنْ مَطَرٌ... ثُمَّ صَلَّوْا فِي هذَا الْمَوْضِعِ... فَاسْمَعْ أَنْتَ..." (1مل8: 35، 36). وعنها قيل عن إيليا النبي: "ثُمَّ صَلَّى أَيْضًا، فَأَعْطَتِ السَّمَاءُ مَطَرًا" (يع5: 18).
2- السماء أيضًا تعني المكان الذي توجد فيه الشمس والقمر، والكواكب والنجوم، بمعنى الفلك. كما قال داود النبي في المزمور: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز19: 1).
وهذه السماء لها في الكتاب أيضًا لقب (الجلد)، وقد تم خلقه في اليوم الثاني. "وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً" (تك1: 8). ورد في سفر التكوين أيضًا "وَقَالَ اللهُ: «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ..." (تك1: 14).
3- وورد في الكتاب ذكر السماء الثالثة (أي الفردوس)، التي اختُطف إليها القديس بولس الرسول وقال في ذلك: "أَعْرِفُ إِنْسَانًا فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. وَأَعْرِفُ هذَا الإِنْسَانَ: أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا" (2كو12: 2- 4).
4- توجد أيضًا سماء السماوات، التي هي عرش الله.
قال الرب: "لاَ تَحْلِفُوا... بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ" (مت5: 34).
وهذه التي قال عنها السيد الرب لنيقوديموس: "لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو3: 13).
وواضح أن أخنوخ وإيليا صعدا إلى السماء. ولكن ليس إلى سماء السماوات التي لم يصعد إليها أحد سوى ربنا يسوع المسيح.
وورد ذكرها في صلاة الملك سليمان يوم تدشين الهيكل، حينما قال للرب: "هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ؟" (1مل8: 27). وورد ذكرها أيضًا في قول المرتل في المزمور: "سَبِّحِيهِ يَا سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ" (مز148: 4).
11- جسد
11- جسد
1- واضح أن كلمة جسد يمكن أن تطلق على أجسادنا هذه المادية، أو التي تسمى "أجساد حيوانية" (1كو15: 44). وللحيوانات أيضًا وللطيور أجساد. وهكذا قال القديس بولس الرسول: "لَيْسَ كُلُّ جَسَدٍ جَسَدًا وَاحِدًا، بَلْ لِلنَّاسِ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَلِلْبَهَائِمِ جَسَدٌ آخَرُ، وَلِلسَّمَكِ آخَرُ، وَلِلطَّيْرِ آخَرُ" (1كو15: 39).
2- هناك أيضًا جسد القيامة، وهو جسد روحاني سماوي (1كو15: 44، 49).
وقال أيضًا: "أَجْسَامٌ سَمَاوِيَّةٌ، وَأَجْسَامٌ أَرْضِيَّةٌ" (1كو15: 40).
3- على أن كلمة جسد يمكن أن تطلق على الإنسان كله.
وعلى ذلك قيل في تجسد الرب: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا" (يو1: 14). وطبعًا ليس المقصود مجرد جسد، وإنما إنسانًا كاملًا...
وقال السيد في مناجاته الطويلة مع الآب في (يو17):
"أَيُّهَا الآبُ... مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا، إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ" (يو17: 1، 2). وواضح أن سلطانه لم يكن على الأجساد فقط، بل على البشر الذين يعطيهم حياة أبدية. فعبارة "كل جسد" هنا، تعني كل إنسان.
وقال الرب عن الضيقة العظمى في آخر الأيام: "وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ" (مت24: 22) أي لم يخلص إنسان.
وقال القديس بولس الرسول في رسالته إلى غلاطية: "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا" (غلا2: 16). والمقصود طبعًا لا يتبرر إنسان.
4- واستخدمت كلمة (جسد) أيضًا بمعنى رمزي:
كما قيل عن الكنيسة إنها جسد المسيح، وهو الرأس لهذا الجسد (كو1: 18). وبهذا المعنى قيل: "أَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ" (أف5: 30). وقيل أيضًا "نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ" (رو12: 5) "الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ" (أف5: 23).
واستخدم تعبير (الجسد) عن كل ما هو ضد الروح.
فقيل: "أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟!" (غلا3: 3). وقيل أيضًا: "لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ" (رو8: 1). وقيل كذلك: "لاَ فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ" (2كو1: 12).
12- نفس
12- نفس
كلمة نفس لها معانٍ كثيرة في الكتاب:
1- فهي تعني العنصر الحي، الذي هو سبب حياة الجسد.
مثلما قيل: "نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ" (لا17: 11، 14) أي أنه إذا سفك دمه كله، انتهت حياته الجسدية.
2- ويمكن أن كلمة (نفس) تطلق على الإنسان كله.
مثلما قيل عن فلك نوح إنه "فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ" (1بط3: 20)، أي ثماني أشخاص، وليست أنفسهم فقط دون أجسادهم...
وفي إنقاذ سبي سدوم، بعد الانتصار في حرب كدرلعومر، قال ملك سادوم لأبينا أبْرَام "أَعْطِنِي النُّفُوسَ، وَأَمَّا الأَمْلاَكَ فَخُذْهَا لِنَفْسِكَ" (تك14: 21). وهو لا يقصد أن يأخذ نفوسهم. وإنما يقصد بعبارة "أعطني النفوس"، أعطني البشر، الناس.
وقيل في مجيء أبينا يعقوب وأسرته إلى مصر "جَمِيعُ النُّفُوسِ لِيَعْقُوبَ الَّتِي أَتَتْ إِلَى مِصْرَ، الْخَارِجَةِ مِنْ صُلْبِهِ، مَا عَدَا نِسَاءَ بَنِي يَعْقُوبَ، جَمِيعُ النُّفُوسِ سِتٌّ وَسِتُّونَ نَفْسًا" (تك46: 26). والمقصود الأشخاص، أبناؤه الخارجون من صلبه. وطبعًا لم يخرج من صلبه مجرد نفوس بلا أجساد...
3- وقد تستخدم كلمة نفس أحيانًا بمعنى الروح.
وذلك حسب قول السيد المسيح: "لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ" (مت10: 28).
13- ملاك
13- ملاك
ترد هذه الكلمة عن أحد أفراد الجند السماوي (الملائكة) الذين يقول عنهم الكتاب: "الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً" (مز104: 4). وقال عنهم بولس الرسول: "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!" (عب1: 14).
2- يدخل فيهم أيضًا (الشياطين) لأنهم في أصلهم كانوا ملائكة، ولذلك قيل في سفر الرؤيا: "وَحَدَثَتْ حَرْبٌ فِي السَّمَاءِ: مِيخَائِيلُ وَمَلاَئِكَتُهُ حَارَبُوا التِّنِّينَ، وَحَارَبَ التِّنِّينُ وَمَلاَئِكَتُهُ وَلَمْ يَقْوَوْا، فَلَمْ يُوجَدْ مَكَانُهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي السَّمَاءِ" (رؤ12: 7، 8). وقال بولس الرسول عن شوكته في الجسد: "وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ" (2كو12: 7).
3- وتطلق كلمة ملاك على الرعاة أيضًا.
كما قيل ملائكة الكنائس السبع التي في آسيا (رؤ1: 20)، التي أرسل لها الرب رسائل على يد عبده القديس يوحنا الرائي. فقال له: "اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ"، "اكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ سِمِيرْنَا" "اكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَرْغَامُسَ"... (رؤ2: 1، 8، 12).
ذلك لأن كلمة ملاك في اللغة اليونانية (أنجيلوس) تعني (رسول). والكاهن رسول من الله لخدمة الشعب، كما ورد في (ملا2: 7) "لأَنَّ شَفَتَيِ الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ مَعْرِفَةً، وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ، لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ".
وبهذا المعنى قيل عن يوحنا المعمدان أنه ملاك، كما ورد في نفس السفر "هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي" (ملا3: 1). واستخدم مار مرقس الإنجيلي هذه الآية فقال: "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي، الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ" (مر1: 2).
4- كلمة (ملاك) استخدمت أحيانًا في ظهورات الرب في العهد القديم.
وبخاصة تعبير (ملاك الرب). كما ورد في قصة ظهور الرب لموسى في العليقة. إذ قيل: "وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ"... فلما مال لينظر ذلك المنظر العجيب، ناداه الرب قائلًا: "أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" (خر3: 2، 6). ظهر الله في هيئة ملاك الرب، كما ظهر كثيرًا في هيئة إنسان.
ونرى نفس الوضع في تبشير ملاك الرب لمنوح وامرأته بميلاد شمشون تردد عبارة "ملاك الله"، "ملاك الرب" أكثر من مرة في هذا الظهور (قض13: 6، 13، 15، 16 (مرتين)، 17، 18، 20، 21). ومع ذلك لما سأل منوح ما اسمك؟ أجاب: "لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي وَهُوَ عَجِيبٌ؟" (قض13: 18). وهذا يذكرنا باسم الرب في (إش9: 6) "وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا"... وفي آخر قصة هذه البشارة، لما صعد (ملاك الرب) في لهيب المذبح... "قَالَ مَنُوحُ لامْرَأَتِهِ: نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا اللهَ" (قض13: 22).
14- الميت، الموت
14- الميت، الموت
تطلق هذه الكلمة على الموت الروحي، كما على الموت الجسدي.
وكما قال القديس أغسطينوس "موت الجسد، هو انفصال الروح عن الجسد. أما موت الروح فهو انفصال الروح عن الله".
1- وقد وردت عبارة موت الجسد مرات عديدة، مثلما ورد في (تك5) عن الآباء، كل منهم عاش عددًا كبيرًا من السنين ومات. ومثلما قيل عن موسى النبي: "وَكَانَ مُوسَى ابْنَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَاتَ" (تث34: 7).
2- واستخدمت كلمة (ميت) في وصف الخاطئ المنفصل عن الله.
ففي قصة رجوع الابن الضال، قال الأب عنه: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ" (لو15: 24). وقال الرب في رسالته إلى ملاك كنيسة ساردس: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ" (رؤ3: 1). وقيل عن الأرملة المتنعمة: "وَأَمَّا الْمُتَنَعِّمَةُ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ" (1تي5: 6).
كل هذا عن الموت بالخطية، إذ تعتبر الخطية حالة موت، كما قال الرسول: "أَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا..." (أف2: 1). وأيضًا "وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ" (أف2: 5).
نضيف إلى كل هذا قول الرب: "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ" (مت8: 22). فهناك نجد كلمة (موتى) تكررت مرتين معنى كل منهما مختلف عن الآخر.
3- تكلمنا عن الموت الجسدي والموت الروحي.
بقي النوع الثالث وهو – الموت الأبدي. وهو الهلاك في جهنم، في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت.
ويطلق على العذاب الأبدي. وهو المقصود بقول الكتاب: "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). وهذا الموت هو الذي نجانا الرب منه بموته عنا على الصليب.
أما الموت الجسدي، فنتخلص منه بالقيامة، حين يلبس هذا الجسد المائت عدم موت" حسب قول الرسول وحينئذ يُبتلع الموت إلى غلبة. ونقول: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟" (1كو15: 55).
أما الموت الروحي فنتغلب عليه بالتوبة.
15- إنجيل
15- إنجيل
لهذا أكثر من معنى. فهي تعني الإنجيل المكتوب الذي بين أيدينا.
وتعني أيضًا بشارة مفرحة، حتى من غير كتاب مكتوب.
قيل عن السيد المسيح إنه كان: "يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ وَيَقُولُ: قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 14، 15). ولم يكن هناك إنجيل مكتوب، ولكنها البشارة المفرحة. كذلك قول بولس الرسول: "الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ..." (غلا1: 11) ويقول إنه عرض على الرسل الإنجيل الذي يكرز به (غلا2: 2). ولم يكن له إنجيل. ولكن يقصد بشارته...
16- خمير، فطير
16- خمير، فطير
1- المعنى الحرفي يعني أن الفطير هو الخبز غير المختمر، أي الخالي من الخمير. ويتضح هذا من قصة خروف الفصح، وما يصحبه ويتبعه من فطير، إذ يقول الكتاب في ذلك:
يقول عن خروف الفصح تأكلونه... "مَشْوِيًّا بِالنَّارِ مَعَ فَطِيرٍ" (خر12: 8). ويقول بعد ذلك: "سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُونَ فَطِيرًا. الْيَوْمَ الأَوَّلَ تَعْزِلُونَ الْخَمِيرَ مِنْ بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ خَمِيرًا مِنَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ إِلَى الْيَوْمِ السَّابعِ تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ إِسْرَائِيلَ... فَتَحْفَظُونَ هذَا الْيَوْمَ فِي أَجْيَالِكُمْ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً. فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ، فِي الْيَوْمِ الرَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، مَسَاءً، تَأْكُلُونَ فَطِيرًا إِلَى الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ مَسَاءً... لاَ تَأْكُلُوا شَيْئًا مُخْتَمِرًا. فِي جَمِيعِ مَسَاكِنِكُمْ تَأْكُلُونَ فَطِيرًا" (خر12: 15- 20).
واستمرت هذه الفريضة عند بني إسرائيل. وكانوا يدعون تلك الأيام عيد الفطير (لا23: 6).
- ومن الناحية الرمزية كان الخمير يرمز إلى الشر، والفطير إلى البر.
كما كان خروف الفصح يرمز إلى السيد المسيح، وفي ذلك يقول القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس: "إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا. إِذًا لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ" (1كو5: 7، 8).
وبنفس المعنى قال السيد المسيح لتلاميذه: "تَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ" (مت16: 6). ولما أخذوا الأمر بالمعنى الحرفي، شرح لهم الرب قصده الرمزي "حِينَئِذٍ فَهِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْخُبْزِ، بَلْ مِنْ تَعْلِيمِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ" (مت16: 12). وفي إنجيل معلمنا لوقا "ابْتَدَأَ يَقُولُ لِتَلاَمِيذِهِ: أَوَّلاً تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِي هُوَ الرِّيَاءُ" (لو12: 1).
إذًا عبارة الخمير تعني الشر عمومًا، سواء في التصرف أو التعليم، أو الخطايا.
ولذلك فإن تقدمة الدقيق في (لا2) التي كانت ترمز إلى تجسد السيد المسيح، إنما كانت تقدم من دقيق بغير خمير، كانت فطيرًا (لا2: 5).
وقال عنها الرب: "كُلُّ التَّقْدِمَاتِ الَّتِي تُقَرِّبُونَهَا لِلرَّبِّ لاَ تُصْطَنَعُ خَمِيرًا، لأَنَّ كُلَّ خَمِيرٍ، وَكُلَّ عَسَلٍ لاَ تُوقِدُوا مِنْهُمَا وَقُودًا لِلرَّبِّ" (لا2: 11). فما دامت هذه التقدمة ترمز إلى تجسد المسيح، وهو قدوس بلا خطية، إذًا لا بد أن تكون فطيرًا - حسب الرمز- خالية من الخمير تمامًا... وهنا لعل البعض يسأل:
لماذا إذًا نقدم (الحمل) في القداس الإلهي من خبز مختمر؟!
لأن هذا الحمل لا يرمز هنا إلى تجسد المسيح القدوس الخالي من الخطية، إنما هنا المسيح الذي حمل خطايا العالم كله، كما قال عنه المعمدان (يو1: 29). وكما قيل عنه في نبوءة إشعياء: "وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6). إذًا الخمير الذي في الحمل هو خميرنا نحن، الذي حمله المسيح نيابة عنا...
3- الخمير أيضًا في العجين، يرمز إلى الانتشار.
وذلك كما ورد في مثل الخميرة التي "أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيق حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ" (مت13: 33).
17- قريب
17- قريب
1- كلمة قريب، تعني أولًا صلة جسدية، سواء قرابة الدم، أو قرابة النسب، وهذا معنى واضح.
2- ولكن أُخذت كلمة (قريب) بمعنى أوسع، كان يشمل الشعب كله، كما تكلم بولس الرسول عن "أنسبائه حسب الجسد" فقصد الشعب اليهودي كله (رو9: 3- 5).
وفي هذا كله قامت مشكلة حلها السيد المسيح وهي:
ما معنى "تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ" (مت5: 43)؟
وبهذه المناسبة وقف أحد الناموسيين ليسأل السيد المسيح: "مَنْ هُوَ قَرِيبِي؟" (لو10: 29). فضرب له مثل السامري الصالح الذي فعل خيرًا مع غيره. بينما كان السامري يعتبر إنسانًا غريب الجنس (لو17: 16، 18) وكان السامريون أعداء لليهود لا يتعاملون معهم (يو4: 9).
ومن هنا أصبحت كلمة قريب تعني أي إنسان. إنه أخ في البشرية من نسل أبوينا آدم وحواء.
وتصبح كلمة (عدو) تعني كل من يبعدك عن طريق الله، سواء كان الشيطان أو أحد جنوده، من الشياطين أو من البشر.
18- الأطفال
18- الأطفال
1- تعني أولًا صغار السن، وأحيانًا يطلق عليها الكتاب كلمة (الأولاد) مثلما أخذ السيد المسيح طفلًا أو ولدًا وقال لتلاميذه: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت18: 3).
ولكن كلمة أطفال تعني أحيانًا المتواضعين الذين يسلكون في براءة وبساطة الأطفال.
ولا يعقدون الأمور مثلما يفعل بعض الفلاسفة والفهماء. وفي ذلك قال السيد المسيح: "أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ" (مت11: 25) ولا يعني ذلك أطفال السن، وإنما المتواضعين والبسطاء...
ويقول بولس الرسول: "كَأَطْفَال فِي الْمَسِيحِ، سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ" (1كو3: 1، 2).
وهنا يقصد بالأطفال حديثي الإيمان.
الذين لم ينموا بعد في النعمة، ولم يصلوا إلى المستوى الروحي اللائق بالروحيين. ونفس المعنى تقريبًا يكرره القديس بطرس الرسول في قوله: "وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ (أي حديثي الإيمان) اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ" (1بط2: 2). وعن هذه الولادة قال قبل ذلك: "مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ..." (1بط1: 23).
19- الخير والشر
19- الخير والشر
المعنى الأول للخير هو البر، وللشر هو الخطية.
ولعله بهذا المعنى قال الرب الإله في آخر سفر التثنية: "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ... فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا" (تث30: 15، 19). وبنفس المعنى في (خر18: 23، 24).
وهكذا معرفة الخير والشر (تك3: 17) تعني معرفة الحق والباطل، البر والإثم، الحلال والحرام.
2- ولكن الخير والشر، لهما في الكتاب معنى آخر.
فقد يعني الشر: الضيقات والمتاعب والتجارب.
ويعني الخير: إحسانات الله إلى الإنسان.
وعن هذا المعنى تكلم أيوب الصديق في تجربته، فقال لامرأته: "أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟!" (أي2: 10). وطبيعي أنه لا يقصد بالشر الخطيئة، إنما يقصد الضيقات التي حلت به من جهة ضياع ثروته وموت أولاده.
ولعله بهذا المعنى أيضًا قال الكتاب: "فَإِنَّ الرَّبَّ أَمَرَ بِإِبْطَالِ مَشُورَةِ أَخِيتُوفَلَ الصَّالِحَةِ، لِكَيْ يُنْزِلَ الرَّبُّ الشَّرَّ بِأَبْشَالُومَ" (2صم17: 14). ولا يعني أن ينزل به الخطيئة، وإنما الهلاك والهزيمة والموت. وبنفس المعنى عبارة "فَمِنْ هُنَاكَ آمُرُ السَّيْفَ فَيَقْتُلُهُمْ، وَأَجْعَلُ عَيْنَيَّ عَلَيْهِمْ لِلشَّرِّ لاَ لِلْخَيْرِ" (عا9: 4). أي للضرر والهلاك لا للبركة.
20- إله
20- إله
تستخدم كلمة (إله) في الكتاب المقدس بعدة معانٍ:
المعنى الأول هو الله - تبارك اسمه - خالق الكل.
وفي هذا المعنى قال الرب: "أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلهَ سِوَايَ" (إش45: 5). "أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ" (إش45: 21)، "لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا بِي وَتَفْهَمُوا أَنِّي أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ" (إش43: 10) "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ" (خر20: 2، 5) "لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً" (خر20: 7).
2- وقد تطلق كلمة إله أو آلهة على معبودات الوثنيين:
وهنا يستخدم الكتاب مفهوم البشر في التحدث إليهم، فيقول الله: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا... لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ" (خر20: 3- 5). وهنا استخدم كلمة آلهة حسبما يسميها الناس. وقال: "لاَ يَعْلَمُ الْحَامِلُونَ خَشَبَ صَنَمِهِمْ، وَالْمُصَلُّونَ إِلَى إِلهٍ لاَ يُخَلِّصُ" (إش45: 20). فاستخدم لفظ (إله) حسب اعتقادهم. وقيل في المزمور: "الرَّبَّ عَظِيمٌ... مَهُوبٌ هُوَ عَلَى كُلِّ الآلِهَةِ. لأنَّ كلَّ آلِهَةِ الأممِ شَياطينُ" (مز96: 4، 5).
3- وتستخدم كلمة إله، وآلهة عن البشر بمعنى (سيد) مع تمييز الفارق طبعًا...
مثلما ورد في المزمور: "أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ. لكِنْ مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ وَكَأَحَدِ الرُّؤَسَاءِ تَسْقُطُونَ" (مز82: 6، 7). وواضح طبعًا أن الذين يموتون ويسقطون، ليسوا آلهة بالحقيقة. ولكنه مجرد لقب تفخيم. وهكذا بدأ المزمور بعبارة "اَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلِهَةِ يَقْضِي... حَتَّى مَتَى تَقْضُونَ جَوْرًا...؟!" (مز82: 1، 2). فالذين يقضون بالجور ليسوا آلهة... ولكنهم يسلكون كآلهة أو يدعون الألوهية...
وقال الله لموسى: "أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ" (خر7: 1).
كلمة إله هنا بمعنى سيد. لأن موسى ليس هو خالق فرعون. وعبارة "نبيك" هنا تعني أنك توحي إليه بالكلام، وهو ينطق به. ولذلك قال له عنه: "تُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ... وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا" (خر4: 15، 16). واستخدم هنا أيضًا كلمة "إله" بمعنى مجازي لا يدل على الألوهية، فموسى ليس خالقًا لهارون، بل هارون ولِد قبله.
أما بالنسبة إلى السيد المسيح، فقد ذكرت كلمة إله، ومعها ما يدل على معنى الألوهية.
"فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ"
فبعد هذه العبارة في (يو1: 1) قيل: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ... كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ" (يو1: 3، 10). وهي عبارة واضحة الدلالة.
ونفس المعنى في قول بولس الرسول عن اليهود: "وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (رو9: 5). فعبارة "الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ" توضح المعنى المقصود، وكذلك "إِلَى الأَبَدِ".
21- المغفرة
21- المغفرة
هذه الكلمة لها في العهد القديم، معنى يختلف عن معناها في العهد الجديد. ففي العهد الجديد، دفع الرب ثمن الخطية بالفداء على الصليب، لذلك المغفرة تُفهم بمعناها الكامل.
أما في العهد القديم، فكان معناها نقل الخطية إلى حساب المسيح، لكي يمحوها عندما يجيء، بدمه...
ولهذا قال ناثان النبي لداود عن مغفرة خطيته "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ" (2صم12: 13). وعبارة "نقلها" تتفق مع ما ورد في سفر إشعياء "وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6). وهكذا فإن أبرار العهد القديم، الذين كانت "تغفر" خطاياهم، عن طريق الذبائح، أو من فم الله، أو ملائكته أو أنبيائه، ما كانوا يذهبون إلى الفردوس. وإنما يرقدون على رجاء، إلى أن يُدفع ثمن الخطية بالفداء على الصليب...
وهكذا كانت المغفرة في العهد القديم مجرد صك بالمغفرة.
وهذا الصك يصرف بالدم الذي يسفك عنهم...
إذًا كانت مغفرة العهد القديم هي الاستحقاق للمغفرة. أما نوالها فكان فيما بعد، على الجلجثة...
22- خللاص
22- خلاص
الخلاص في لغة الكتاب يشمل: الخلاص المادي والخلاص الروحي.
فالخلاص المادي مثل قول الكتاب: "خَلاَصٍ مِنْ أَعْدَائِنَا وَمِنْ أَيْدِي جَمِيعِ مُبْغِضِينَا" (لو1: 71). ومن أمثلة قصص الخلاص التي وردت في سفر القضاة، الخلاص الذي كان يصنعه الله على يد شمشون الجبار مثلًا (قض13: 5).
أما الخلاص الروحي فهو الذي تم بالفداء على الصليب.
هو الخلاص من الهلاك الأبدي، الذي قال عنه الإنجيل: "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16).
ومن وسائل الحصول عليه، قول الرب: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16).
وعن هذا الخلاص قال القديس بطرس الرسول: "نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ... الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ..." (1بط1: 9، 10). ويقول عنه القديس بولس الرسول: "تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في2: 12).
وقد تعني كلمة خلاص: الخلاص المنتظر في الأبدية.
حينما نتخلص من هذا الجسد المائت، ومن هذا العالم المادي، وعن ذلك الخلاص المنتظر يقول القديس بولس: "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضًا نَنْتَظِرُ مُخَلِّصًا هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ... الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في3: 20، 21).
ولما حمل سمعانٍ الشيخ يسوع الطفل على يديه. قال: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ" (لو2: 29- 31).
وهو هنا يعني بداية قصة الخلاص.
الخلاص الذي أهَّل موكبه، وإن لم يكن قد تم بعد...
وكلمة الخلاص قد تعني أيضًا غير المباشر، أو تعني وسائله.
وهكذا ينسب أحيانًا إلى أشخاص، ليس لأنهم هم الذين يخلصون، حاشا، فقد قيل عن الرب: "لَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ" (أع4: 12). وإنما لأنهم يكونون الأداة التي يستخدمها الله في توصيل الناس إلى الخلاص، أو إلى وسائل هذا الخلاص...
والأمثلة على هذا كثيرة في الكتاب:
من ذلك قول القديس يعقوب الرسول: "مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع5: 20). وقول القديس يهوذا الرسول: "وَخَلِّصُوا الْبَعْضَ بِالْخَوْفِ، مُخْتَطِفِينَ مِنَ النَّارِ" (يه23). وقول القديس بولس الرسول: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي4: 16).
فما معنى كل هذا؟ هل يستطيع إنسان أن يخلص إنسانًا؟
كلا، بل هو يقوده إلى التوبة لخلاصه (يع5: 20) أو إلى مخافة الله لخلاصه (يه23). أو إلى كلمة الله لخلاصه (1تي4: 16). وحتى هذه الوسائل كلها لا تخلص في حد ذاتها، لأنه لا خلاص إلا بالدم بالفداء. ولكن هذه الوسائط توصل إلى استحقاق الدم.
ومن هنا نسب الخلاص إلى هذه الوسائط.
ويتحدث الكتاب عن الخلاص بالإيمان، أو الخلاص بالمعمودية، أو الخلاص بالتوبة. ليس لأن مجرد الإيمان أو المعمودية أو التوبة تخلصه. وإنما لأنه بالإيمان وبالمعمودية وبالتوبة يستحق دم السيد المسيح الذي يخلصه.
ولذلك قلنا إن كلمة خلاص أو يخلص هنا، إنما تعني الخلاص غير المباشر...
وكلمة الخلاص كما تعني الخلاص من عقوبة الخطية، قد تعني أيضًا الخلاص من الخطية ذاتها.
فعبارة "خلصني يا رب" كما وردت كثيرًا في المزامير قد تعني الخلاص من عبودية الخطية ومن ضغطاتها...
23- سيف
23- سيف
كلمة سيف بمعناها العادي معروفة، كسلاح.
ومنها ما قيل في تجربة أيوب الصديق إلى الكلدانيين: "ضَرَبُوا الْغِلْمَانَ بِحَدِّ السَّيْفِ" (أي1: 17). وما ورد في نبوءة إرمياء النبي "بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ يَفْنَوْنَ" (إر16: 4). وما قيل في رسالة رومية إن الملك "لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا" (رو13: 4). وما قيل عن حرس سليمان: "كُلُّ رَجُل سَيْفُهُ عَلَى فَخْذِهِ مِنْ هَوْلِ اللَّيْلِ" (نش3: 8). وما قيل في المزمور: "تَقَلَّدْ سَيْفَكَ عَلَى فَخْذِكَ أَيُّهَا الْجَبَّارُ... اسْتَله وانْجَحْ وامْلُكْ" (مز45: 3).
على أن كلمة سيف يمكن أن يكون لها معنى رمزي.
مثل قول الكتاب: "وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ" (أف6: 17). فاعتبر أن كلمة الله كسلاح، وهي سيف. وهذا يطابق ما قيل في سفر إشعياء: "الرَّبُّ مِنَ الْبَطْنِ دَعَانِي.. وَجَعَلَ فَمِي كَسَيْفٍ حَادٍّ" (إش49: 1، 2). بل قيل عن كلمة الله إنها: "أَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ" (عب4: 12). وعن هذا المعنى الرمزي قال القديس يوحنا الرسول عن الرب لما رآه في سفر الرؤيا: "وَسَيْفٌ مَاضٍ ذُو حَدَّيْنِ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ" (رؤ1: 16).
حتى بالنسبة إلى الأشرار استخدم تعبير السيف ليرمز إلى الكلام الشديد، فقيل: "أَلْيَنُ مِنَ الزَّيْتِ كَلِمَاتُهُ، وَهِيَ سُيُوفٌ مَسْلُولَةٌ" (مز55: 21). وقيل أيضًا: "سُيُوفٌ فِي شِفَاهِهِمْ" (مز59: 7).
ومن المعنى الرمزي للسيف ما قيل عن القديسة العذراء:
"يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ" (لو2: 35).
وواضح أنه ليس سيفًا ماديًا، إنما يعني ما تحتمله نفسها من جراح أو من آلام...
هذا التفسير الرمزي يوضح لنا بعض ما قاله السيد المسيح مثل:
"مَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا" (لو22: 36).
إنه لا يقصد مطلقًا السيف المادي، أي السلاح المادي. بدليل أنه انتهر بطرس لما استخدم سيفه في الدفاع وقطع أذن العبد، وطلب إليه أن يرد سيفه إلى غمده (يو18: 10).
وقال له: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!" (مت26: 52).
ولكن لما قال: "مَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا"، لم يفهم التلاميذ المعنى الرمزي المقصود، "فَقَالُوا: يَا رَبُّ، هُوَذَا هُنَا سَيْفَانِ"!! فقال لهم: "يَكْفِي". ويعني بذلك أن يختم الكلام. أي ما قلته لكم يكفي، أو كفى حوارًا، لأنه لو كان يقصد السيفين اللذين معهما، لقال "هذان يكفيان". كما أنه لم يطلب الدفاع عن نفسه بل حينما أمر بطرس أن يرد سيفه إلى غمده، أردف بعدها قائلًا: "الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟!" (يو18: 11).
كان السيد المسيح يقصد من عبارة "ليشتر سيفًا"، سيف الجهاد. لأنه قال ذلك وهو مقبوض عليه، وفي الطريق الذي ينتهي بالصليب. وسيترك التلاميذ وحدهم، فيحتاجون إلى جهاد روحي، عبر عنه بكلمة السيف.
العبارة الأخرى التي تحتاج إلى شرح هي قوله:
"مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا" (مت10: 34).
لقد أوضحها إنجيل لوقا بقوله: "أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ" (لو12: 51- 53). فما معنى هذا؟
معناه الانقسام الذي يحدث بين من يقبلون المسيحية ومن يرفضونها، حتى في البيت الواحد.
إنه دين جديد، قد لا يقبله الكل. ربما يقبله الابن ويرفضه الأب، فيحدث انقسام في محيط الأسرة. وكذلك قد تقبله الأم، وترفضه ابنتها، فيحدث انقسام. أو يحدث الانقسام بين المسيحيين، واليهود الذين يرفضون المسيحية. أو بينهم وبين الدولة الرومانية.
وهذا شيء طبيعي بالنسبة إلى أي دين جديد.
وفي نفس الوقت المسيحية تدعو إلى السلام، ولكن ليس على حساب التنازل عن الإيمان.
وعبارة "ألقي سيفًا" تعني السيف الذي يقع على المسيحيين، وليس سيفًا يصدر منهم.
وفعلًا تعرض المسيحيون للسيف، وسُفكت دماء كثيرة منهم. ومع بدء المسيحية بدأ عصر استشهاد استمر قرونًا طويلة.
24- الملكوت
24- الملكوت
كلمة ملكوت في الكتاب المقدس تعني ثلاثة معانٍ وهي:
أ- ملكوت الله داخل قلب كل منا، كما قال السيد الرب: "هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ" (لو17: 21). أي أن يملك الله على مشاعرنا ورغباتنا وأفكارنا.
ب- معنى آخر، هو ملكوت الله على الأرض، في انتشار الإيمان وبشارة الإنجيل، وقد قيل عن هذا: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ" (مت4: 23) (مت9: 35). وقال السيد المسيح عن نهاية الزمان: "وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ. ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى" (مت24: 14).
ج- المعنى الآخر، هو ملكوت السماوات بعد القيامة العامة. وهو الملكوت الأبدي. هو الذي يقول عنه السيد المسيح للذين عن يمينه في يوم الدينونة: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" (مت25: 34). أو كما قال بولس الرسول: "... الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ" (2تي4: 1).
وهنا يسأل البعض عن معنى الآية التي تقول:
"... إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ" (مر9: 1) (لو9: 27).
حقًا إن هذا النص الإلهي خاص بلا شك بانتشار ملكوت الله على الأرض. فبعد أن كانت غالبية بلاد العالم تعيش في الوثنية، بدأت تقبل الإيمان، وتنتشر فيها بشارة الملكوت.
وفي حوالي ثلاثين عامًا تقريبًا، انتشرت بشارة الملكوت في أورشليم، وفي كل اليهودية والسامرة، وفي أنطاكية وقبرص وآسيا الصغرى، وبلاد اليونان، وإيطاليا... وفي بلاد ما بين النهرين شرقًا ونزلت جنوبًا إلى مصر وليبيا...
وهكذا كان ملكوت الله قد أتى بقوة.
وشاهده كثير من الأحياء الذين عاصروا المسيح بالجسد.
ولا يمكن أن تؤخذ إحدى الآيتين السابقتين (مر9: 1) (لو9: 27) على الملكوت السماوي أو الملكوت الأبدي.
وعبارة "اَلرَّبُّ قَدْ مَلَكَ" (مز93: 1) (مز97: 1). المقصود بهما أنه "مَلَكَ عَلَى خَشَبَةٍ" (مز96: 10) ... ملك حينما اشترانا بدمه، فصرنا ملكًا له. وهكذا بدأ ملكوته على الصليب.
ومعنى عبارة "ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ" (مت16: 28) تعني أيضًا ملكوته الأرضي، إذ أتى المسيح إلى كل الأرض فعرفوا اسمه، وعرفوا فداءه.
25- ربّ
25- ربّ
تستخدم هذه الكلمة أولًا، بمعنى الله.
وخصوصًا إذا كان التعبير يا رب، أو أيها السيد الرب، أو ربنا... ومثال ذلك قول المرتل في المزمور "أيُّهَا الرَّبُّ رَبُّنَا ما أعْجَب اِسْمَكَ عَلَى الأرْضِ كلِّهَا، حَيْثُ جَعَلْتَ جَلاَلَكَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ!" (مز8: 1). وأيضًا "يَا رَبُّ لا تُبكِّتْنِي بغَضَبكَ... اِرْحَمنِي يَا رَبُّ فإنِّي ضَعِيفٌ... عُدْ يَا رَبُّ. نَجِّ نَفْسِي" (مز6: 1، 2، 4). أو "قالَ الرَّبُّ لِرَبّي اِجْلسْ عَنْ يَميني، حَتَّي أَضع أعْدائِكَ عِنْدَ مَوْطئ قَدَميْكَ" (مز110: 1). و "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ " (مز103: 2).
أو كقول بولس الرسول: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (2كو1: 3) ... "نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ" (غلا6: 18)... انظر أيضًا (أف6: 24) (في4: 23) (1تس5: 28) (2تس3: 18).
على أن كلمة ربّ قد تعني غير الله. وهذا واضح من عبارة (أرباب).
مثل قول الكتاب: "لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ..." (تث10: 17). أي من يُدعون آلهة وأربابًا...
وقد ورد هذا التعبير في سفر الرؤيا أيضًا، إذ قيل عن السيد المسيح "كَلِمَةَ اللهِ"... أنه "لَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ" (رؤ19: 13، 16). أي أنه ملك على كل ملك، ورب على كل رب، أي على كل سيد أو كل رئيس، كما نقول "رب أسرة" أي سيدها ورئيسها. وقيل عنه في سفر الرؤيا أيضًا: "رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ" (رؤ17: 14). على أن كلمة أرباب، ورب، لها معنى آخر.
فقد تعني طائفة من الملائكة تدعى الأرباب.
ومفردها (رب). ولعل هذا هو المقصود في قصة مقاومة الشيطان ليهوشع الكاهن العظيم. وأمامه ملاك الرب. وهنا يقول الكتاب: "فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ! لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ..." (زك3: 2). وهنا وردت عبارة الرب بمعنيين: أحدهما بمعنى الله في قوله: "لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ يَا شَيْطَانُ". والمعنى الثاني هو ملاك من رتبة الأرباب. وهو الذي قال للشيطان: "لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ".
26- الإيمان
26- الإيمان
وتأتي بعدة معانٍ في الكتاب منها:
1- الإيمان بالله، بوجوده وصفاته... ومن هنا الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، فتخلص"...
ولكن كلمة (إيمان) لا تقتصر على مجرد الاعتقاد بوجود الله وصفاته، إنما تتسع لتشمل كل الحقائق الإيمانية: مثل التجسد والفداء والقيامة وكل وسائط الخلاص. وعن هذا قال الرسول:
"أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا" (عب10: 38).
2- وعبارة "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ" (أع16: 31).
تعني: آمن به، وبإنجيله، وبكل تعاليمه ووصاياه، إيمانًا عمليًا، إيمانًا عاملًا بالمحبة. أليست أول عبارة نُسبت إلى السيد المسيح هي قوله: "قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 15).
والإيمان بالإنجيل، يعني العمل به أيضًا حسب وصية الرب (مت7: 24- 27). لذلك هو إيمان تسبقه أو تصحبه توبة، حسب قوله: "تُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" وتعقبه "أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت3: 8). لأن "كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (مت3: 10).
3- وقد فرق الكتاب بين الإيمان النظري، والإيمان العملي.
فالإيمان النظري أو العقلي مثل إيمان الشياطين. حيث يقول القديس يعقوب الرسول: "أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ!" (يع2: 19). إنهم يقشعرون، لأنه على الرغم من إيمانهم بهذا الإله الواحد، فإن أعمالهم ستؤدي إلى الهلاك، لذلك هم يقشعرون...
لذلك قال الرسول أيضًا: "الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ؟" (يع2: 20، 17). فعلى الرغم من أنه ميت، إلا أن الكتاب سماه إيمانًا. ولكن هذا الإيمان الميت لا يمكنه أن يخلص إنسان (يع2: 14).
4- وقد عرف الرسول الإيمان بقوله:
"أَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى" (عب11: 1).
فالإيمان بوعود الله، هو الإيقان بأمور لا تُرى.
والإيمان بالنعيم الأبدي، وعشرة الله والملائكة، هو أيضًا من الأمور التي لا تُرى لعلها التي قصدها الرسول بقوله: "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو4: 18).
إذًا كلمة (إيمان)، لا تعني مجرد أن يقول إنسان (آمنت). إنما تشمل كل الأمور العقائدية والروحية جميعًا.
5- من هنا تحدث الكتاب عن الإيمان الحقيقي، الذي هو:
"الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ" (غلا5: 6).
وهذا الإيمان يشمل الحياة الروحية كلها. لأن كل ما في الناموس والأنبياء يتعلق بهذه الوصية (المحبة) حسبما قال الرب (مت22: 37- 40).
27- النور
27- النور
1- المعنى الأول للنور، هو النور المادي.
هذا النور الذي خلقه الله في اليوم الأول: "قَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ... وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ" (تك1: 3، 4).
2- تؤخذ كلمة النور أيضًا بمعنى روحي.
فتنسب مثلًا إلى كلمة الله وإلى وصايا الله. مثل قول المزمور: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مز119: 105). أو كما ورد في الأمثال: "الْوَصِيَّةَ مِصْبَاحٌ، وَالشَّرِيعَةَ نُورٌ" (أم6: 23). ومن هذا المعنى يؤخذ تعبير الإنارة والاستنارة كقول المزمور: "وَصيَّةُ الرَّبِّ مُضيئةٌ. تُنَيرُ العَيْنيْنِ عَنْ بُعدٍ" (مز19: 8).
3- وتطلق كلمة النور على الإنسان نفسه إن كان مصدرًا للنور الروحي.
كما قال السيد المسيح في العظة على الجبل: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ... فَلْيُضِيء نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 14، 16).
4- وقيل شبه المعنى عن الملائكة القديسين.
ففي الحديث عن الشيطان وخداعه قيل عنه إنه: "يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ!" (2كو11: 14).
5- على أن المعنى الأصيل للنور قيل عن الله نفسه.
وورد في رسالة يوحنا الأولى: "اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ" (1يو1: 5). وقال داود في المزمور: "اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، مِمَّنْ أَخَافُ؟" (مز27: 1). وقال السيد المسيح: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ" (يو8: 12). وقال لتلاميذه عن نفسه: "النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ" (يو12: 35). وقال لهم أيضًا: "مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ" (يو12: 36).
ومن هنا كان معنى أبناء النور، أبناء الله (لو16: 8). أو الذين دُعوا أبناء الله...
ولكي يميز الرب عن البشر الذين دعاهم أيضًا نورًا، قيل عنه إنه النور الحقيقي. وهكذا قيل عن القديس يوحنا المعمدان: "هذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ، لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ. كان النور الحقيقي (أي المسيح) الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ. كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ" (يو1: 7- 10).
6- وكلمة نور تطلق أيضًا على العلانية:
وهكذا قيل في الإنجيل: "كُلُّ مَا قُلْتُمُوهُ فِي الظُّلْمَةِ (أي في الخفاء)، يُسْمَعُ فِي النُّورِ، وَمَا كَلَّمْتُمْ بِهِ الأُذْنَ فِي الْمَخَادِعِ يُنَادَى بِهِ عَلَى السُّطُوحِ" (لو12: 3). وقال الرب أيضًا لتلاميذه بنفس المعنى: "اَلَّذِي أَقُولُهُ لَكُمْ فِي الظُّلْمَةِ قُولُوهُ فِي النُّورِ، وَالَّذِي تَسْمَعُونَهُ فِي الأُذُنِ نَادُوا بِهِ عَلَى السُّطُوحِ" (مت10: 27).
وقال أيضًا: "كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ (أي العلانية والانكشاف) لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ" (يو3: 20، 21).
28- الكمال
28- الكمال
1- طبعًا صفة الكمال هي لله وحده.
وهكذا قال السيد المسيح: "كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48). فماذا نفهم من عبارة "كونوا كاملين".
2- هناك كمال نسبي يمكن أن يتصف به الإنسان:
نسبة إلى ما يستطيع أن يصل إليه، ونسبة إلى مقدار النعمة التي نالها من الله.
وهكذا قيل: "كَانَ نُوحٌ رَجُلاً بَارًّا كَامِلاً" (تك6: 9). وقيل عن أيوب الصديق بشهادة الرب إنه "رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" (أي1: 8) (أي2: 3).
وقيل عن أبينا يعقوب - بالمقارنة بأخيه عيسو- وكان يعقوب "إِنْسَانًا كَامِلاً يَسْكُنُ الْخِيَامَ" (تك25: 27). وقال الله لأبينا إبراهيم: "سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً" (تك17: 1).
3- الكمال قيل أيضًا عن الأمور إذا وصلت إلى تمامها:
فقال السيد المسيح وهو على الصليب عن عمل الفداء: "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30). وقال عن خدمته لله الآب: "الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ" (يو17: 4). وقال القديس يوحنا الرسول عن المحبة إذا وصلت إلى تمامها: "الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو4: 18). وقال القديس بولس الرسول في الحروب الروحية: "الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ" (أف6: 11).
إن العمل التام يدعى كاملًا، لذلك قال الرب في رسالته إلى ملاك كنيسة ساردس: "لَمْ أَجِدْ أَعْمَالَكَ كَامِلَةً أَمَامَ اللهِ" (رؤ3: 2). وقال القديس يعقوب الرسول عن تمام الإيمان: "بِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ" (يع2: 22).
29- الماء
29- الماء
1- المعنى الأول للماء هو الماء المادي الذي نشربه.
2- والمعنى الثاني هو الماء الحي الذي يروي الروح، الذي قال عنه للمرأة السامرية – في المقارنة بالماء المادي: "مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ (أي الماء المادي) وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو4: 13، 14).
3- ويرمز الماء إلى الروح القدس وعمله. إذ قال الرب: "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ" (يو7: 38، 39).
الرب في العهد القديم وصف نفسه بينبوع الماء. فقال: "تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر2: 13).
30- ابن
30- ابن
1- المعنى الأول هو الابن الجسدي (من صلبه).
مثلما بكى داود على أبشالوم لما مات في الحرب وقال: "يَا ابْنِي أَبْشَالُومُ، يَا ابْنِي" (2صم18: 33). لقد كان ابنه فعلًا، من صلبه. ومثلما نقول: إسحاق هو ابن إبراهيم. ويعقوب هو ابن إسحاق. ويوسف هو ابن يعقوب. إنها بنوة طبيعية.
2- وقد تطلق هذه البنوة الطبيعية على العلاقة بين الأبناء والجدود.
أو بين الأبناء وجدود الجدود إلى مسافات طويلة... مثلما ورد في الإنجيل لمتى الرسول: "كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ" (مت1: 1). قيل هذا عن الجدود الأول... وبنفس الوضع قيل: "وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ قَائلاً: مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟ قَالُوا لَهُ: ابْنُ دَاوُدَ. قَالَ لَهُمْ: فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟" (مت22: 41- 43).
3- هناك أيضًا البنوة الشرعية:
ومن أمثلتها ما ورد في سفر التثنية "إِذَا سَكَنَ إِخْوَةٌ مَعًا وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، فَلاَ تَصِرِ امْرَأَةُ الْمَيْتِ إِلَى خَارِجٍ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ. أَخُو زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَتَّخِذُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً، وَيَقُومُ لَهَا بِوَاجِبِ أَخِي الزَّوْجِ وَالْبِكْرُ الَّذِي تَلِدُهُ يَقُومُ بِاسْمِ أَخِيهِ الْمَيْتِ، لِئَلاَّ يُمْحَى اسْمُهُ مِنْ إِسْرَائِيلَ" (تث25: 5، 6). أي أن هذا البكر المولود يعتبر- شرعًا - ابنًا للميت... ليس ابنًا طبيعيًا، وإنما ابنًا شرعيًا...
وهذا هو ما يبدو خلافًا بين قائمة الأنساب حسبما أوردها إنجيل متى (مت1) والقائمة التي أوردها إنجيل لوقا (لو3). أحدهما ذكر الأسماء كلها حسب الطبيعة. والآخر أورد بعض الأسماء حسب البنوة الشرعية.
4- وهناك بنوة بالتبني:
مثل بنوتنا لله. بمحبته لنا دعانا أبناء حسب قول الرسول: "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ!" (1يو3: 1). وأيضًا "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (يو1: 12).
وبنوع من التبني دُعي المسيح ابنًا ليوسف النجار. ليس فقط مثلما قيل: "وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ" (لو3: 23) ... بل بالأكثر حسبما قالت له العذراء وهو في الثانية عشرة من عمره، بحثًا عنه في أورشليم "هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!" (لو2: 48).
5- وهناك بنوة حسب السن:
يقولها شخص كبير في السن، عمن هو أصغر منه، وكأنه من أولاده حسب السن. مثلما قال بطرس الرسول في رسالته الأولى: "تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الَّتِي فِي بَابِلَ الْمُخْتَارَةُ مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ ابْنِي" (1بط5: 13).
وهناك أيضًا البنوة في الإيمان:
مثلما دُعي كل الذين لهم إيمان إبراهيم أبناء لإبراهيم. وقد شرح بولس الرسول هذا الأمر بتفصيل في الأصحاح الرابع من الرسالة إلى رومية. فقال عن الوعد إنه: "لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ.." (رو4: 16، 17) "لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ... وَأَبًا لِلْخِتَانِ لِلَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْخِتَانِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يَسْلُكُونَ فِي خُطُوَاتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ..." (رو4: 11، 12).
7- هناك أيضًا أبناء روحيون:
وكثيرًا ما كان القديسون يستخدمون كلمة أبناء عن تلاميذهم أو الذين آمنوا على أيديهم في رسالته الثانية "إِلَى تِيمُوثَاوُسَ الابْنِ الْحَبِيبِ" (2تي1: 2) وأيضًا "فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ" (2تي2: 1). ومثلما قال في رسالته إلى تلميذه تيطس: "إِلَى تِيطُسَ، الابْنِ الصَّرِيحِ..." (تي1: 4). وقال أيضًا لتيموثاوس: "هذِهِ الْوَصِيَّةُ أَيُّهَا الابْنُ تِيمُوثَاوُسُ أَسْتَوْدِعُكَ إِيَّاهَا" (1تي1: 18). وقال لأهل كورنثوس: "لِذلِكَ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ تِيمُوثَاوُسَ، الَّذِي هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ وَالأَمِينُ فِي الرَّبِّ" (1كو4: 17).
وفي رسالة بولس الرسول إلى فيلمون يكتب له عن أُنسيمُس قائلًا: "أَطْلُبُ إِلَيْكَ لأَجْلِ ابْنِي أُنِسِيمُسَ، الَّذِي وَلَدْتُهُ فِي قُيُودِي" (فل 10). والمعروف أن بولس الرسول كان بتولًا.
8- كلمة (ابن) تستخدم أيضًا في الكتاب منسوبة إلى أمور معينة:
مثلما قال الرب: "هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَصُومُوا وَالْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟!" (مر2: 19). وقال أيضًا: "لأَنَّ أَبْنَاءَ هذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ" (لو16: 8). وقال القديس بولس الرسول: "الأُمُورَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ" (كو3: 6).
هؤلاء الذين قال عنهم القديس يوحنا الرسول: "... أَوْلاَدُ إِبْلِيسَ (ظاهرون)" (1يو3: 10).
هذه هي البنوة النسبية... والأمثلة كثيرة.
ننتقل إلى عبارة أخرى وهي كلمة (واحد):
31- واحد
31- واحد
مثلما قيل في رسالة يعقوب الرسول: "أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ" (يع2: 19). وبالمثل قال بولس الرسول: "... أَنْ لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِدًا" (1كو8: 4). وقيل: "الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تث6: 4). وبنفس المعنى قيل: "رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ" (أف4: 5). وقيل عن الفترة السابقة لبلبلة الألسنة: "وَكَانَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لِسَانًا وَاحِدًا وَلُغَةً وَاحِدَةً" (تك11: 1).
وقيلت عبارة (واحد) عن الوحدانية في الروح.
مثلما قال السيد المسيح للآب عن التلاميذ: "لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ" (يو17: 22) ... أي أنهم يكونون واحدًا في الفكر، في الروح، في الإيمان... أما عبارة "كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ" فلها معنى آخر.
بهذا قال السيد المسيح: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو10: 30) أي واحد في اللاهوت، في الطبيعة، في الجوهر.
وليس واحدًا في الأقنومية... هنا لا يتحدث عن العدد، وإنما عن الجوهر. لأن الآب أقنوم، والابن أقنوم، ولكنهما واحد في اللاهوت.
كذلك حينما نؤمن بكنيسة واحدة.
هذه الكنيسة هي جسد المسيح، الذي يفسر لنا قول الرسول عن المؤمنين: "جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ" (أف4: 4). الكنيسة هي الجسد الواحد، والمسيح هو الرأس (أف5: 23).
وهذا الجسد الواحد، له أعضاء كثيرة. قد تطلق على مجموع المؤمنين أو على كنائس متعددة من جهة المكان. ولكن الكل واحد باعتبارهم جسد المسيح الذي قال عنه: "رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ" (يو10: 16).
32- الأعمال
32- الأعمال
عندما قال الله عن اليوم السابع: "لاَ تَعْمَلْ فِيهِ عَمَلاً مَّا" (تث5: 14). ماذا كان يقصد بكلمة عمل هنا. طبعًا لا يقصد الأعمال الطبيعية مثل الأكل والحركة والكلام. ولا كان يقصد الأعمال الروحية مثل الصلاة والتأمل. ولكنه كان يقصد هنا العمل المادي الخاص بالرزق.
والمعروف أن تفسير كلمة (العمل) في هذه الوصية الرابعة من الوصايا العشر كان موضع خلاف بين السيد المسيح والكتبة والفريسيين.
فهم كانوا يفسرون العمل حرفيًا بحيث يشمل كل عمل على الإطلاق، وكانوا ينتقدون قيام المسيح بإجراء معجزة في يوم سبت ولو شفاء لمريض (لو13: 14)! أما السيد فقد شرح لهم أنه يحلُّ عمل الخير في أيام السبوت (مت12: 12).
إذًا "عملًا من الأعمال لا تعمل" لا تؤخذ هنا على معناها المطلق.
لأنه يحلُّ فعل الخير في يوم الرب. ومما لا شك فيه أن العمل الروحي يحلُّ - بل يجب - في يوم السبت، أو يوم الرب عامة. وهكذا كان اليهود يذهبون إلى المجمع يوم السبت (أع13: 14)، وتقرأ عليهم أسفار موسى والأنبياء. وكانوا يختنون الأطفال في يوم السبت، إذا صادف أن يكون الثامن لميلاد الطفل (يو7: 22).
إذًا عدم العمل في السبت يستثنى منه الأعمال الطبيعية، والعمل الروحي والطقسي، وعمل الخير...
ندخل بعد ذلك في جدل روحي حول (الأعمال) وموقفها من الخلاص.
فالبروتستانت ينكرون أهمية الأعمال في موضوع الخلاص. ويعتمدون في ذلك على قول الرسول: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" (أف2: 8، 9). وأيضًا "لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي..." (تي3: 5).
ونحن نبحث ما معنى كلمة (أعمال). وأي أعمال يقصدها الرسول؟
وهنا نجد أن كلمة أعمال لها معانٍ كثيرة منها:
1- أعمال الناموس التي لا يخلص بها أحد.
وهذه هي التي حاربها الرسول كوسيلة للخلاص. إذ كان اليهود يرون أن الخلاص يكمن في ممارسة الأعمال التي أمر بها الناموس مثل الختان، وحفظ السبت والمواسم والأعياد وأوائل الشهور، والتقدمات والذبائح، وحفظ القواعد الخاصة بالنجاسات والتطهير في الأكل والشرب واللمس، وما إلى ذلك... كل هذه الأمور التي قال عنها الرسول إنها: "ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ" (كو2: 17).
وهذه الأمور قال الرسول عنها: "لاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ" فيها (كو2: 16). وقد رفضها الرب في العهد القديم، لأنها كانت تمارس خالية من الروح (إش1: 13- 15) ... وقد قصدها الرسول بقوله: "إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ..." (غل2: 16) (رو3: 20).
وهناك نوع آخر من الأعمال، لا يخلص به الإنسان وهو:
2- الأعمال بدون إيمان، أو قبل الإيمان.
فمجرد الأعمال الصالحة بدون الفداء لا يخلص الإنسان. كان كرنيليوس يعمل أعمالًا صالحة ولكنها لم تخلصه. لذلك أرشده الرب أن يستدعي سمعان بطرس الذي قاده إلى الإيمان وإلى المعمودية لكي يخلص (أع10: 5) ... فغير المؤمن - مهما عمل أعمالًا صالحة - لا يخلص بها، إذ لا بد له من الإيمان. وهذا الإيمان يعطي أعماله قيمة...
3- العمل البشري المنفصل عن الله.
الذي لم تشترك النعمة فيه، والذي يعتمد على الذراع البشري، ومصيره أن يؤول إلى المجد الباطل. ومثل عمل الخير الذي يعمله إنسان مؤمن، ولكن بقصد مديح الناس، فهذا لا علاقة له بالخلاص.
4- على أن هناك أعمالًا يقوم بها الروح القدس، وهي لازمة لخلاصنا.
مثل عمل الروح القدس في الأسرار: كالمعمودية مثلًا التي يلدنا فيها الروح القدس ولادة جديدة، والمسحة المقدسة التي يسكن بها الروح القدس داخلنا. ومثل سر التوبة الذي يمنحنا به الروح القدس من فم الكاهن مغفرة لخطايانا... إلخ.
هذه الأسرار ليست مجرد أعمال بشرية نمارسها وإنما هي عمل الروح القدس في الأسرار. ولا يستطيع أحد أن ينكر أهمية ومفعول عمل الروح القدس، ولزومه للخلاص.
5- هناك أيضًا الأعمال الروحية التي يشترك فيها الرب.
هذا الذي قال: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5). وهو يعمل فينا بنعمته. وهكذا قال القديس بولس الرسول عن تعبه في الخدمة أكثر من جميع الرسل: "وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10).
فهل يستطيع أحد أن يقلل من عمل النعمة؟!
إنه ليس مجرد عمل بشري. لكنه عمل النعمة في البشر. وهنا نذكر عبارة الرسول: "لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ".
وهذا العمل الروحي المطوب هو شركة الروح القدس مع الإنسان، هذه التي تمنح لنا في البركة (2كو13: 14). هو عمل يعمله الروح القدس الساكن فينا (1كو3: 16).
إنه يعمل فينا، ويعمل بنا، ويعمل معنا.
فهل يستطيع أحد أن يقلل من قيمة عمل الروح القدس؟!
لا نأخذ إذًا كلمة (أعمال) بطريقة سطحية. إنما فلنفحص ما هو العمل؟ وما عمقه؟ حينئذ نصل إلى حقيقة قيمته...
33- الله
33- الله
اسم الله يرد في الكتاب المقدس بثلاث كلمات في العبرية وهي: ألوهيم، أدوناي، يهوه... كما يرد أيضًا باسم (الرب) أو رب الجنود، أو الرب الإله...
المهم حينما ترد كلمة (الله)، ماذا يقصد بها من جهة الأقانيم؟ هل يعنى بها الله المثلث الأقانيم؟ أم يقصد بها الآب؟ أم الابن؟
هذا ما سنبحثه بمعونة الرب في هذا المقال.
1- الله المثلث الأقانيم:
كل الآيات المتعلقة بالخلق، المقصود بها الثالوث القدوس.
كما ورد في (تك1: 1) "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ". أي أنه بأقانيمه الثلاثة خلق السماوات والأرض.
وبالمثل في (إش42: 5) "هكَذَا يَقُولُ اللهُ الرَّبُّ، خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا، بَاسِطُ الأَرْضِ...".
وكذلك ما ورد في (1كو15: 28) "... كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ".
وأيضًا (مت4: 10) "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" وهي مأخوذة من (تث6: 13).
وأيضًا "وَأَنْتُمْ شُهُودِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَنَا اللهُ" (إش43: 12).
وأيضًا قوله: "أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلهَ سِوَايَ... أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هذِهِ" (إش45: 5، 7).
أيضًا حينما يقول: "أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي" (إش43: 11) "أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلهَ سِوَايَ" (إش45: 5، 6). "أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ" (إش45: 22). لأنه من غير المعقول أن يقول أقنوم واحد "أنا وليس غيري" بل هذا يقوله الله المثلث الأقانيم.
كذلك عبارة "أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ" (إش45: 22).
وأيضًا "يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ" (يو17: 3).
2- أحيانًا ترد كلمة (الله) بمعنى الآب:
كما في (يو3: 16) "هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ".
واضح طبعًا، حينما ترد كلمة الله، والابن، أو ابنه، يكون المقصود هو الله الآب.
ومثال ذلك أيضًا قول القديس بولس الرسول:
(غلا1: 15، 16) "وَلكِنْ لَمَّا سُرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا..." ... وأيضًا:
(يو1: 18) "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ". واضح هنا "أن الآب لم يره أحد قط.
(1يو4: 9) "بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ". طبعًا الله الآب هو الذي أرسل ابنه.
(1يو4: 10) "فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا".
وأيضًا (عب1: 1، 2) "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ...".
كذلك حينما يقال إن الله خلق العالم بالابن، يقصد طبعًا أن الله الآب خلق العالم بالابن.
ومثال ذلك "اَللهُ... الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ" (عب1: 2) أي بالابن (الكلمة - اللوجوس) الذي هو عقل الله الناطق، أو نطق الله العاقل. أي أن الله الآب خلق العالم بعقله الناطق أو بنطقه العاقل.
3- ظهورات الله في العهد القديم كانت ظهورات للابن.
وهذا واضح من قول الكتاب: "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ" (يو1: 18). فالذي رآه إبراهيم مثلًا، والذي رآه موسى، كان هو الابن وليس الآب. وكذلك في ظهوره في هيئة ملاك أو إنسان.
أيضًا الآيات التي يوصف بها الله أنه الفادي هي خاصة بالابن أيضًا. مثل "فَادِينَا رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ" (إش47: 4). "أنا الرَّبُّ فَادِيكَ وَجَابِلُكَ" (إش44: 24).
4- وهناك آيات مشتركة، فيها الآب والابن:
كما في (يو1: 1) "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ (أي الآب)، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ (أي الابن).
34- يوم
34- يوم
هذه الكلمة لها معانٍ متعددة، يفهم كل معنى حسب موضعه...
فكلمة يوم قد تعني يومًا 24 ساعة.
مثلما قيل عن القديس بولس الرسول في كرازته لليهود في رومه: "فَعَيَّنُوا لَهُ يَوْمًا، فَجَاءَ إِلَيْهِ كَثِيرُونَ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَطَفِقَ يَشْرَحُ لَهُمْ" (أع28: 23).
أو كما قيل عن السيد المسيح أنه صام أربعين يومًا (مر1: 13). أي "صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً" (مت4: 2).
وقد تعني كلمة (يوم) فترة غير محدودة.
مثال ذلك أيام الخليقة لأن الله عمل "النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ"، الشمس والقمر، في اليوم الرابع من أيام الخليقة (تك1: 14- 19).
إذًا الأيام الأربعة الأولى لم تكن أيامًا شمسية كأيامنا، وبالمثل نقول عن باقي الأيام. ومن هنا نقول إن كلمة (يوم) من أيام الخليقة تعني فترة غير محدودة لا نعرف مدى طولها، اصطلح على بدايتها ونهايتها بعبارة "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ ".
بل أن كل أيام الخليقة الستة عبر عنها بكلمة (يوم). فقال الوحي الإلهي "هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ" (تك2: 4). فعَّبر عن الستة أيام الأولى بكلمة (يوم).
وحسنًا قيل في رسالة بطرس الثانية "وَلكِنْ لاَ يَخْفَ عَلَيْكُمْ هذَا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ: أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ" (2بط3: 8).
وكلمة (يوم) تستخدم بمعنى عُمر:
قال المرتل في المزمور: "لاَ تَقْبِضْنِي فِي نِصْفِ أَيَّامِي" (مز102: 24) أي نصف عمري وقال: "لأَنَّ أَيَّامِي قَدْ فَنِيَتْ" (مز102: 3). أي عمري قد فنى...
وقال أَلِيهُو لأيوب وأصحابه: "أَنَا صَغِيرٌ فِي الأَيَّامِ وَأَنْتُمْ شُيُوخٌ" (أي32: 6). أي صغير في عمري.
وقيل: "فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ نُوحٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمَاتَ" (تك9: 29) أي كل عمره. وقيل: "وَشَاخَ إِبْرَاهِيمُ وَتَقَدَّمَ فِي الأَيَّامِ" (تك24: 1). أي تقدم في العمر...
وقد تأتي كلمة أيام بمعنى زمن.
مثل قول الرسول: "مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ" (أف5: 16) أي لأن الزمن شرير. وقيل عن ملكي صادق: "لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ" (عب7: 3). أي لا بداءة عمر أو زمن. كذلك حينما يقال: "وَحَدَثَ فِي أَيَّامِ أَحَشْوِيرُوشَ (الملك) ..." (أس1: 1). أي في زمنه أو عهده.
وقد تأتي كلمة (يوم) بمعنى وقت.
كعبارة "فِي يَوْمِ الضِّيقِ" (أم24: 10). أي "في وقت الضيق" أو كقول المرتل في المزمور "فِي يَوْمِ أَدْعُوكَ. اسْتَجِبْ لِي سَرِيعًا" (مز102: 2) أي حين أدعوك، أو الوقت الذي أدعوك فيه...
35- الحصاد
35- الحصاد
1- تعني المعنى الحرفي لحصاد الزرع بعد نضجه.
وعن ذلك قيل في الكتاب: "أَيَّامِ الأَرْضِ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ" (تك8: 22). وأيضًا "الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا" (غلا6: 7). وكان يقام عيد للحصاد في العهد القديم (خر23: 16). وقيل في سفر اللاويين: "مَتَى جِئْتُمْ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنَا أُعْطِيكُمْ وَحَصَدْتُمْ حَصِيدَهَا، تَأْتُونَ بِحُزْمَةِ أَوَّلِ حَصِيدِكُمْ إِلَى الْكَاهِنِ. فَيُرَدِّدُ الْحُزْمَةَ أَمَامَ الرَّبِّ لِلرِّضَا عَنْكُمْ" (لا23: 10، 11).
2- والمعنى الثاني روحي عن حصاد الخدمة.
أو استعداد النفوس لهذا الحصاد. وعنه قال الرب لتلاميذه: "الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ" (مت9: 37، 38) (لو10: 2). وقوله أيضًا: "أَنَا أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ. آخَرُونَ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ قَدْ دَخَلْتُمْ عَلَى تَعَبِهِمْ" (يو4: 38) "انْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ. وَالْحَاصِدُ يَأْخُذُ أُجْرَةً وَيَجْمَعُ ثَمَرًا لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يو4: 35، 36).
3- والمعنى الثالث خاص بالقيامة أو انقضاء العالم:
كما في مثل الزارع (مت13) حيث يقول الرب عن الحنطة والزوان: "دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: اجْمَعُوا أَوَّلاً الزَّوَانَ وَاحْزِمُوهُ حُزَمًا لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا الْحِنْطَةَ فَاجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَني" (مت13: 30).
وقال في شرح هذا المثل: "وَالْحَصَادُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعَالَمِ. وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلاَئِكَةُ... هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ: يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ..." (مت13: 39- 42).
36- الكرمة
36- الكرمة
1- يمكن أن تُفهم الكرمة بمعناها الحرفي.
باعتبار أنها الشجرة التي تنتج عناقيد العنب. مثال ذلك يقول الكتاب: "إِذَا دَخَلْتَ كَرْمَ صَاحِبِكَ فَكُلْ عِنَبًا حَسَبَ شَهْوَةِ نَفْسِكَ، شَبْعَتَكَ. وَلكِنْ فِي وِعَائِكَ لاَ تَجْعَلْ" (تث23: 24). وأيضًا "إذَا قَطَفْتَ كَرْمَكَ فَلاَ تُعَلِّلْهُ وَرَاءَكَ. لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ يَكُونُ" (تث24: 21).
2- السيد المسيح له المجد شبه نفسه بالكرمة:
فقال: "أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ. كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ" (يو15: 1، 2).
3- لقب الكرمة أطلق على الكنيسة وعلى الشعب المؤمن:
فقيل في المزمور: "يَا إِلهَ الْجُنُودِ، ارْجِعَنَّ. اطَّلِعْ مِنَ السَّمَاءِ وَانْظُرْ وَتَعَهَّدْ هذِهِ الْكَرْمَةَ، وَالْغَرْسَ الَّذِي غَرَسَتْهُ يَمِينُكَ" (مز80: 14، 15). فالكرمة هي كنيسته وشعبه.
وأيضًا في أمثال الرب في الإنجيل، ذكر (الكرم) بمعنى الكنيسة والشعب. فقال في مثل الكرامين: "إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْمًا، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ... وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ..." (مت21: 33). فهنا شبه الكنيسة بالكرم، والرعاة بالكرامين.
وفي العهد القديم يقول الرب: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ غَنُّوا لِلْكَرْمَةِ الْمُشَتَهَاةِ: أَنَا الرَّبُّ حَارِسُهَا. أَسْقِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ" (إش27: 2، 3). وقال معاتبًا شعبه: "وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ... احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟ لِمَاذَا إِذِ انْتَظَرْتُ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا، صَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا؟" (إش5: 3، 4). انظر أيضًا في نفس المعنى للكرم (يوء1: 7).
4- وقد شبهت المرأة المُنجبة بالكرمة.
كقوله في المزمور: "امْرَأَتُكَ مِثْلُ كَرْمَةٍ مُثْمِرَةٍ فِي جَوَانِبِ بَيْتِكَ. بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ" (مز128: 3).
5- انظر أيضًا معانيها الرمزية في سفر النشيد.
6- في ألحان الكنيسة نستخدم عبارة (الكرمة) لترمز إلى العذراء.
من حيث أنها تحمل عنقود الحياة، أي المسيح.
37- نبي
37- نبي
كلمة (نبي) لها في الكتاب المقدس ثلاثة معانٍ هي:
1- المعنى المشهور هو النبي الذي ينبئ عما يحدث في المستقبل.
ويتم ذلك فعلًا مثل نبوءة إشعياء النبي عن ولادة السيد المسيح من عذراء (إش7: 14)، وعن آلامه (إش53). وما ذكره داود النبي في هذا الشأن (مز22: 16- 18). وقد حدث كل هذا.
أو قد تكون نبوءة تحدث في المستقبل البعيد، كنبوءات دانيال عن أواخر الأيام (دا8: 17، 26).
2- المعنى الثاني للنبي هو الشخص الذي يأتي برسالة من الله.
يبلغها إلى الناس، حتى لو لم يكن فيها شيء عن المستقبل. كمجرد دعوة إلى التوبة مثلًا كما فعل يوحنا المعمدان.
3- المعنى الثالث هو من ينبئ بشيء أي يعلم.
وبهذا المعنى وردت كلمة (يتنبأ) أكثر من مرة في (1كو14) في هذا الأصحاح الخاص بالألسنة، حيث قال الرسول: "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ، فَيُكَلِّمُ النَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ" "وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَةَ" (1كو14: 3، 4).
ملاحظة:
استخدمت كلمة (نبي) أيضًا عن الأنبياء الكذبة:
وذلك باستخدام اللقب الشائع به بين الأمم، كما استخدم أيضًا لقب إله، وآلهة. وقيل في المزمور: "لأنَّ كلَّ آلِهَةِ الأممِ شَياطينُ" (مز96: 5). وقال: "الرَّبَّ إِلهٌ عَظِيمٌ، مَلِكٌ كَبِيرٌ عَلَى كُلِّ الآلِهَةِ" (مز95: 3).
ومما ورد في استخدام كلمة نبي عن الأنبياء الكذبة:
قيل في سفر التثنية: "إِذَا قَامَ فِي وَسَطِكَ نَبِيٌّ أَوْ حَالِمٌ حُلْمًا، وَأَعْطَاكَ آيَةً أَوْ أُعْجُوبَةً، وَلَوْ حَدَثَتِ الآيَةُ أَوِ الأُعْجُوبَةُ الَّتِي كَلَّمَكَ عَنْهَا قَائِلاً: لِنَذْهَبْ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا وَنَعْبُدْهَا، فَلاَ تَسْمَعْ لِكَلاَمِ ذلِكَ النَّبِيِّ أَوِ الْحَالِمِ ذلِكَ الْحُلْمَ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ يَمْتَحِنُكُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ هَلْ تُحِبُّونَ الرَّبَّ إِلهَكُمْ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ..." (تث13: 1- 3).
نلاحظ هنا أنه كرر كلمة (نبي). ولم يقل (نبي كاذب). ولكن في سياق الحديث يعطي المعنى أنه نبي كاذب...
38- جيل Generation
38- جيل Generation
1- إنها قد تعني جيلًا من جهة النسل (من الجينات).
كما قيل في نهاية قصة أيوب الصديق: "وَعَاشَ أَيُّوبُ بَعْدَ هذَا مِئَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَأَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْيَال" (أي42: 16). وكما قيل في أنساب السيد المسيح "جَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً" (مت1: 17).
2- كلمة (جيل) بمعنى عصر أو زمن معين. كما قال الرب: "رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا!" (مت12: 41). انظر أيضًا (مت12: 39).
وكلمة جيل قد تعني قرنًا من الزمان. كما قيل: "لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَال قَدِيمَةٍ، لَهُ... مَنْ يَكْرِزُ بِهِ.." (أع15: 21).
39- إلى الأبد
39- إلى الأبد
1- أول معنى لعبارة (إلى الأبد) هو ما لا نهاية.
وتستعمل بالذات فيما يختص بالله، وصفاته وأحكامه ووصاياه...
كقولنا في الصلاة الربانية: "لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (مت6: 13). وقولنا عنه في المزمور: "لاَ يُحَاكِمُ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَحْقِدُ إِلَى الدَّهْرِ" (مز103: 9). أو "يَا رَبُّ، رَحْمَتُكَ إِلَى الأَبَدِ" (مز138: 8). وأيضًا "كُلُّ وَصَايَاهُ أَمِينَةٌ. ثَابِتَةٌ مَدَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ" (مز111: 7، 8). وما قيل في سفر إشعياء: "أَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ" (إش40: 8). ومقتبسة في (1بط1: 25).
وتستخدم بنفس المعنى (إلى ما لا نهاية) في التسبيح والصلوات.
كقولنا في المزمور: "لِيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا مِنَ الآنَ وَإِلَى الأَبَدِ" (مز113: 2). وأيضًا "أُبَارِكُ اسْمَكَ إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ" (مز145: 1). ومثلها ما ورد في سفر الأيام "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ" (1أي16: 36). كذلك تسبحة القوات السمائية التي ذكرت في سفر الرؤيا: "لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ5: 13).
واستعملت عبارة (إلى الأبد) بنفس المعنى عن السيد المسيح.
كما ورد في المزمور "أنْتَ هُوَ الكاهِنُ إلَى الأبدِ عَلَي طَقْسِ مَلْكي صادَق" (مز110: 4). وفي الرسالة إلى العبرانيين: "يَسُوعُ الْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ" (عب13: 8). وأيضًا قول الرسول عنه: "وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ" (عب10: 12). وقال عن اليهود في الرسالة إلى رومية: "وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (رو9: 5).
واستخدمت عبارة (إلى الأبد) بمعنى ما لا نهاية في ذكر مجازاة الأبرار والأشرار.
كما ورد في قول الرب للمرأة السامرية: "لكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو4: 14). ويمكن أن نتتبع عبارة (حياة أبدية) في الكتاب المقدس بهذا المعنى.
أما عن الأشرار فيقول لهم الرب: "اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ" (مت25: 41). "فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (مت25: 46). وقيل في سفر الرؤيا عن عقوبة إبليس ومعاونيه: "وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ20: 10).
المعنى الثاني:
المعنى الثاني لعبارة (إلى الأبد) تعني فترة طويلة ولكنها محددة، أو تعني طول العمر، أو طول الأيام، أو كل الجيل، أو بعض أجيال، كما سنرى...
ولهذه النقطة أمثلة عديدة في الكتاب المقدس، نذكر منها:
- العبد الذي يريد في العام السابع، أن يبقى مع سيده.
كانت الشريعة تقتضي بأن يخدم العبد سيده ستة أعوام، وفي العام السابع يطلقه حرًا (خر21: 2). أما الاستثناء لهذه القاعدة، فهي قول الكتاب: "وَلكِنْ إِنْ قَالَ الْعَبْدُ: أُحِبُّ سَيِّدِي وَامْرَأَتِي وَأَوْلاَدِي، لاَ أَخْرُجُ حُرًّا، يُقَدِّمُهُ سَيِّدُهُ إِلَى اللهِ، وَيُقَرِّبُهُ إِلَى الْبَابِ أَوْ إِلَى الْقَائِمَةِ، وَيَثْقُبُ سَيِّدُهُ أُذْنَهُ بِالْمِثْقَبِ، فَيَخْدِمُهُ إِلَى الأَبَدِ" (خر21: 5، 6).
فعبارة أن العبد (يخدم سيده إلى الأبد) لا يمكن أن تعني أن سيخدمه على الدوام إلى الأبدية التي لا تنتهي. ففي الأبدية لا يوجد سيد من البشر وعبد من البشر يخدمه. إنما عبارة (يخدمه إلى الأبد) هنا، تعني يخدمه طول عمره. ولا تزيد على هذه الفترة المحدودة.
2- الطفل صموئيل (النبي) وإقامته في شيلوه.
لما صلت حَنَّة أن يعطيها الرب ابنًا، نذرت قائلة إن "أَعْطَيْتَ أَمَتَكَ زَرْعَ بَشَرٍ، فَإِنِّي أُعْطِيهِ لِلرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ" (1صم1: 11). فلما استجاب الله صلاتها وحبلت وأنجبت ابنًا دعته صموئيل، لم تصعد إلى شيلوه في تلك السنة، بل قالت لرجلها: "مَتَى فُطِمَ الصَّبِيُّ آتِي بِهِ لِيَتَرَاءَى أَمَامَ الرَّبِّ وَيُقِيمَ هُنَاكَ إِلَى الأَبَدِ" (1صم1: 22). فما معنى عبارة (إلى الأبد) هنا؟
لا يمكن أن تعني أن صموئيل يقيم في شيلوه إلى ما لا نهاية، إلى الأبدية!! بل تعني أن يقيم كل حياته في خدمة الرب. بل في الواقع هو أقام هناك أيام طفولته. ولما صار نبيًا، تنقل في أماكن عديدة. فذهب مثلًا إلى بيت لحم، حيث مسح داود ملكًا (1صم16: 4). وبعد أن مسحه "قَامَ صَمُوئِيلُ وَذَهَبَ إِلَى الرَّامَةِ" (1صم16: 13). وفي موته، "دَفَنُوهُ فِي بَيْتِهِ فِي الرَّامَةِ" (1صم25: 1).
إذًا هو لم يقم في شيلوه إلى الأبد. بل تلك العبارة كانت تعني فترة خدمته مع عالي الكاهن، الفترة الأولى من نبوته، لا أكثر.
3- فترة خدمة داود مع أخيش ملك جَتَّ.
لما تعب داود جدًا من اضطهاد شاول الملك له، هرب إلى أخيش ملك جَتَّ وتظاهر بصداقته له ضد ملك بلاده شاول. وهنا يقول الكتاب: "فَصَدَّقَ أَخِيشُ دَاوُدَ قَائِلاً: «قَدْ صَارَ مَكْرُوهًا لَدَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ، فَيَكُونُ لِي عَبْدًا إِلَى الأَبَدِ" (1صم27: 12).
ولا شك أن عبارة (إلى الأبد) هنا، تعني أنه يصير عبدًا له كل أيام حياته. وحتى هذا لم يحدث. فقد مات بعد ذلك شاول، وصار داود ملكًا. وطبعًا لم يستمر عبدًا لأخيش، بل صار أقوى منه في مملكة أقوى.
إذًا عبارة (إلى الأبد) هنا لم تعني الأبدية، ولا حتى طول الحياة، بل إنها انطبقت على فترة قصيرة فقط.
4- عقوبة داود على قتل أوريا الحثي.
أتى ناثان النبي يخبر داود الملك بعقوبات الرب له، ومنها قوله: "إِيَّاهُ قَتَلْتَ بِسَيْفِ بَنِي عَمُّونَ. وَالآنَ لاَ يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الأَبَدِ" (2صم12: 9، 10).
وطبعًا ليس المقصود أن السيف لا يفارق بيت داود طوال العهد القديم وإلى الأبد، إنما المقصود: طول أيام حياة داود، أو في هذا الجيل.
5- وعد الله من جهة تثبيت مملكة سليمان.
قال الرب لداود: "أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ. هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي، وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَدِ" (2صم7: 12، 13).
وطبعًا عبارة (إلى الأبد) انطبقت على طول عمر سليمان. بل أنه في أيام شيخوخة سليمان لما حدث: "أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى..." (1مل11: 4)، عاقبه الله بقوله: "إِنِّي أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ عَنْكَ تَمْزِيقًا وَأُعْطِيهَا لِعَبْدِكَ. إِلاَّ إِنِّي لاَ أَفْعَلُ ذلِكَ فِي أَيَّامِكَ، مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ أَبِيكَ، بَلْ مِنْ يَدِ ابْنِكَ أُمَزِّقُهَا" (1مل11: 11، 12).
وحدث ذلك فعلًا في عهد ابنه رحبعام الذي ثار عليه يربعام واستولى على عشرة أسباط، وصار ملكًا منافسًا "لَمْ يَتْبَعْ بَيْتَ دَاوُدَ إِلاَّ سِبْطُ يَهُوذَا وَحْدَهُ" (1مل12: 20).
إذًا عبارة (إلى الأبد) في تثبيت المملكة (2صم7: 13) لم تكن تعني سوى طول عمر سليمان فقط، ولا تعني الأبدية.
6- عبارة (عش إلى الأبد) التي قيلت لبعض الملوك.
لما اضطرب بلشاصر ملك الكلدانيين بسبب الكتابة التي رآها على الحائط، جاءت الملكة تطمئنه وقالت له: "أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! لاَ تُفَزِّعْكَ أَفْكَارُكَ" (دا5: 10).
وأرشدته إلى دانيال ليفسر له الكتابة.
وعبارة (إلى الأبد) هنا لا تعني أنه يعيش حتى الأبدية، إذ قد قيل: "فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قُتِلَ بَيْلْشَاصَّرُ مَلِكُ الْكَلْدَانِيِّينَ، فَأَخَذَ الْمَمْلَكَةَ دَارِيُّوسُ الْمَادِيُّ" (دا5: 30، 31). إنما عبارة (عش إلى الأبد) كانت مجرد دعاء بطول العمر.
نفس العبارة (عش إلى الأبد) قيلت للملك نبوخذ نصر من الرجال الكلدانيين (دا3: 9). وقالها الوزراء للملك داريوس (دا6: 6). بل أن الملك داريوس لما ذهب إلى جب الأسود ليرى ماذا حدث لدانيال النبي وقال له: "يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، عِشْ إِلَى الأَبَدِ! إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ" (دا6: 21، 22).
وطبعًا دانيال - وهو نبي، لم يقصد أن داريوس الملك سوف يبقى إلى الحياة الأبدية، إنما هو مجرد دعاء له بطول العمر.
7- عبارة التوسل "لماذا تنسانا إلى الأبد"؟
في مراثي إرمياء يقول النبي: "لِمَاذَا تَنْسَانَا إِلَى الأَبَدِ وَتَتْرُكُنَا طُولَ الأَيَّامِ؟!" (مرا5: 20). ويقصد بها طبعًا مدة طويلة. وليس التخلي من الله حتى الأبدية. وبنفس الوضع قال المرتل في المزمور: "لِمَاذَا رَفَضْتَنَا يَا اَللهُ إِلَى الأَبَدِ؟" (مز74: 1). وطبعًا المقصود هو استغاثة لطول المدة.
X X X
نقول كل هذا لنرد على شهود يهوه (ومثلهم الأدفنتست)، للرد على المبتدعين في فهمهم الخاطئ لوعد الله لإبراهيم ونسله في قوله:
"جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ" (تك13: 15).
فيرى شهود يهوه أن النعيم الأبدي سيكون على هذه الأرض. حيث يعيش غالبية المفديين فيها، ويبنون بيوتًا ويسكنون فيها. ويغرسون كرومًا ويأكلون من ثمارها". ولهم كتاب عنوانه "يمكنك أن تعيش سعيدًا إلى الأبد في فردوس أرضي". معتمدين في ذلك على الوعد الإلهي لإبراهيم أنه يعطيه الأرض إلى الأبد!! حتى أنهم يعتقدون أن أبانا إبراهيم سوف لا يكون من القلة التي تسكن السماء والتي أسموها (القطيع الصغير).
والسبتيون يرون أن هذه الأرض ستحترق وتتطهر بنار الحريق وتصبح صالحة للسكنى، فيسكن فيها جميع المفديين طبقًا للوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم، بعبارة "إلى الأبد". ولكن عبارة (إلى الأبد) في وعد الله لإبراهيم لا تعني الأبدية. ولا حتى طول حياة نسله على الأرض، فقد حكمها الفُرس، ثم اليونان، والرومان، والعرب... إنه وعد لأجيال معينة.
كما أن وعد الله كان عن أرض "تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً" (خر3: 8). بل أيضًا قيل فيها "... أَرْضِ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَكَرْمٍ وَتِينٍ وَرُمَّانٍ. أَرْضِ زَيْتُونِ زَيْتٍ، وَعَسَلٍ" (تث8: 8).
وكل هذا يتنافى مع الوعد بأن النعيم الأبدي هو "مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9).
40- امرأة
40- امرأة
هذه الكلمة تدل على عدة معانٍ في الكتاب المقدس، منها:
1- امرأة بمعنى زوجة:
مثل قول السيد الرب: "وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي" (مت5: 31، 32).
وكذلك من قول المزمور: "اِمْرأَتُكَ تَصير مِثْلَ كَرْمةٍ مُخْصِبَةٍ في جَوانِبِ بَيْتِكَ، بَنوكَ مِثْلُ غُروسِ الزَّيْتونِ الجُددِ حَوْلَ مائِدَتكَ" (مز128: 3). وبنفس المعنى قول الكتاب: "لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ" (خر20: 17) أي زوجته. ومثلها توبيخ القديس بولس الرسول لأهل كورنثوس بقوله: "... زِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى بَيْنَ الأُمَمِ، حَتَّى أَنْ تَكُونَ لِلإِنْسَانِ امْرَأَةُ أَبِيهِ" (1كو5: 1). وكذلك أيضًا: "وَاتَّخَذَ لاَمَكُ لِنَفْسِهِ امْرَأَتَيْنِ... وَقَالَ لاَمَكُ لامْرَأَتَيْهِ..." (تك4: 19، 23). وقيل عن ألقانة أبي صموئيل النبي أنه كانت "لَهُ امْرَأَتَانِ، اسْمُ الْوَاحِدَةِ حَنَّةُ، وَاسْمُ الأُخْرَى فَنِنَّةُ. وَكَانَ لِفَنِنَّةَ أَوْلاَدٌ، وَأَمَّا حَنَّةُ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَوْلاَدٌ" (1صم1: 2).
2- امرأة بمعنى خطيبة:
المعروف في قصة يعقوب أبي الآباء أنه خطب راحيل من أبيها لابان بأجرته، بأن يشتغل عنده سبع سنوات (تك29: 18- 20). فلما كَمُلت السبع سنوات قال له: "أَعْطِنِي امْرَأَتِي لأَنَّ أَيَّامِي قَدْ كَمُلَتْ، فَأَدْخُلَ عَلَيْهَا" (تك29: 21). وهكذا قال عنها إنها امرأته، وهي خطيبته، قبل أن يدخل عليها وتصير زوجته.
وبنفس المعنى قيل عن السيدة العذراء خطيبة يوسف النجار أنها امرأته. فقال له الملاك: "لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت1: 20).
3- كلمة امرأة بمعنى أنثى:
فأمنا حواء سُميت امرأة من حيث طريقة خَلقها. سماها آدم امرأة، "لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ" (تك2: 23)، قبل الخطيئة، وهي عذراء قبل أن يعرفها وتصير له زوجة وأُمًّا لأولاده. كلمة امرأة هنا تقابل كلمة رجل، من جهة الجنس. وليس من جهة الزواج.
بعض الرموز في الكتاب المقدس
الرموز في الكتاب المقدس
الكتاب المقدس مملوء بالرموز. لا بد أن تفهمها، لكي تستطيع أن تفهمه.
بل هناك أسفار بأسرها، غالبيتها لا تُفهم إلا بمعرفة رموزها. وحينئذ يرفع النقاب عنها، فتتضح صورتها وتدرك معانيها.
هل تستطيع أن تفهم سفر نشيد الأناشيد، بدون المعنى الرمزي لكل تعبيراته؟!
وهل تستطيع أن تفهم سفر الرؤيا. بدون أن تفهم ما فيه من رموز تتعدد أنواعها بشكل واسع؟!
وهل تستطيع أن تفهم الرؤى والنبوءات التي وردت في سفر دانيال النبي، أو في سفر حزقيال، أو في سفر زكريا. أو في سفر هوشع، أنبياء الله، أو غيرهم إن لم تفهم رموز تلك الرؤى وتلك النبوءات، التي استحقت بعضها أن يرسل الله جبرائيل رئيس الملائكة ليشرحها (دا8: 15، 16).
وهل تستطيع أن تفهم سفر اللاويين، وكل ما فيه من ذبائح ومحرقات، ومن نجاسات وتطهير، ومن طقوس وأعياد، بدون معرفة الرموز التي تحققت في العهد الجديد؟!
وهل تستطيع أن تفهم الأحلام التي فُسرَت كنبوءات تمّ حدوثها، بدون المعنى الرمزي لكل ما ورد في تلك الأحلام؟!
ونذكر من بين ذلك: الأحلام التي رآها يوسف الصديق وتحققت (تك37)، وكل ما فيها كان رمزًا. وبالمثل الأحلام التي فسرها يوسف الصديق لرئيس الخبازين ورئيس السقاة، ولفرعون نفسه (تك40، 41). وكذلك الحلم الذي فسره دانيال النبي لنبوخذ نصر الملك (دا2). وكل من تلك الأحلام كان يحوي رموزًا وتحققت.
في الكتاب توجد رموز إلى السيد المسيح، ورموز إلى القديسة العذراء مريم، ورموز إلى الكنيسة.
تابوت العهد كان رمزًا للعذراء. وكانت شورية (مبخرة) هارون، وعصا هارون التي أفرخت، والباب الذي رآه حزقيال في المشرق (حز44: 1، 2)، وأحيانًا كانت ترمز إليها عذراء النشيد. وكذلك رمزت إليها العليقة المشتعلة بالنار التي رآها موسى النبي (خر3: 2). وما أكثر الرموز الأخرى التي يمكن أن نذكرها في حينها، حينما يتطرق البحث إليها... وكذلك كنيسة العهد الجديد... كانت ترمز إليها الكرمة، والزيتونة، وفلك نوح، وحظيرة الخراف (يو10). والكنيسة كمبنى كانت ترمز إليها خيمة الاجتماع.
والسيد المسيح، كم كان أكثر الرموز إليه. حتى في حياة أشخاص، مثل يوسف الصديق حينما باعه إخوته، وأخذوا الفضة ثمنًا له (تك37: 28). ومثل الأمر الذي صدر لأبينا إبراهيم أن يقدم ابنه الوحيد محرقة (تك22: 2). كذلك كان هابيل الصديق رمزًا إليه، وكان داود النبي رمزًا آخر. وكذلك أيوب الصديق في تجاربه وآلامه، وكذلك ملكي صادق (تك14).
بل كان يرمز له الراعي والملك والصخرة (1كو10: 4)، وكان يرمز إليه خروف الفصح (خر12)، وكل ذبائح ومحرقات العهد القديم، وأيضًا تقدمة الدقيق (لا2).
أمور أخرى عديدة في العهد القديم كانت رموزًا، لها معناها في العهد الجديد.
مثال ذلك الأعياد التي وردت في سفر اللاويين (لا23). وأيضًا الختان (تك17) الذي كان يرمز إلى المعمودية في العهد الجديد (كو2: 11، 12).
السلم الذي رآه أبونا يعقوب (تك28) كان أيضًا رمزًا. والحية النحاسية التي رفعها موسى النبي في البرية كانت رمزًا. (عد21: 8، 9) (يو3: 14). ومدن الملجأ (عد35: 6) كانت رمزًا. وكذلك الحبل القرمزي الذي استخدمته راحاب (يش2: 18).
هناك أحداث هامة أيضًا كانت رموزًا.
عبور البحر الأحمر له معناه الرمزي في النجاة من عبودية فرعون. لذلك نتغنى به في تسبحة نصف الليل في الهوس الأول...
عبور البحر الأحمر أيضًا يرمز كذلك إلى المعمودية، كما شرح القديس بولس الرسول (1كو10: 1، 2).
سبي بابل يرمز أيضًا إلى السبي الروحي. لذلك نرتل المزمور "عَلَى أنْهارِ بابِلَ هُناكَ جَلَسْنا، بَكَيْنا عِنْدَما تَذَكّرْنا صِهْيونَ" (مز137: 1). ويختفي تمامًا المعنى الحرفي لكلمة بابل ولكلمة صهيون ويبقى المعنى الرمزي لهما: بابل رمز للسبي الروحي. وصهيون بمعنى مدينة الله ومركز العبادة الحقيقية. كنعان أيضًا كانت رمزًا، وسقوط أسوار أريحا أيضًا له معنى رمزي روحي (يش6: 20).
زواج موسى النبي بالمرأة الكوشية (عد12: 1). كان يحمل رمزًا لقبول الأمم. ولذلك وبخ الرب هارون ومريم لانتقادهما ذلك الزواج، لأنه من عند الرب، وعُوقبت مريم عقوبة شديدة.
ونفس الوضع كان في علاقة ملكة سبأ الأممية مع سليمان الحكيم. ولذلك تعمق أوريجانوس في ذلك، وفي قول الكتاب عن زيارة ملكة سبأ لسليمان:
"فَلَمَّا رَأَتْ مَلِكَةُ سَبَا كُلَّ حِكْمَةِ سُلَيْمَانَ، وَالْبَيْتَ الَّذِي بَنَاهُ، وَطَعَامَ مَائِدَتِهِ، وَمَجْلِسَ عَبِيدِهِ، وَمَوْقِفَ خُدَّامِهِ وَمَلاَبِسَهُمْ، وَسُقَاتَهُ، وَمُحْرَقَاتِهِ... لَمْ يَبْقَ فِيهَا رُوحٌ بَعْدُ" (1مل10: 4، 5). قال إن سليمان يرمز إلى السيد المسيح من حيث اسمه المشتق من السلام (إش9: 6)، ومن حيث أنه ملك وابن داود يجلس على كرسيه (لو1: 32) ومن حيث حكمته، لأن الابن هو أقنوم الحكمة (1كو1: 24).
والبيت الذي بناه يرمز إلى الكنيسة التي بناها وأسسها السيد المسيح، وطعام مائدته يرمز إلى سر الإفخارستيا (مت26: 26- 28). وعبيده وخدامه يرمزون إلى الكهنة والشمامسة، بملابس الخدمة التي يخدمون بها الهيكل، والمحرقات ترمز إلى الذبيحة المقدسة.
وكما كان زواج موسى وسليمان رمزًا، كذلك كان زواج هوشع (هو1: 2- 9). نحن إذًا أمام رموز مفصلة تفصيلًا...
في الطبيعة أيضًا أمور عديدة يمكن أن تؤخذ بالمعنى الرمزي.
ما ترمز إليه الجبال والتلال والمرتفعات، وما ترمز إليه الأشجار: الكرمة، والزيتونة، والنخلة، والأرز.
وما ترمز إليه البحار والأنهار. وما يرمز إليه النور والظلمة... وكذلك الشمس والقمر والكواكب والنجوم.
بل ما ترمز إليه الحيوانات أيضًا، كالحية والتنين والخنزير، والثعالب الصغيرة المفسدة للكروم (نش2: 15). وما ترمز إليه الحمامة الحسنة، بل حتى النملة والنخلة، وزنابق الحقل وطيور السماء...
هناك أيضًا الأرقام ورموزها في الكتاب المقدس...
وستجد في هذا الكتاب عددًا من المقالات عن رموز الأرقام في الكتاب، لكي ندرك معنى كل رقم، وما تختفي وراءه من معانٍ... وتأملات القديسين في هذه الأرقام.
أيضًا رموز الماء في الكتاب، ورموز الزيت، والنار...
كل منها له مقال خاص، لندرك معانيها، وما ورد عنها من آيات، وكيف أمكن استخدامها أيضًا في طقوس الكنيسة، وفي أسرارها المقدسة...
بل حتى حبة الحنطة لها معناها في الكتاب، وكذلك الدقيق... وأيضًا المعنى الرمزي للخميرة وللفطير... حيث أن الخمير يرمز إلى الشر... والفطير يرمز إلى النقاوة (1كو5: 7).
وبهذا نفهم ما قاله السيد المسيح: "تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ" (لو12: 1) ونفهم ما معنى عيد الفطير، وكيف كانوا يعيدونه سبعة أيام بعد الفصح، وكيف كان الفصح يؤكل مع فطير (خر12: 8، 15)؟ ونفهم أيضًا لماذا نصنع خميرًا مع القربان الذي نقدمه في صلاة القداس الإلهي...
المَنَّ أيضًا كان رمزًا (يو6: 48- 50).
وكذلك شجرة الحياة التي وردت في سفر الرؤيا (رؤ22: 3). وبالمثل شجرة التين كانت أيضًا رمزًا (مت21: 19 من 24- 32).
ما أكثر الرموز التي كانت ترمز أيضًا للروح القدس: هل نتكلم عن النار؟ أم عن الحمامة؟ أم عن الريح (يو3: 8)؟ أم عن أنهار الماء الحي (يو7: 38، 39)؟ أم نتحدث عن الزيت. وما تتبعه من مسحة مقدسة (1يو2: 20، 27) (إش61: 1).
كلها موضوعات تحتاج إلى شيء من التأمل...
بسبب ذلك تكونت في تاريخ الدراسات اللاهوتية والكتابية مدرسة التفسير الرمزي وهي تختلف في أسلوبها ومفاهيمها عن مدرسة التفسير الحرفي.
اعتبرت هذه المدرسة أن المعنى الحرفي هو النشرة الخارجية لأقوال الكتاب. أما المعنى الرمزي فهو اللب والثمر.
ومن أشهر علماء مدرسة التفسير الرمزي العلامة أوريجانوس أستاذ مدرسة الإسكندرية اللاهوتي.
وأيضًا القديس ديديموس الضرير مدير مدرسة الإسكندرية في عهد القديس أثناسيوس الرسولي.
ونبغ في التفسير الرمزي أيضًا القديس أغسطينوس أسقف هبو. وظهر ذلك في كتبه وفي تأملاته.
ولقد غالى أوريجانوس في التفسير الرمزي إلى حد أخرجه عن المعقول..
ووقع بذلك في أخطاء كثيرة تؤخذ عليه. مثال ذلك تفسيره لشجرة معرفة الخير والشر التي كانت توجد في وسط جنة عدن (تك2: 9) (تك3: 3). وتدرج في تفسيره إلى اعتبار أن خطية آدم وحواء كانت خطية زنى!! وللأسف تبعه في هذا التفسير بعض من المعجبين به ونشروا خطأه وخطأهم في أذهان الناس!!
السيد المسيح نفسه استخدم أسلوب الرمز...
مثل قوله: "تَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ" (مت16: 6). وقوله: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟" (لو12: 49) ولم يكن يقصد النار بمعناها الحرفي طبعًا...
ومثل قوله: "مَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا" (لو22: 36). ولم يكن يقصد بالسيف المعنى الحرفي، بل بمعناه الرمزي أو الروحي.
وبنفس الأسلوب قال لسمعانٍ بطرس وأندراوس أخيه: "هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ" (مت4: 19) وطبعًا كان يقصد بالصيد المعنى الرمزي.
وكذلك بالأسلوب الرمزي قال: "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى، أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ الْعَرِيسِ" (مت25: 1).
وكل هذا المثل رمز، حتى المصابيح أيضًا والزيت والباعة... والعرس... وبالمثل أيضًا قوله: "زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا! نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا!" (مت11: 17). والأمثلة كثيرة جدًا...
لهذا كان يحتاج أحيانًا أن يشرح لسامعيه لكي يفهموا ما يقوله بهذه الرموز. كان يفتح أذهانهم، كما شرح لهم مثل الحنطة والزوان (مت13) وكان يرفع البرقع الموضوع على قلوبهم لكي يفهموا (2كو3: 15).
ليتنا إذًا تكون لنا فرصة للتأمل في رموز الكتاب، وما تحويه من معانٍ عميقة، حتى يمكننا أن نقرأه بفهم، وفي خلال ذلك يرفع كل منا صلاة إلى الرب قائلًا مع المرتل في المزمور: "اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ" (مز119: 18).
الماء ورموزه في الكتاب
الماء ورموزه في الكتاب
رموز المَـاء
في يوم عيد الغطاس، وفي كل يوم للمعمودية عمومًا، حينما نذكر أن السيد المسيح غطس في الماء، وأن المؤمنين يغطسون في الماء في معموديتهم، ولذلك يسمى عيد الغطاس... وفي كل ذلك نسأل عن الماء:
لماذا الماء بالذات؟ وما هي رموز الماء في الكتاب المقدس؟ ولماذا تكون المعمودية معمودية الماء، والروح؟ وما العلاقة بين الماء والروح.
الماء يرمز إلى الروح القدس وإلى عمل الروح القدس.
ويرمز إلى الله نفسه، ويرمز إلى الحياة، ويرمز إلى النقاوة والتطهير.
يرمز إلىَ الرُوح القدس
رمز الماء إلى الروح القدس، واضح من قول الرب في الإنجيل المقدس: "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ" (يو7: 38، 39).
إن الله قد شبه نفسه بالماء، بقوله: "تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر2: 13).
وهكذا أصبح الأشخاص الممتلئين بالروح، يشبهون بالأنهار. وهكذا قيل عن الكنيسة المقدسة في المزمور "هُوَ عَلى البِحار أسَّسَها، وعَلَى الأنْهار هَيَّأها" (مز24: 2). وأصبح الإنسان الروحي، الذي يحيا مرتويًا من الروح القدس يشبه "الشَجَرَةٍ المَغْرُوسَةٍ عَلَى مَجَارِيْ الْمِيَاهِ" (مز1: 3). إنها تحيا بهذا الماء، وبه تنمو، وبدونه تموت...
لأجل هذا ارتبط الماء بالحياة، ولُقب في الكتاب المقدس بالماء الحيِّ، كما ورد في سفر الرؤيا (22: 1).
ارتباط الماء بالحياة
يرتبط الماء بالحياة، سواء الحياة الأرضية أو الحياة الروحية أيضًا.
الحياة الجسدية ترتبط بالماء، سواء كانت حياة إنسان أو حيوان أو نبات، وقد قيل في قصة الخليقة في سفر التكوين أن الله أخرج من الماء ذوات الأنفس الحية (تك1: 20، 21).
والحياة الروحية ترتبط أيضًا بالماء: إذ أن السيد المسيح يدعونا إلى مائه ويقول: "إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ" (يو7: 37). وقد دعا المرأة السامرية إلى مائه الحي، وقال لها: "مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو4: 14).
داود النبي يسميه في مزمور الراعي "مَاءِ الرّاحةِ".
فيقول عن علاقته بالله الراعي: "إلَى مَاءِ الرّاحةِ يورِدُني" (مز23: 2)، أي إلى الماء الحي، ماء الروح القدس وما نتيجة هذا؟ يقول: "يَردُّ نَفْسي. يَهْديني إلَى سُبُل البرِّ". هذا بلا شك هو عمل الروح القدس في الإنسان: يقوده في الحياة الروحية وفي التوبة وأيضًا يعطيه الفرح، كما يقول في مزمور آخر "مَجاري الأنْهارِ تُفَرِّحُ مَدينَةَ اللَّهِ" (مز45: 4).
إنه الفرح بالخلاص، أو كما يسميها المرتل " بَهْجَةَ خَلاَصِكَ " (مز51: 12).
علاقة الماء بالغسل والتطهير
هذا الأمر واضح في غسل أرجل التلاميذ، وقول الرب لهم بعدها: "ها أَنْتُمْ طَاهِرُونَ..." (يو13: 10).
لقد غسل أرجلهم، قبل منحهم سر الإفخارستيا المقدس، إشارة إلى وجوب الطهارة قبل تناول الأسرار المقدسة. هذه الطهارة التي تذكرنا بأن الأب الكاهن قبل أن يبدأ القداس، يغسل يديه بالماء ثلاث مرات، ويقول أثناءها:
"أغْسلُ يَدي بالنَّقاوةِ، وأَطوف بِمذْبَحكَ يا رَبُّ" (مز26: 6).
لا يقول "أغسل يدي بالماء"، إنما "أغسل يدي بالنقاوة". لأن الماء هنا يرمز إلى النقاوة، كما ترمز إليها الملابس البيضاء التي يلبسها الكاهن وقت الخدمة. وكما كان يغتسل هارون رئيس الكهنة وبنوه، قبل تقدمهم إلى المذبح (خر30: 18- 21).
وعلاقة الماء بالطهارة والتطهير تظهر واضحة في قصة نعمان السرياني: كان هذا الرجل أبرص. والبرص كان نجاسة، وكان يرمز إلى الخطية ويحتاج إلى تطهير. فكيف تم تطهير نعمان من برصه؟ لقد أمره أليشع النبي أن يغطس في نهر الأردن ليبرأ (2مل5: 10).
ونهر الأردن يذكرنا بمعمودية يوحنا حيث كان اليهود يأتون إليه، ويغطسون في الأردن، "مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ"، وينالون مغفرة خطاياهم، فيطهرون روحيًا (مت3: 6).
نخرج من هذا بأن ماء الطهارة أيضًا له رمز إلى المعمودية.
والماء هنا له علاقة بالطهارة وبالشفاء. والخطية مرض. الطهارة منها شفاء.
في قصة إبراء مريض بيت حسدا نجد أن الشفاء أيضًا مرتبط بالماء. وما أجمل قول الكتاب في تلك القصة أن: "مَلاَكًا كَانَ يَنْزِلُ أَحْيَانًا فِي الْبِرْكَةِ وَيُحَرِّكُ الْمَاءَ" (يو5: 4). ويتم الشفاء لمن ينزل إلى البركة بعد تحريك الملاك للماء.
فالملاك إذًا، كان بتحريكه للماء، يعطي الماء فاعلية وقوة.
يذكرني هذا بالأب الكاهن، عندما يمسك صليبه، يحرك به الماء في جرن المعمودية، أو في اللقان، وهو يرشم هذا الماء، ويتلو عليه صلوات فيعطيه قوة وفاعلية، بعمل الروح القدس.
أتذكر أيضًا بركة سلوام... التي أرسل إليها السيد المسيح رجلًا مولودًا أعمى، لكي يغتسل من مائها، فيبرأ من العمى، ويستنير (يو9: 7).
والمعمودية أيضًا تسمى استنارة.
يمكن أن نضم الدموع أيضًا إلى موضوع الماء والغسل والتطهير.
فالدموع ماء، يحدث بها تطهير للنفس، وشفاء للروح، كما حدث في ماء بركة سلوام، وبركة بيت حسدا.
في قصة المرأة الخاطئة التي علمت أن السيد المسيح متكئ في بيت سمعان الفريسي، فأخذت قارورة طيب كثير الثمن، ووقفت عند قدمي المسيح باكية. وكانت تبلل قدميه بدموعها وتدهنهما بالطيب (لو7: 38).
صدقوني لست أعلم أيهما كان أطيب رائحة: الطيب أم دموع هذه التائبة؟ بلا شك، كانت الدموع صاحبة الفاعلية.
كانت دموع هذه المرأة طيبًا من نوع غالي الثمن جدًا. والسيد الرب طوب هذا الطيب الجديد الذي تبللت به قدماه.
إذًا الماء مرتبط بالتطهير. حتى ماء العيون، حينما يحركه ملاك ترسله النعمة.
ورمز الماء إلى الطهارة، كان معروفًا حتى بين الأمم...
فبيلاطس البنطي، لكي يريح نفسه الآثمة من تعب ضميره، غسل يديه بالماء وهو يقول: "إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ!" (مت27: 24). طبعًا هو لم يكن بريئًا. ولكننا هنا نذكر مجرد إيمانه برمز غسيل الماء إلى الطهارة...
هنا ونود أن نطرح تأملًا بسيطًا خاصًا بماء الطوفان:
لا نفكر فقط أن مياه الطوفان كانت فقط عقوبة من الله. ولكن هل يقف الأمر عند مجرد العقوبة؟ أم كانت هذه المياه أيضًا تطهيرًا للأرض من الخطية والخطاة، تطهيرًا للأرض من الفساد الذي نجسها فغسلها الله من خطايا الإنسان بالماء ليطهرها ويجددها لكي تحيا مرة أخرى في نقاوة...
نتذكر أيضًا في موضوع التطهير قول المرتل في المزمور: "تَنضَحُ عَليَّ بِزُوفَاكَ فأطَّهَّر" (مز51: 7). وماذا أيضًا؟ إنه يقول:
"تَغْسلُنِي فَأبْيضُّ أكْثَر مِنَ الثَّلجِ" والغسيل في المسيحية يتم بطريقتين هما: المعمودية والتوبة...
ونرى أن الخاطئة (مملكة يهوذا)، التي وردت قصة تطهيرها في الأصحاح 16 من سفر حزقيال النبي قال لها الرب: "وَرَأَيْتُكِ مَدُوسَةً بِدَمِكِ.. فَحَمَّمْتُكِ بِالْمَاءِ... وَمَسَحْتُكِ بِالزَّيْتِ". والماء هنا يرمز إلى ماء المعمودية الذي به يُطَهر الإنسان من كل خطاياه السابقة: الجدية والفعلية. والزيت يرمز إلى زيت الميرون، الذي يعطى به الروح القدس. ولكن بعد الماء. يجرنا هذا إلى نقطة أخرى وهي:
عَلاقة المَاء بالمعمودية
في المعمودية يولد الإنسان من الماء والروح، حسبما قال الرب لنيقوديموس: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (يو3: 5).
ونلاحظ هنا أنه لم يقل "من الماء فقط"، وإنما "من الماء والروح" لذلك قال أيضًا: "يُولَدُ مِنْ فَوْقُ" (يو3: 3).
هذا هو الميلاد الثاني، الذي يولده الإنسان المسيحي في المعمودية، فيصير ابنًا للكنيسة وابنًا لله. وعنه قال القديس بولس: "لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي..." (تي3: 5).
فالمعمودية هي عملية غسل للإنسان ليس لجسده، وإنما لروحه، من جميع الخطايا السابقة للمعمودية، ومنها الخطية الجدية الأصلية.
عن هذا الغسل، قال القديس حنانيا الدمشقي لشاول الطرسوسي بعد اهتدائه: "أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ... لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع22: 13، 16).
إذًا شاول الطرسوسي، على الرغم من لقائه مع السيد المسيح، وعلى الرغم من أعماله واختياره للكرازة لم يكن قد اغتسل من خطاياه بعد، وكان محتاجًا إلى هذه المعمودية لكي يغتسل من خطاياه.
لذلك كانت المعمودية لازمة للخلاص. ويشبهها القديس بطرس الرسول بالخلاص في الفلك فيقول: "حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ..." (1بط3: 20، 21).
ولعل البعض يعترض بأننا قد غُسلنا من خطايانا بدم المسيح.
وذاك حسب قول الكتاب في سفر الرؤيا: "الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ" (رؤ1: 5). ونحن لا ننكر أننا قد اغتسلنا من خطايانا بدم المسيح، ولكن الوسيلة لذلك كانت هي المعمودية، التي فيها يموت إنساننا العتيق، ويقوم المعمد مع الرب في جدَّةِ الحياة (رو6: 4، 6).
إننا في المعمودية نغتسل من خطايانا بدم المسيح. وفي التوبة أيضًا نغتسل بدمه...
الدم إذًا هو الأساس، أما المعمودية والتوبة، فهما الوسيلتان عينهما الرب لننال بهما استحقاق الدم. وليست المعمودية هي لغسل الجسد فقط ولا تأثير لها على الروح!!
فهذا يرد عليه القديس بطرس الرسول في مثال الفلك حيث يقول: "الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ" (1بط3: 21).
وإن كانت المعمودية لغسل الجسد ما كان السيد المسيح يجعلها سببًا للخلاص بقوله: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16).
وما كان بطرس الرسول يطلب من اليهود أن يعتمدوا لمغفرة الخطايا، قائلًا لهم: "وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا..." (أع2: 38).
إن مجرد غسل جسد الإنسان، لا يخلص نفسه، ولا يكون سببًا لمغفرة خطاياه، فليس هذا هو تعليم السيد المسيح ورسله.
في المعمودية يتطهر الإنسان من خطاياه. لذلك يقول الرسول عن علاقة المسيح بالكنيسة: "مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ" (أف5: 26).
فالكلمة - أي الكرازة - تقود إلى الإيمان. والإيمان يقود إلى المعمودية أي غسل الماء، والمعمودية تطهر المعمد.
لهذا كانت الكنيسة منذ البدء، تحرص على عماد المؤمنين، هم وكل أهلهم...
فما أن آمن اليهود في يوم الخمسين حتى عمدوهم في نفس اليوم، على الرغم من كثرة العدد "ثَلاَثَةِ آلاَفِ" (أع2: 41).
ونفس الوضع بالنسبة إلى الخصي الحبشي (أع8). وكرنيليوس (أع10)، وسجان فيلبي (أع16)، وهكذا يقول بطرس الرسول عن كرنيليوس الأممي والذين معه... "أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حَتَّى لاَ يَعْتَمِدَ هؤُلاَءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضًا؟" (أع10: 47). وأمر أن يعتمدوا باسم الرب.
وفي قصة إيمان ليديا بائعة الأرجوان، يقول الكتاب: "اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا" (أع16: 15). وكذلك سجان فيلبي: "اعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ" (أع16: 33). ومن غير المعقول أنه لم يكن هناك أطفال في كل أهل هاتين العائلتين.
لهذا كانت الكنيسة منذ العصر الرسولي تعمد الأطفال...
ولا توجد في الكتاب المقدس آية واحدة تمنع في صراحة عماد الأطفال.
الإيمان السابق للمعمودية، كان لازمًا للكبار أما الصغار فلم تكن لديهم أية عوائق للإيمان. وكانوا يعمدون على إيمان والديهم. وسأشرح هذا الأمر للقارئ العزيز في كتاب عن المعمودية.
في العهد القديم كان الطفل يختتن في اليوم الثامن، ويدخل في عداد شعب الله، دون أن يدري شيئًا عن الختان وعهد الله مع إبراهيم (تك17: 9- 14).
إنما كان يختتن الطفل على إيمان والديه. وكان الختان يرمز إلى المعمودية (كو2: 11، 12). وهناك أمثلة عديدة أخرى في الكتاب ليس مجالها الآن.
فلننتقل إلى نقطة أخرى وهي:
المـَـاء والــدَم
عندما طُعن السيد المسيج خرج من جنبه دم وماء (يو19: 34). ولست أريد اليوم أن أدخل في عظمة هذه المعجزة ودلالتها اللاهوتية... إنما أريد أن أعرض لتأمل بسيط خاص بموضوعنا الحاضر، وهو الماء ورموزه والمعمودية.
شهد القديس يوحنا الحبيب بمعجزة خروج الدم والماء من جنب السيد المسيح (1يو5: 6). وقال: "وَالَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي الأَرْضِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الرُّوحُ، وَالْمَاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلاَثَةُ هُمْ فِي الْوَاحِدِ" (1يو5: 8).
حقًا، ما أعجب هذه الآية في موضوع خلاصنا: فما سرها وما معناها، وبماذا يشهد هؤلاء الثلاثة: الماء، والروح، والدم؟
يمكننا أن نفهم أن الخلاص الذي قدمه المسيح على الصليب بالدم، تناله أنت بالماء والروح، في المعمودية ويشهد الثلاثة على خلاصك.
بدون الدم لا حياة ولا خلاص، لأنه "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22)، ولكن كيف تنال هذا الخلاص المقدم لك بالدم؟ ... يقول السيد المسيح: "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16). وفي المعمودية "يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ" (يو3: 5). وينال مغفرة الخطايا (أع2: 38).
والماء والدم، نراها أيضًا في سر الإفخارستيا.
حيث إن الأب الكاهن في صلاة القداس الإلهي يقول في صلوات القداس: "وكذا الكأس بعد العشاء، مزجها من خمر وماء...". وبهذا الدم الذي نتناوله ممزوجًا بالماء ننال الحياة ومغفرة الخطايا، ونرى في كل منهما علاقة بالحياة: في الدم وفي الماء...
الزيت يَـرمز إلى الروح القدس
الزيت يَـرمز إلى الروح القدس
الروح القدس ترمز إليه أشياء كثيرة.
يرمز إليه الماء كما تحدثنا في المقال السابق (يو7: 38، 39). وترمز إليه النار كما حدث في يوم الخمسين (أع2: 3) وكذلك الريح (أع2: 2). وكلمتا ريح وروح من اشتقاق واحد.
وفي العماد ظهر الروح القدس على هيئة حمامة. والروح القدس يرمز إليه الزيت. وهذا هو موضوع حديثنا في هذا المقال.
أول ما نلاحظه في الزيت هو المسحة المقدسة. التي بها يحل الروح القدس.
وكان قوام هذه المسحة من الزيت، وبخاصة زيت الزيتون، تخلط به أفخر العطور والأطياب كما قال الرب لموسى: "وَتَصْنَعُهُ دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ" (خر30: 25). أما عن استعماله فقال له الرب: "وَتَمْسَحُ بِهِ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ، وَتَابُوتَ الشَّهَادَةِ، وَالْمَائِدَةَ وَكُلَّ آنِيَتِهَا، وَالْمَنَارَةَ وَآنِيَتَهَا، وَمَذْبَحَ الْبَخُورِ، وَمَذْبَحَ الْمُحْرَقَةِ وَكُلَّ آنِيَتِهِ... وَتُقَدِّسُهَا فَتَكُونُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ. كُلُّ مَا مَسَّهَا يَكُونُ مُقَدَّسًا" (خر30: 26- 29).
وهكذا كانت تمسح به الأماكن المقدسة، والمذابح، والأواني المقدسة.
وبهذه المسحة التي يقوم بها كاهن الرب، كان روح الرب يحل عليها فتتقدس، وتصير قدسًا للرب. إنه ليس زيتًا عاديًا هذا الذي تمسح به، إنما هو المادة التي يعمل الروح القدس من خلالها.
وكرر الرب وصية المسحة هذه لموسى النبي في (خر40: 9- 11). "فَفَعَلَ مُوسَى بِحَسَبِ كُلِّ مَا أَمَرَهُ الرَّبُّ. هكَذَا فَعَلَ" (خر40: 16) وقام بعملية التدشين هذه.
ولعل أول مكان دشن بالزيت هو بيت إيل أي بيت الله... وهو أول مكان مقدس تم تدشينه في العهد القديم. إذ ورد في سفر التكوين عن هذا الأمر، لما رأى أبونا يعقوب سلمًا بين السماء والأرض.
قال أبونا يعقوب: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ. وَبَكَّرَ يَعْقُوبُ فِي الصَّبَاحِ وَأَخَذَ الْحَجَرَ الَّذِي وَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ وَأَقَامَهُ عَمُودًا، وَصَبَّ زَيْتًا عَلَى رَأْسِهِ. وَدَعَا اسْمَ ذلِكَ الْمَكَانِ بَيْتَ إِيلَ" (تك28: 17- 19)، أي بيت الله.
ويعقوب أبو الآباء كرر عملية التدشين بالزيت، لما ظهر له الرب في فدان أرام وباركه: "فَنَصَبَ يَعْقُوبُ عَمُودًا فِي الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ تَكَلَّمَ (الله) مَعَهُ، عَمُودًا مِنْ حَجَرٍ، وَسَكَبَ عَلَيْهِ سَكِيبًا، وَصَبَّ عَلَيْهِ زَيْتًا. وَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ تَكَلَّمَ اللهُ مَعَهُ بَيْتَ إِيلَ" (تك35: 14، 15).
هذا التقديس بالزيت، كان يعني تخصيصه للرب وحده.
فيصير المكان بيتًا للرب، وتصير الأواني مقدسة للرب أي مخصصة له، لا تستعمل في أي غرض آخر. بل يصير زيت المسحة أو دهن المسحة مخصصًا للرب، لا يصنع أحد مثله. وفي ذلك قال الرب عنه لموسى: "كُلُّ مَنْ رَكَّبَ مِثْلَهُ وَمَنْ جَعَلَ مِنْهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ يُقْطَعُ مِنْ شَعْبِهِ" (خر30: 33).
هذا الزيت (الدهن المقدس أو الطيب المقدس) كان يمسح به الكهنة أيضًا.
فيصيرون بهذه المسحة قدسًا للرب، مخصصين لخدمته. ومسحهم بالزيت معناه أن الروح القدس هو الذي مسحهم. كما قال السيد عن مسحته: "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي" (إش61: 1).
وقد أمر الرب نبيه موسى أن يمسح هارون وبنيه ليكهنوا له. فقال: "وَتَمْسَحُ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَتُقَدِّسُهُمْ لِيَكْهَنُوا لِي" (خر30: 30). وأيضًا "وَتُقَدِّمُ هَارُونَ وَبَنِيهِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَتَغْسِلُهُمْ بِمَاءٍ. وَتُلْبِسُ هَارُونَ الثِّيَابَ الْمُقَدَّسَةَ وَتَمْسَحُهُ وَتُقَدِّسُهُ لِيَكْهَنَ لِي. وَتُقَدِّمُ بَنِيهِ وَتُلْبِسُهُمْ أَقْمِصَةً. وَتَمْسَحُهُمْ كَمَا مَسَحْتَ أَبَاهُمْ لِيَكْهَنُوا لِي. وَيَكُونُ ذلِكَ لِتَصِيرَ لَهُمْ مَسْحَتُهُمْ كَهَنُوتًا أَبَدِيًّا فِي أَجْيَالِهِمْ" (خر40: 12- 15).
لقد اختار الله هارون وبنيه للكهنوت. ولكن كان لا بد من مسحهم الله، ليبدأوا عمل الكهنوت.
إن اختيارهم يعني الدعوة الإلهية. أما المسحة فتعني حلول الروح القدس عليهم قبل أن يبدأوا خدمة الكهنوت المقدسة. لأنهم سوف يعملون بالروح القدس الذي حلَّ عليهم.
وقد قيل عن مسحة هارون في المزمور: "هُوَذا ما أحْسَنَ وما أحْلَى أنْ يَسْكُن الأخْوَةُ مَعًا. كالطّيبِ الكائِنِ عَلَى الرَّأْسِ النَّازِلِ عَلَى اللِّحْيَةِ، لِحْيَةِ هَارُونَ النّازِلةِ عَلَي جَيْبِ قَميصِه" (مز133: 1، 2).
فعل موسى كما أمره الرب "أَخَذَ مُوسَى دُهْنَ الْمَسْحَةِ وَمَسَحَ الْمَسْكَنَ وَكُلَّ مَا فِيهِ وَقَدَّسَهُ... وَصَبَّ مِنْ دُهْنِ الْمَسْحَةِ عَلَى رَأْسِ هَارُونَ وَمَسَحَهُ لِتَقْدِيسِهِ" (لا8: 10، 12).
إنها قوة الروح القدس العاملة في الزيت، التي تقدس الأماكن، وتقدس الأشخاص.
وهذه المسحة كان يمسح بها الملوك أيضًا.
أول ملك تمت مسحته هو شاول. وقد مسحه صموئيل النبي حسب أمر الرب له (1صم9: 16). ولما مسحه حلَّ عليه روح الرب فتنبأ، حتى تعجب الناس وقالوا: "أَشَاوُلُ أَيْضًا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ؟" (1صم10: 11). وقال له صموئيل النبي: "الرَّبَّ قَدْ مَسَحَكَ عَلَى مِيرَاثِهِ رَئِيسًا" (1صم10: 1). فكانت مسحة صموئيل له هي مسحة الرب له. لأن روح الرب هو الذي مسحه من خلال الزيت.
وهكذا بالمسحة كان يحلُّ روح الرب على الممسوح.
وكما قيل عن شاول لما مُسح ملكًا أن روح الرب حلَّ عليه، هكذا قيل عن داود النبي أيضًا لما مسحه صموئيل: "وَحَلَّ رُوحُ الرَّبِّ عَلَى دَاوُدَ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا" (1صم16: 13). وبنفس الوضع قام إيليا النبي حسب أمر الرب له: "امْسَحْ حَزَائِيلَ مَلِكًا عَلَى أَرَامَ... ويَاهُوَ بْنَ نِمْشِي مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ" (1مل19: 15، 16).
كان هؤلاء الملوك يمسحون لينفذوا مشيئة الرب في ملكهم.
ولهذا كان لا بد أن يحل عليهم روح الرب ليقودهم. فإن رفضوا قيادة روح الله لهم، يرفضهم الرب، ويفارقهم روحه كما حدث لشاول الملك (1صم16: 14).
والمسحة المقدسة كان يمسح بها الأنبياء أيضًا.
وقد أمر الله إيليا النبي أن يمسح تلميذه أليشع بن شافاط نبيًا عوضًا له (1مل19: 16) لأنه ما دام الأنبياء ينطقون بكلمة الله لتوصيلها للناس، فكان لا بد أن يحل عليهم روح الله الناطق في الأنبياء (2بط1: 21).
والمسحة صارت لجميع المؤمنين: ليحل الروح القدس فيهم.
كان الروح القدس يحل في العصر الرسولي بوضع اليد. ولما كثر عدد المؤمنين جدًا، صار الروح القدس يتم بالمسحة المقدسة، حسبما قال معلمنا يوحنا الرسول (1يو2: 20، 27). وصار ذلك بداية لعمل زيت الميرون المقدس، الذي يدهن به المُعمد فيحل فيه الروح القدس، ويصير هيكلًا للروح القدس الذي يسكن فيه (1كو3: 16) (1كو6: 19) (2كو1: 21).
لعلنا في هذه النقطة نذكر أهمية الزيت في مثل العشر عذارى.
إن كان الزيت يرمز إلى عمل الروح القدس في الإنسان، به يعمل الروح القدس فيه، فمشكلة الخمس عذارى الجاهلات تكون عدم عمل الروح القدس فيهن، وأنهن لم يدخلن في شركة الروح القدس، إذ "لَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا" في آنيتهن (مت25: 3).
ولهذا كانت مصابيحهن تنطفئ.
لا شك أن هذا الإيضاح يقودنا إلى عمل آخر من أعمال الروح القدس فينا وهو:
الإنارة: لأننا نستنير بالروح القدس.
ونذكر في ذلك أهمية وجود السُّرُج في بيت الله. وكانت تنير بالزيت الذي فيها... وقد تكلم الرب عن أهميتها... فقال في ذلك لموسى النبي:
"وَأَنْتَ تَأْمُرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْكَ زَيْتَ زَيْتُونٍ مَرْضُوضٍ نَقِيًّا لِلضَّوْءِ لإِصْعَادِ السُّرُجِ دَائِمًا" (خر27: 20) (خر35: 8).
الشموع أيضًا تضيء بالزيت الذي فيها. واستخدامها يعطي معنى روحيًا أكثر من الكهرباء بلا شك... لماذا؟
عندما نضع أمام أيقونة قديس شمعة مضيئة، أو سراجًا يضيء بالزيت (قنديلًا)... فماذا يعني ذلك؟
كلاهما يضيء بالزيت الذي يرمز إلى الروح القدس... فكأننا نتذكر أن هذا القديس كان نورًا للعالم في جيله ولا يزال، إنما كان ينير بهذا الزيت، الذي هو روح الله العامل فيه... وإذا انقطع الزيت عن أحد، فلن يضيء.
وبالمثل الشمعة أمام الإنجيل.
ترينا أن الإنجيل ينير عقولنا وقلوبنا بالروح القدس الذي يعمل فينا للاستنارة.
وأيضًا ينير لنا الطريق بالروح القدس الذي أوحى إلى الرسل في كتابة الإنجيل (2تي3: 16) والذي كان يذكر الإنجيليين بكل ما قاله الرب لهم (يو14: 26).
نقطة أخرى نحب أن نضيفها وهي:
علاقة الزيت بالشفَـاء
قيل عن الرسل الاثني عشر: "فَخَرَجُوا وَصَارُوا يَكْرِزُونَ... وَأَخْرَجُوا شَيَاطِينَ كَثِيرَةً، وَدَهَنُوا بِزَيْتٍ مَرْضَى كَثِيرِينَ فَشَفَوْهُمْ" (مر6: 12، 13).
والزيت هنا يرمز إلى عمل الروح القدس في الشفاء أو الروح القدس يعمل من خلال الزيت ويشفي.
وعن سر مسحة المرضى يقول الرسول:
"أَمَرِيضٌ أَحَدٌ بَيْنَكُمْ؟ فَلْيَدْعُ شُيُوخَ (قسوس) الْكَنِيسَةِ فَيُصَلُّوا عَلَيْهِ وَيَدْهَنُوهُ بِزَيْتٍ بِاسْمِ الرَّبِّ، وَصَلاَةُ الإِيمَانِ تَشْفِي الْمَرِيضَ، وَالرَّبُّ يُقِيمُهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ خَطِيَّةً تُغْفَرُ لَهْ" (يع5: 14، 15). إن الروح القدس هو الذي يشفي المريض، ويعمل في الزيت، سواء في الشفاء، أو في مغفرة الخطايا...
وعلاقة الزيت بالشفاء توجد في مواضع أخرى في العهد القديم (إش1: 6)، وفي قصة السامري الصالح (لو10: 34).
فغير الفوائد الطبية للزيت، أتراه أيضًا رمزًا لعمل روح الله في الشفاء.
ننتقل إلى نقطة أخرى وهي مصدر الزيت المستخدم في المسحة وفي السُّرُج، أعني شجرة الزيتون.
فقد شُبهت الكنيسة بشجرة الزيتون.
لأن الإنسان ينال الروح القدس عن طريق الكنيسة مثلما ننال الزيت عن طريق شجرة الزيتون. فالقديس بولس الرسول شبه كنيسة العهد القديم الزيتونة الأصلية الطبيعية. وكنيسة العهد الجديد بزيتونة برية طعمت فيها، فصارت شريكة في أصل الزيتونة ودسمها" (رو11: 17، 24).
وزكريا النبي تحدث في نبوءته عن الزيتونتين اللتين هما "ابْنَا الزَّيْتِ الْوَاقِفَانِ عِنْدَ سَيِّدِ الأَرْضِ كُلِّهَا" (زك4: 14). هما ابنا الزيت من حيث أنهما ولدتا من الروح القدس. وفي نفس الوقت هما اللتان تمنحان الزيت للناس.
والمؤمنون هم أغصان هذه الزيتونة.
الأغصان تتغذى على عصارة الزيتونة ودسمها، والتي تقطع إن لم تسلك حسب الحق (رو11: 21، 22) وهكذا يقول المرتل في المزمور:
"بَنُوكَ مِثْلُ غُرُوسِ الزَّيْتُونِ حَوْلَ مَائِدَتِكَ" (مز128: 3). بل نقول أكثر من هذا: إن المؤمن عبارة عن زيتونة، لأنه يحمل الزيت الذي يرمز إلى الروح القدس.
وهكذا قال المرتل في المزمور: "أَمَّا أَنَا فَمِثْلُ زَيْتُونَةٍ خَضْرَاءَ فِي بَيْتِ اللهِ" (مز52: 8).. فحينما أكون زيتونة، استحق أن يدعى الله أبي، لأنني أحمل داخلي روحه القدوس، أعني الزيت الذي تحمله الزيتونة.
إن كان الأمر هكذا فما هو تأملنا إذًا في ورقة الزيتون الخضراء التي حملتها الحمامة إلى فلك نوح؟
ورقة الزيتون ترمز إلى السلام، لأن السلام هو من ثمرة الروح" (غلا5: 22).
أكانت هذه الورقة الخضراء تشير إلى انحسار ماء الطوفان إلى الأرض، أم تشير إلى سلام الله مع الناس، الذي عبر عنه قوس قزح أيضًا (تك9: 13- 15).
هنا وأنتقل إلى نقطة أخيرة:
علاقة السيد المسيح بجبل الزيتون.
كان مكانه المفضل. وكما يقول القديس يوحنا الإنجيلي: "فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ. أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ" (يو7: 53؛ 8: 1). ومن عند منحدر جبل الزيتون استقبلوه بالتسابيح والفرح كملك على أورشليم (لو19: 37، 38). وبعد أن منحهم سر الإفخارستيا، "سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ" (مر14: 26). بل إن صعوده إلى السماء أيضًا، كان من عند جبل الزيتون كذلك (أع1: 11، 12).
أتُرى كان المسيح في جبل الزيتون، يتأمل الزيتونات الخضراء التي في بيت أبيه. وما فيها من زيت الزيتون الذي يرمز إلى عمل الروح فيها، وإلى مسحتها المقدسة بهذا الزيت. والسلام التي تحصل عليه كل هذه الزيتونات من ثمر الروح.
أم كانت له تأملات أخرى غير هذه، أو بالإضافة إلى هذه؟ لست أعلم...
النار ترمُـز إلىَ الروح كما ترمُـز إلىَ اللاهُـوت
النار ترمُـز إلىَ الروح كما ترمُـز إلىَ اللاهُـوت
تحدثنا من قبل عن رموز الروح القدس. ومنها الماء (يو7: 38، 39)، والزيت الذي منه المسحة المقدسة (1يو2: 20) (خر30: 24، 25). يرمز إلى الروح أيضًا الحمام، كما ورد في قصة العماد (مت3: 16). وأيضًا الريح كما في يوم الخمسين (أع2: 2- 4). وفي الواقع أن كلمة ابنفما باللغة اليونانية تعني الروح أو الريح.
النار أيضًا يمكن أن ترمز إلى الروح القدس، وإلى اللاهوت بصفة عامة، كما سنرى:
الروح القدس حلَّ على التلاميذ في يوم الخمسين على هيئة ألسنة نار (أع2: 3، 4).
وبعد أن استقرت هذه الألسنة عليهم "وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا" (أع2: 4).
مع أنهم من قبل كانوا قد أخذوا الروح في الكهنوت بالنفخة المقدسة من فم الرب (يو20: 22).
وهكذا يسمى الروح القدس الذي حلَّ على التلاميذ بالروح، لأنه أشعل قلوبهم بالخدمة. وصارت كلماتهم التي ينطقون بها في الخدمة كلمات نارية.
لا ننسى أيضًا قول الكتاب: "إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" (عب12: 29).
وقد اقتبس بولس الرسول هذا التعبير من سفر التثنية (تث4: 24).
وهكذا حلَّ مجد الرب على جبل سيناء حينما سلم موسى لوحي الشريعة "وَكَانَ مَنْظَرُ مَجْدِ الرَّبِّ كَنَارٍ آكِلَةٍ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ" (خر24: 17)... وفي ذلك قال موسى النبي لبني إسرائيل: "وَقَفْتُمْ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ، وَالْجَبَلُ يَضْطَرِمُ بِالنَّارِ... فَكَلَّمَكُمُ الرَّبُّ مِنْ وَسَطِ النَّارِ" (تث4: 11، 12) وأيضًا (تث4: 33، 36).
وبنفس الوضع كلم الرب موسى من النار في العليقة.
"وَظَهَرَ لَهُ... بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ... و"نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ"... فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ" (خر3: 2- 6).
هنا إلهنا نار آكلة، ويكلم الشعب وموسى من وسط النار.
النار إذًا ترمز إلى اللاهوت. وهذا ما تشير إليه المجمرة "الشورية".
في المجمرة يوجد الفحم المتقد بالنار... الفحم يرمز إلى الناسوت، والنار ترمز إلى اللاهوت، واتحادهما معًا يرمز إليه هذا الجمر المتقد. أما المجمرة نفسها فترمز إلى القديسة العذراء مريم، التي حملت في داخلها الناسوت متحدًا باللاهوت... ولذلك نلقبها في تسابيح كيهك بأنها شورية هارون...
وكما ترمز النار إلى اللاهوت، هكذا ترمز أيضًا في السُّرُج المتقدة.
أمر الرب بصنع السُّرُج "جمع سراج" في خيمة الاجتماع. وكانت سبعة، ومن ذهب نقي (خر37: 23). وقال الرب لموسى: "وَأَنْتَ تَأْمُرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْكَ زَيْتَ زَيْتُونٍ مَرْضُوضٍ نَقِيًّا لِلضَّوْءِ لإِصْعَادِ السُّرُجِ دَائِمًا. فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ..." (خر27: 20) ... فإلى أي شيء يرمز كل هذا؟
الزيت الذي في السُّرُج يرمز إلى الروح القدس. ولكن لا بد أن يكون لهذا الزيت عمل وفائدة للشعب.
الفائدة التي يجنيها الشعب من زيت السُّرُج هي الاستنارة. ولا تأتي إلا بالنار، بإيقاد السُّرُج.
ففي السُّرُج إذًا يوجد رمزان للروح القدس، وهما الزيت والنار، يعملان معًا لإنارة الشعب المؤمن، الذي يعبد الله في خيمة الاجتماع... وجميل أنه قيل عن هذه السُّرُج "يُرَتِّبُهَا هَارُونُ وَبَنُوهُ مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ أَمَامَ الرَّبِّ. فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِهِمْ" (خر27: 21).
أي أنه عمل للروح القدس عن طريق الكهنوت.
وهذه الاستنارة التي ينالها المؤمنون بواسطة الروح القدس، ذكرها القديس بولس الرسول بقوله: "لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا مَرَّةً، وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ..." (عب6: 4).
هذه الاستنارة ننالها من الروح القدس مرة في المعمودية حينما يجدد طبيعتنا (رو6: 4). لهذا قيل إنه يعمدنا "بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ" (لو3: 16). وهذه النار تخلصنا من الإنسان العتيق وجسد الخطية (رو6: 6).
والاستنارة أيضًا ننالها مرارًا عديدة عن طريق التعليم، بتجديد أذهاننا (رو12: 2). وهكذا قيل في ذلك: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مز119: 105). وسنعود إلى هذا المعنى مرة أخرى.
لذلك كله كان يأمر الرب أن تكون سرجنا موقدة.
"لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ" (لو12: 35، 36). ولا يمكن أن تكون سرجنا موقدة إلا بعمل النار والزيت فيها، أي بعمل الروح القدس... ولا بد أن يستمر هذا العمل فينا، ما دمنا مستعدين لمجيء الرب...
وكون السُّرُج سبعة يرمز إلى كمال عمل الروح القدس في إنارتنا.
وكما كانت السُّرُج دائمة الاتقاد في خيمة الاجتماع، هكذا كانت أيضًا في هيكل سليمان. وقيل في ذلك: "وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ كُلَّ الآنِيَةِ الَّتِي لِبَيْتِ اللهِ... وَالْمَنَائِرَ وَسُرُجَهَا لِتَتَّقِدَ حَسَبَ الْمَرْسُومِ أَمَامَ الْمِحْرَابِ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ" (2أي4: 19، 20).
وكونها من ذهب خالص، يرمز إلى قيمتها العظيمة، وقيمة عملها أمام الرب وأهميته.
رمز عمل الروح القدس في السُّرُج، أي عمل الزيت والنار، يذكرنا أيضًا بالشموع في الكنائس.
هي أيضًا من زيت، وتتقد بالنار، وتفيد في الإنارة... وحينما توضع أمام أيقونة قديس، إنما ترمز إلى أن هذا القديس كان نورًا... بعمل الروح القدس فيه، بالزيت والنار...
وما دمنا في مجال الحديث عن الإنارة بالروح القدس، أي بالنار، لا بد أن نذكر مثالًا هامًا وهو:
كان الرب وهو يقود الشعب في برية سيناء، إنما يقودهم ليلًا بعمود النار.
وهكذا قيل في سفر الخروج: "وَكَانَ الرَّبُّ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ نَهَارًا فِي عَمُودِ سَحَابٍ لِيَهْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَيْلاً فِي عَمُودِ نَارٍ لِيُضِيءَ لَهُمْ" (خر13: 21) ... لاحظ هنا قوله عن عمود النار أن "الرَّبُّ كَانَ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ"..
واستمرت هذه القيادة الإلهية، فقيل: "لَمْ يَبْرَحْ عَمُودُ السَّحَابِ نَهَارًا وَعَمُودُ النَّارِ لَيْلاً مِنْ أَمَامِ الشَّعْبِ" (خر13: 22). أنقول إذًا إنه كان يقودهم بروحه القدوس؟ إنه لكذلك...
ويتكرر ظهور الرب مرة أخرى "في عمود النار" في قصة الخروج، فيقول الكتاب إن "الرَّبَّ أَشْرَفَ عَلَى عَسْكَرِ الْمِصْرِيِّينَ فِي عَمُودِ النَّارِ وَالسَّحَابِ..." (خر14: 24).
وكان الرب يظهر لحزقيال النبي في منظر النار هذه. وكذلك ليوحنا الرسولي في سفر الرؤيا.
يقول حزقيال النبي إنه رأى عرش الله: "وَعَلَى شِبْهِ الْعَرْشِ شِبْهٌ كَمَنْظَرِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقُ... كَمَنْظَرِ نَارٍ دَاخِلَهُ مِنْ حَوْلِهِ، مِنْ مَنْظَرِ حَقْوَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَمِنْ مَنْظَرِ حَقْوَيْهِ إِلَى تَحْتُ، رَأَيْتُ مِثْلَ مَنْظَرِ نَارٍ وَلَهَا لَمَعَانٌ مِنْ حَوْلِهَا" (حز1: 26، 27) (حز8: 2).
والقديس يوحنا الحبيب يقول عن رؤياه للرب: "وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ. وَرِجْلاَهُ شِبْهُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ، كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أَتُونٍ... وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا" (رؤ1: 14- 16). ننتقل من كل هذا إلى نقطة أخرى وهي:
كان قبول الرب للذبائح والمحرقات، يكون عن طريق النار التي تأكلها.
المحرقات تشمل أمرين هامين، هما الدم والنار، كان الدم يرمز إلى الثمن المدفوع. والنار ترمز إلى قبول الله لهذا الثمن. وهكذا كانت "نَارُ الْمَذْبَحِ تَتَّقِدُ عَلَيْهِ" نار لا تطفأ، حتى تحول ذبيحة المحرقة إلى رماد (لا6: 9).
وحدث هذا في المحرقات التي قدمها إيليا النبي، وصب عليها ماء متحديًا أنبياء البعل والسَّواري "فَسَقَطَتْ نَارُ الرَّبِّ وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالْحَطَبَ وَالْحِجَارَةَ وَالتُّرَابَ، وَلَحَسَتِ الْمِيَاهَ الَّتِي فِي الْقَنَاةِ" (1مل18: 38).
ونفس الوضع في تقدمة جدعون "اللحم والفطير": يقول سفر القضاة: "فَصَعِدَتْ نَارٌ مِنَ الصَّخْرَةِ وَأَكَلَتِ اللَّحْمَ وَالْفَطِيرَ" (قض6: 21).
وخروف الفصح كان مشروطه أن يكون "مَشْوِيًّا بِالنَّارِ" (خر12: 9). هنا لم تأكله النار، لأنه ليس محرقة. ولكن يكفي أنه كان مشويًا بالنار.
هذه النار كلها كانت ترمز إلى العدل الإلهي:
العدل الإلهي يستوفى عن طريق النار تأكل المحرقة كلها، فإن حولتها إلى رماد، يكون الله العادل قد استوفى حقه كاملًا، كرمز تم في ذبيحة المسيح.
وهكذا قيل عن المحرقة والذبائح التي قدمها سليمان في يوم تدشين الهيكل: "وَلَمَّا انْتَهَى سُلَيْمَانُ مِنَ الصَّلاَةِ، نَزَلَتِ النَّارُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالذَّبَائِحَ، وَمَلأَ مَجْدُ الرَّبِّ الْبَيْتَ" (2أي7: 1).
وكما كانت النار تشير إلى روح الله، كذلك كانت تشير إلى الأرواح المحيطة بالله أي الملائكة.
وهكذا قيل عنهم في سفر المزامير: "الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً" (مز104: 4)، كذلك حدث لما أحاطت جنود الأراميين بمدينة دوثان، حيث كان يوجد أليشع النبي، وأراد الرب أن ينقذه منهم، "إِذَا الْجَبَلُ مَمْلُوءٌ خَيْلاً وَمَرْكَبَاتِ نَارٍ حَوْلَ أَلِيشَعَ" (2مل6: 17). وكان هؤلاء هم الملائكة السمائيون الذين أتوا لحمايته.
والمركبات النارية هي التي حملت إيليا النبي إلى السماء.
تبع أليشع النبي معلمه وأباه الروحي إيليا النبي... "وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ" (2مل2: 11) ... ماذا كانت هذه المركبة النارية سوى جماعة من الملائكة حملوه إلى السماء. لأنها من المستحيل أن تكون نارًا مادية... بل إنها من أولئك الذين قال عنهم المزمور "وخدامه نار تلتهب" (مز104: 4).
فلنستمع إذًا إلى ما يقوله دانيال النبي عن رؤيته لعرش الله.
يقول: "وَعَرْشُهُ لَهِيبُ نَارٍ، وَبَكَرَاتُهُ نَارٌ مُتَّقِدَةٌ. نَهْرُ نَارٍ جَرَى وَخَرَجَ مِنْ قُدَّامِهِ. أُلُوفُ أُلُوفٍ تَخْدِمُهُ، وَرَبَوَاتُ رَبَوَاتٍ وُقُوفٌ قُدَّامَهُ" (دا7: 9، 10).
إنها ليست نارًا مادية بالطبع. أتراه ما قيل عن الرب إنه الجالس فوق الشاروبيم (مز99: 1).
أتراها الملائكة تحمل عرش الله؟ أم تُرى عرشه هو الملائكة؟ أم هو المجال الروحي العالي غير المدرك!! ليتني أعرف هذا اللهيب النار...
النار أيضًا تطلق على كلام الله، في حرارته، وفي فاعليته، إذ يلهب القلوب:
وهكذا ورد في سفر إرميا النبي: "أَلَيْسَتْ هكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ، يَقُولُ الرَّبُّ" (إر23: 29).
وقال الرب لإرميا النبي: "هأَنَذَا جَاعِلٌ كَلاَمِي فِي فَمِكَ نَارًا" (إر5: 14). ويختبر إرميا هذه النار فيقول عن كلام الرب إليه "فَكَانَ فِي قَلْبِي كَنَارٍ مُحْرِقَةٍ" (إر20: 9).
حقًا إن الذي يأخذ كلامًا من الروح القدس الناري، يكون هذا الكلام نارًا في قلبه، ونارًا في فكره وعلى لسانه، يشعله ويشعل سامعيه.
ألعل السيد المسيح قصد هذا المعنى حينما قال: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ، فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟" (لو12: 49).
جاء يلقي الروح الناري في الناس، الألسنة التي تستقر عليهم، الكلام الناري الذي يخرج من أفواههم، الخدمة النارية الملتهبة بالروح... الملكوت الذي انتشر كنار تسري...
هكذا يكون الخدام. وهكذا قال القديس يوحنا الرائي عن "الزَّيْتُونَتَانِ وَالْمَنَارَتَانِ الْقَائِمَتَانِ أَمَامَ رَبِّ الأَرْضِ... تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ فَمِهِمَا" (رؤ11: 4، 5).
النار للمنفعة والبناء، وأيضًا للعقوبة.
وهكذا عاقب الرب سادوم بنار أحرقتها (تك19: 24). وقيل في سفر العدد عن تذمر بني إسرائيل: "وَسَمِعَ الرَّبُّ فَحَمِيَ غَضَبُهُ، فَاشْتَعَلَتْ فِيهِمْ نَارُ الرَّبِّ وَأَحْرَقَتْ فِي طَرَفِ الْمَحَلَّةِ" (عد11: 1) ... والأمثلة كثيرة...
ومن أمثلة ذلك أيضًا "النَّارِ الأَبَدِيَّةِ" (مت25: 41)، "نَارِ جَهَنَّمَ" (مت5: 22) والبحيرة المتقدة بنار وكبريت (رؤ14: 10) (رؤ20: 10)، والنار التي تحرق الزوان (مت13: 40) و"أَتُونِ النَّارِ" (مت13: 50).
كذلك نفرق بين نار الرب والنار الغريبة:
لقد عاقب الرب من قدم "نَارًا غَرِيبَةً" (لا10: 1، 2) (عد26: 61). ومن الناحية الروحية نقول:
أخطاء اللسان شُبهت بنار، فقال معلمنا يعقوب الرسول: "اللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ... الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ" (يع3: 5، 6).
وقال سليمان الحكيم عن خطية الزنا: "أَيَأْخُذُ إِنْسَانٌ نَارًا فِي حِضْنِهِ وَلاَ تَحْتَرِقُ ثِيَابُهُ؟! أَوَ يَمْشِي إِنْسَانٌ عَلَى الْجَمْرِ وَلاَ تَكْتَوِي رِجْلاَهُ؟!" (أم6: 27، 28).
الذبَائح رَمز للمَسيح الفادي
الذبَائح رَمز للمَسيح الفادي
تاريخ الذبائح مرتبط بتاريخ البشرية منذ البدء، منذ خطية آدم وحواء.
"أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). وقد استحق الإنسان الموت نتيجة لخطيته، وحسب إنذار الرب له (تك2: 17) (تك3: 3).
ولكن رحمة الله شاءت أن تنقذ الإنسان من الموت، وكذلك حكمة الله، إذ كما قال القديس أثناسيوس الرسولي: "كان خيرًا للإنسان لو لم يخلق، من أن يخلق ليموت". وأيضًا لأن الله لم يشأ أن يعطي الشيطان فرصة ينتصر فيها، ويحطم قمة الخليقة الأرضية، أعني الإنسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله (تك1: 26، 27).. فكان لا بد من حل لإنقاذ الإنسان...
وكان الحل هو مبدأ الفداء والكفارة، أي أن تموت نفس عوضًا عن نفس...
ومن هنا نشأت فكرة الذبائح التي هي أنفس بريئة تموت عن نفس الإنسان الخاطئ، إذ يسفك دمها فداء لدمه.
وهكذا عرف العالم مبدأ "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22).
على أن دم تلك الذبائح لم يكن كافيًا لعمل الفداء، إذ أن خطية البشر كانت غير محدودة، لأنها موجهة ضد الله غير المحدود، فكان لا بد من كفارة غير محدودة... كان لا بد من الفادي الحقيقي الذي يأتي في ملء الزمان "لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 10).
ومن هنا كانت كل ذبائح العهد القديم، رمزًا لذبيحة السيد المسيح.
فما هي قصة تلك الذبائح، وكيف تطورت؟ وماذا كانت رموزها؟ وذلك بلا شك موضوع طويل يحتاج إلى كتاب بأكمله. ولكني سأحاول أن ألخصه لكم في هذه الصفحة.
بدأت القصة منذ خطية الإنسان الأول، الذي أخطأ، فأحسّ بعريه، ولم تصلح أوراق التين لتغطية آدم وحواء "وَصَنَعَ (لهما) الرَّبُّ... أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا" (تك3: 21) ... ولا شك أن ذلك الجلد كان من ذبيحة. وهكذا رسخت في عقل الإنسان هذه الذكرى...
الخطية نتيجتها العُري والخزي.
أما الذبيحة فهي التي تستر وتغطي.
وعلى نهج آدم، سار ابنه هابيل فقدم للرب: "مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا" (تك4: 4).
وقبل الرب منه تلك الذبيحة، التي عرفها هابيل عن طريق التقليد Tradition. وفهم الناس أنه ينبغي أن يقدم الإنسان أفضل ما عنده، ذبيحة البكر... وما كان أحد يأكل من تلك الذبائح، كانت كلها تأكلها النار، كلها للرّب، لذلك سُميت "محرقات".
"وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ" (تك8: 20).
وإلى جوار فكرة المحرقات، رسخت فكرة أن تكون الذبيحة طاهرة وبلا عيب.
واستمر الآباء يبنون المذابح ويقدمون المحرقات. ونقرأ هذا في حياة أبينا إبراهيم (تك12: 7، 8). وفي حياة أيوب الصديق (أي1: 5). وهكذا فعل باقي الآباء.
وقدم الله للعالم خبرة أخرى:
وهي تقدمة الابن الوحيد محرقة... ومعها فداء...
قال الله لأبينا إبراهيم: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ... وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ" (تك22: 2) وفي نفس الوقت قدم له "كبشًا فداءً له" (تك22: 13).
وانطبعت في ذاكرة البشرية هذه الصورة المزدوجة "تقديم الابن الوحيد، والفداء".
وإلى ذلك الحين كان الآباء يقدمون الذبائح والمحرقات دون شريعة منظمة لها. وبدأت تلك الشريعة على يد موسى النبي. فماذا كانت؟ وماذا كانت رموزها؟
أول شريعة مكتوبة عن الذبائح، كانت الشريعة الخاصة بخروف الفصح.
الموت كان ينتظر جميع الأبكار. وكان الخلاص منه عن طريق ذبح خروف الفصح. وكلمة فصح معناها العبور Pass-Over. كانت الأبواب المرشوش عليها دم خروف الفصح، يعبر الملاك المهلك عليها فلا يهلكها حسب قول الرب. "وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ" (خر12: 13).
وشرح القديس بولس الرسول كيف كانت ذبيحة الفصح رمزًا للمسيح فقال:
"لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا" (1كو5: 7). وهكذا كانت ذبيحة الفصح رمزًا واضحًا للمسيح، وكانت نفوس المفديين، هي تلك النفوس المحتمية وراء الدم. فيرى الرب الدم ويعبر عنها، فلا تهلك.
وأدرك الناس تمامًا أهمية الدم لخلاصهم، وأهمية قول الكتاب: "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22).
ثم رتب النبي الذبائح في سفر اللاويين: وشريعة كل ذبيحة.
وكانت الأولى هي المحرقة... فلماذا؟
هذه المحرقة قيل عنها إنها: "مُحْرَقَةً، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا1: 9، 13، 17).. وكانت كلها للرب، لا يأكل منها أحد. إنما تأكلها النار كلها. تظل النار تشتعل فيها وهي على المذبح، حتى تتحول إلى رماد (لا6: 12، 13)... والنار كانت ترمز إلى أن العدل الإلهي، يأخذ حقه من المحرقة كاملًا.
الإنسان تمرد على الله يوم أخطأ.
وهنا ينسحق، ويستسلم إلى نار الرب؟ حتى يتحول إلى رماد. والسيد المسيح ناب عنا، في أن يكون ذبيحة محرقة بدلًا منا.
وهنا نتذكر أن الخطية كانت لها نتيجتان؟
الأولى: إحزان قلب الله والانفصال عنه.
والثانية: هي هلاك الإنسان.
وذبيحة المحرقة كانت تمثل إرضاء قلب الله الذي أغضبناه وأحزناه بخطايانا وتمردنا عليه.
لذلك وضعت في الترتيب أولًا، في ذبائح سفر اللاويين... فالمهم أولًا أن نصطلح مع الله، أن نرضيه بعد أن أغضبناه... وهذا قبل التركيز على أنفسنا نحن وخلاصها.
لذلك قيل عن المحرقة إنها: "رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ"... إنها درس لنا، نحن الذين باستمرار نفكر في أنفسنا، قبل أن نهتم بحق الله.
ولكن ماذا عن خلاص أنفسنا من الهلاك الذي سببته لنا الخطية؟
عمل الفداء لخلاصنا، تمثله في سفر اللاويين: ذبيحة الخطية وذبيحة الإثم.
وكانت شريعتهما واحدة... ولكن إحداهما عن الخطايا الإرادية. والأخرى عن الخطايا التي يرتكبها الإنسان سهوًا. فمتى أعلم بها يقدم عنها ذبيحة لإثمه (لا4: 2، 13، 22، 27).
وحسن أن نعلم أن خطية السهو محسوبة علينا ونقدم عنها ذبيحة. لأنها كسر لوصية الله، حتى لو كان ذلك بغير إرادتنا، بجهل، سهوًا...
ومع ذلك كانت ذبيحة الإثم "قُدْسُ أَقْدَاسٍ" (لا7: 1) وكذلك كانت ذبيحة الخطية (لا6: 25) أيضًا "قُدْسُ أَقْدَاسٍ" ذلك لأن كلًا منهما قامت بعمل التكفير، وإزالة الخطية، ودفع ثمنها، كرمز.
كانت كل منهما رمزًا للمسيح الذي قام بعمل الفداء، ودفع ثمن الخطية "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16) كان المسيح على الصليب ذبيحة خطية، وذبيحة إثم... "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا... وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6).. ووقف أمام الآب كأنه الخاطئ.
وهو لم يكن خاطئًا، وإنما حامل خطية.
كان لا بد من وجود البار الذي يحمل خطايا غيره.
ولم يكن أحد في العالم بارًا: "الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز14: 3).
فأتى هذا البار الوحيد، القدوس وحده، الذي بلا شر ولا دنس، الذي "انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب7: 26) أتى هذا البار "حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا" (1بط2: 24). ودفع ثمنها للعدل الإلهي.
وأود هنا أن أقدم بعض ملاحظات عن الذبائح وطريقة تقديمها:
1- كان الخاطئ يضع يده على الذبيحة عند تقديمها:
سواء في حالة المحرقة (لا1: 4) أو ذبيحة الخطية (لا4: 4، 15، 24) ... أو ذبيحة السلامة (لا3: 1، 2).
وكان وضع يده يحمل معنى قبوله هذه الذبيحة لتموت عنه. وبالتالي يحمل اعترافًا منه بأنه قد أخطأ ويستحق الموت، وقد أتى بذبيحة لتموت عنه.
وكان وضع يده على رأس الذبيحة، يشير إلى انتقال الخطية منه إليها.
ويشير إلى إيمانه بمبدأ الكفارة والفداء.
2- وكان الخاطئ يقر بخطاياه...
وورد عن ذلك في سفر اللاويين: "فَإِنْ كَانَ يُذْنِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ هذِهِ، يُقِرُّ بِمَا قَدْ أَخْطَأَ بِهِ. وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا" (لا5: 5، 6).
3- وكان دم الذبيحة يرش على المذبح.
كما ورد في (لا1: 5) عن المحرقة، وفي (لا3: 2، 8، 13) عن ذبيحة السلامة، وكذلك في (لا7: 2) عن ذبيحة الإثم... وكان الدم ينضح سبع مرات على حجاب القدس في ذبيحة الخطية (لا4: 5- 7).
4- كان أهم شيء أمام الله في الكفارة هو دم الذبيحة.
كان هذا الدم في كل مكان، في الخيمة، وفي البرية، وفي أسفل المذبح، إشارة إلى أن المذبح قد تأسس بالدم... ورشه سبع مرات كانت إشارة إلى أن كفارة الدم أصبحت كاملة... ورشه على الحجاب: إشارة إلى أن الحجاب بيننا وبين الله سوف يزول عن طريق هذا الدم.
5- كان الدم يشير إلى الموت.
الموت الذي جلبته الخطية والذي حل على هذه الذبيحة "لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ" (لا17: 11). فسفك الدم معناه بذل النفس. على أن هناك ملاحظة نحب أن نقولها من جهة علاقة هذه الذبائح بالمغفرة.
بهذه الذبائح كان الخطاة يأخذون صكًا بالمغفرة التي مُنحت لهم على الصليب.
فالمغفرة لم تتم بسفك دم الحيوان المقدم ذبيحة، إنما بسفك دم المسيح. وما نالوه من مغفرة هو مجرد صك بها، يعطيهم استحقاقًا... وحسن قال القديس بولس الرسول في ذلك عن رجال الإيمان:
"وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا" (عب11: 13).
كل تلك الذبائح كانت رمزًا. ولما صعد المرموز إليه على الصليب، قال "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ" (لو23: 34). هناك تم دفع ثمن الخطية. هناك الكثير، والكثير جدًا، لأقوله عن الذبائح ولكن هذه السطور لا تحتمل الآن. على أنني أعدكم بأن أصدر كتابًا عن الذبائح وما تحمله من رموز. فإلى لقاء إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
رمُوز الأرقام في الكتاب المقدس- رمُوز الرَقم 3
رمُوز الرَقم 3
هناك أرقام ترمز إلى الكمال، مثل 3، 7، 10 ولكن رقم 3 من بينها، يرمز إلى كمال الكيان، أو كمال الوجود.
الرقم 3 يرمز إلى الكيان
كثير من الكيانات يحددها رقم 3، لا يكون لها وجود بدونه، وسنذكر أمثلة:
1- الزمان: يحدد كيانه ثلاثة. فكيان الزمان هو من ثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
2- والضمائر: كيانها في ثلاثة: المتكلم، والمخاطب، والغائب: أي أنا، وأنت، وهو، وفي الجمع نحن وأنتم وهم.
3- ومن الناحية العددية: كيان الأشخاص في ثلاثة: مفرد ومثنى وجمع، سواء في الضمائر أو الأشخاص.
4- وكيان الأسرة: هو أيضًا من ثلاثة: الأب، والأم، والأبناء.
5- الأحجام: أيضًا تتكون من ثلاثة: الطول والعرض والارتفاع (أو العمق). وبدون هذه الثلاثة لا يمكن أن نحصل على أي حجم.
6- كذلك أي شكل: لا يمكن تحديده إلا بثلاثة خطوط. فالخط الواحد لا يكون شكلًا، ولا الخطان يكونانه.
7- كذلك أي فعل أو حدث... لا بد لكيانه من ثلاثة: فعل، وفاعل، ومفعول به أو مفعول فيه...
8- نفس الوضع في كل مقارنة يحكم كيانها أيضًا الرقم ثلاثة: إما مثله، وإما أفضل، وإما أسوأ. وهكذا في كل منافسة أو مباراة: إما غالب، وإما مغلوب، وإما متعادل. نفس الرقم 3 هو هو.
9- أنواع الكائنات: تحكم الثلاثة كيانها: فهي إما حيوان، أو نبات، أو جماد.
والحيوان ثلاثة: ما يطير في السماء، وما يدب على الأرض، وما يعيش في البحر أو تحت الأرض.
10- والمواد أيضًا يحكم كيانها ثلاثة: فهي إما صلبة، أو سائلة، أو غازية.
11- والإنسان يحكم كيانه ثلاثة: فهو يتكون من جسد ونفس وروح (1تس5: 23).
12- والجنس يحكم كيانه ثلاثة: فهي إما ذكر، وإما أنثى، وإما نوع لا هو بالذكر ولا الأنثى، ولا عمل للجنس فيه... "كطبيعة الملائكة".
الكيان الثلاثي نجده أيضًا في المجال الديني.
في المجَــال الديني
13- الله تبارك اسمه: الآب والابن والروح القدس. "وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ" (1يو5: 7). الذات الإلهية. وعقل الله الناطق، وروح الله القدوس. ونجد تطبيق هذا في الثلاثة تقديسات، كما في تسبحة السارافيم (إش6).
وفي أمور دينية كثيرة، نجد الرقم ثلاثة كائنًا، يحكم كيانات:
14- ففي المسحة المقدسة: نجدها بالنسبة إلى ثلاثة من البشر: يمسح بها الملك والكاهن والنبي. الملك مثل شاول (1صم10: 1) وداود (1صم16: 13). والكاهن مثل هارون (مز133: 2). والنبي مثل أليشع (1مل19: 16). وقد مسح بها السيد المسيح (إش61: 1)، إذ في كيانه اجتمعت الثلاث رسالات.
15- ونجد أيضًا الكيان الثلاثي في تقدمة المجوس "ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا" (مت2: 11).
وكانت هذه التقدمة الثلاثية تمثل كيان عمل المسيح: ملكه (بالذهب)، وكهنوته (باللبان)، وآلامه الفدائية (بالمر).
16- والشريعة التي تركها الله للناس، كيانها في ثلاث:
الشريعة الأدبية، وهي التمييز الطبيعي الداخلي بين الخير والشر، وتكمن في الضمير الصالح، والشريعة المكتوبة وهي الكتاب المقدس. والشريعة التي تسلمها العالم شفاهًا من الأنبياء والآباء، أو تُركت لنا عمليًا في حياة الكنيسة.
وشريعة العهد القديم كيانها في ثلاث:
وهي الناموس والأنبياء والمزامير (لو24: 44).
17- أما عن الفضيلة فقد ركزها الرسول في ثلاث: "الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ... وأَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ" (1كو13: 13).
18- كذلك في كيان الخطية ومحبة العالم:
ذكر القديس يوحنا الرسول إنها في ثلاث: "شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ" (1يو2: 16).
ولعل من أشهر الأمثلة لعمق الخطية:
كان في نكران بطرس الرسول، إذ أنكر الرب ثلاث مرات (مت26: 57). ولذلك وبخه الرب ثلاث مرات بعد القيامة، بأن سأله ثلاث مرات "أَتُحِبُّنِي؟" (يو21: 15- 17).
والمجدلية أيضًا شكت في القيامة ثلاث مرات، مدعية ثلاث مرات أنهم أخذوا سيدها ولا تدري أين وضعوه (يو20: 2، 13، 15).
19- أما عن أعداء الإنسان في حياته الروحية: فقد ذكر الآباء أنهم ثلاثة: العالم، والجسد، والشيطان..
20- والقديس لوقا الإنجيلي تحدث عن ثلاثة أمثلة للضالين في (لو15):
الابن الضال، والخروف الضال، والدرهم المفقود. الثلاثة ضاعوا، وكانوا رموزًا...
الابن الضال رمزًا لمن أضاعته نيته وشهوته الشريرة. والخروف الضال رمزًا لمن أضاعه جهله. والدرهم المفقود رمزًا لمن احتاجه غيره. ومع ذلك كان هناك خلاص لكل هؤلاء ورجاء.
21- وإقامة الأموات تمثلت أيضًا في الرقم 3: ثلاث معجزات لإقامة الأموات في العهد القديم: إقامة إيليا النبي لابن أرملة صرفة صيدا (1مل17: 20- 23). وإقامة أليشع النبي لابن الشونمية (2مل4: 32- 35). وإقامة ميت لمس عظام أليشع (2مل13: 21).
وثلاث معجزات ذُكرت للسيد المسيح في إقامته للموتى: إقامة ابنة يايرس (مر5: 41). وإقامة ابن أرملة نايين (لو7: 15، 16). وإقامة لعازر (يو11: 43، 44).
إنها ثلاثة أنواع تمثل كيان إقامة الأموات...
(أ) إقامة ابنة يايرس وهي في بيت أبيها، تمثل الذين أدركهم الموت الروحي (بالخطية)، وهم داخل الكنيسة، لم ينفصلوا عنها.
وهذا هو أخف الأنواع، لذلك قال الرب عن تلك النفس إنها "لم تمت ولكنها نائمة". وأقامها معطيًا رجاء لهذا النوع.
(ب) أما إقامة ابن أرملة نايين، وقد خرج جثمانه من بيته، وأمه تبكي عليه في الطريق، فيمثل الذين خرجوا من الكنيسة وهي تبكي عليهم. وقد أقام السيد المسيح هذا النوع "ودفعه إلى أمه" (لو7: 15)، أي أعاده إلى حضن الكنيسة، معطيًا رجاء لهذا النوع أيضًا.
(ج) أما إقامة لعازر وهو ميت دُفن في القبر، طال به الوقت وقيل قد أنتن، ويئس منه أقرباؤه، حتى أخته (يو11: 39) ... فيمثل – روحيًا - الذي انفصل عن الكنيسة مدة طويلة، ويئست الكنيسة من خلاصه...
وحتى هذا النوع أقامه الرب، معطيًا رجاء حتى للذين أنتنوا في خطاياهم...!
22- نلاحظ أيضًا أن السيد المسيح قام في اليوم الثالث:
وأعطانا المثل عن يونان الذي قضى في بطن الحوت ثلاثة أيام (مت12: 40).
وقيامة المسيح تمثل باكورة القيامة (1كو15: 20) بعد ذلك أقام القديس بطرس الرسول امرأة هي طابيثا (أع9: 40). ثم أقام القديس بولس شابًا هو أفتيخوس (أع20: 10).
وبقيامة السيد المسيح رأس الكنيسة، وإقامة امرأة ورجل يمثلان عنصري البشرية، أخذنا في الثلاثة صورة كاملة عن كيان القيامة العامة.
وبالإضافة إلى هذه الصورة، ثلاث إقامات للموتى في العهد القديم، وثلاث أخر في العهد الجديد. وتكون أمامنا 3 مجموعات تضم كل منها ثلاثة لتعطي الكمال المثلث لكيان القيامة في كل العهود كمقدمة للقيامة العامة...
23- نلاحظ أيضًا أن كيان خيمة الاجتماع كان من ثلاثة أقسام (خر26، 27).
وكذلك كان الهيكل أيضًا (1مل8) الجزء الأول هو قدس الأقداس، لا يدخله إلا رئيس الكهنة مرة في السنة. والثاني هو القدس ويدخله الكهنة. والدار يدخلها الشعب...
24- شهادة الآب السماوي لابنه يسوع المسيح، نلاحظ أنها تكررت ثلاث مرات.
المرة الأولى وقت العماد، حيث قال عنه الآب: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مت3: 17). والمرة الثانية في معجزة التجلي، حيث سمع صوت الآب من السحابة "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا" (مت17: 5). والمرة الثالثة حينما قال السيد المسيح: "أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ! فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا!" (يو12: 28).
هذا الصوت الإلهي الذي تكرر ثلاث مرات يحمل كمالًا لكيان الشهادة... هذه شهادة الآب...
25- أما شهادة الطبيعة، فأظهرها كذلك الرقم 3 ذلك حينما أظلمت الأرض ثلاث ساعات، من السادسة حتى التاسعة (مر15: 33)، وكلها مضاعفات للرقم 3.
فلم تمنحها الشمس ضياءها، احتجاجًا على خيانة سكان الأرض للرب، وحزنًا بسبب الخطية التي كانت السبب في كل ذلك. إنه كمال لكيان شهادة الطبيعة.
26- والكتابة التي على صليب المسيح، كانت بثلاث لغات:
"بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ" (لو23: 38) وهي تمثل كيان اللغات وقتذاك وتنوب عنها: اللغة العبرانية هي لغة الوحي الإلهي، واليونانية وهي لغة الثقافة في العالم، والرومانية (اللاتينية) وهي لغة السلطة، لغة الشعب الحاكم.
27- وبصلب الرب وموته وقيامته استطاع أن يقهر ثلاثة أعداء:
أعني الخطية والموت والشيطان. فبموته داس الموت، الذي هو أجرة الخطية (رو6: 23). وقال عن الشيطان: "اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ خَارِجًا" (يو12: 31). وقال: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لو10: 18).
28- في تجارب السيد المسيح:
مع أن السيد المسيح كان "مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عب4: 15)، إلا أن الكتاب اختار ثلاث تجارب على الجبل (مت4)، لتمثل كيان تجارب المسيح العديدة جدًا.
29- والملكوت مثله الرب بخميرة وضعت في ثلاثة أكيال دقيق، فخمرت العجين كله (مت13: 33).
ولعل هذا يذكرنا أيضًا في العهد القديم بثلاث كيلات دقيق، تمثل كمال كرم أبينا إبراهيم في ضيافته لثلاثة ضيوف مروا عليه (تك18: 6- 9).
30- ولعل الطاعة للرب أو الوعد بالطاعة يتمثل في عبارة كررها الشعب ثلاث مرات:
وهي "كُلُّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ نَفْعَلُ". قالها الشعب لموسى ثلاث مرات (خر19: 8) (خر24: 3) (خر24: 7).
31- ولعل قوة الرب تتمثل في شق نهر الأردن ثلاث مرات:
* المرة الأولى على يد يشوع بن نون (يش4: 7، 9).
* والمرة الثانية على يد إيليا النبي (2مل2: 8).
* والمرة الثالثة على يد أليشع النبي (2مل2: 14).
هذا التكرار الثلاثي يتمثل فيه كيان القوة والمعجزة.
ولعل الرقم 3 يبدو واضحًا في مجموعات أسماء، لها رموزها في الكيان:
32- الكيان البشري كله:
يمثله ثلاثة أسماء من أولاد آدم هم قايين وهابيل وشيث. ومنهم الجنس البشري كله. وبعد الطوفان تسلسل الجنس البشري من ثلاثة أبناء لنوح هم: سام وحام ويافث يمثلون الكيان البشري كله.
33- وكيان الأبرار يمثله ثلاثة:
هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، حتى أن الله نفسه كان يلقب نفسه بهم قائلًا: "أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" (خر3: 6) (مت22: 32). والمعروف أن الأبرار في الفردوس سيتكئون في أحضان هؤلاء الثلاثة، كما قيل عن لعازر المسكين (لو16: 22).
34- كيان التجارب يمثله ثلاثة:
هم الثلاثة فتية في أتون النار، ومعهم الرب في وسطهم، فلا يصيبهم ضرر (دا3: 25). هؤلاء هم عزريا وحنانيا وميشائيل.
35- أما مضايقات الأصدقاء فيمثلها ثلاثة:
ثلاثة أصدقاء لأيوب الصديق، أتعبوه جدًا فيما أرادوا أن يعزوه، حتى قال لهم: "مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ!" (أي16: 2) "أَطِبَّاءُ بَطَّالُونَ كُلُّكُمْ" (أي13: 4). هؤلاء هم أليفاز التيماني، وبلدد الشوحي، وصوفر النعماتي (أي2: 11) (أي16: 2). وقد حمي غضب الرب عليهم (أي42: 7).
36- أما الأصدقاء المحبوبون..
فيمثل كيانهم ثلاثة رسل من تلاميذ الرب كانوا يتمتعون بلقاءات خاصة معه، هم بطرس ويعقوب ويوحنا. أخذهم معه في مجده على جبل التجلي (مت17: 1)، كما أخذهم في آلامه في بستان جثسيماني (مت26: 37). محاسب
37- ولعل كيان المجد يمثله ثلاثة على جبل التجلي:
هم الرب وحوله موسى وإيليا، يمثلان الزواج في شخص موسى، والبتولية في شخص إيليا. وكلاهما حول الرب في مجد. والصورة كلها تمثل الله مع الناس، في مجد...
38- والأعداء المقاومون للعمل الإيجابي:
يمثل كيانهم ثلاثة وقفوا ضد نحميا وهو يبني واستهزأوا به، وهم سنبلط الحوروني، وطوبيا العبد العموني، وزميلهما جشم العربي (نح2: 19) (نح6: 1).
39- والذين تعرضوا لغضب الله الشديد يمثل كيانهم ثلاثة:
ثلاثة "فَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلَعَتْهُمْ". هؤلاء هم قورح وداثان وأبيرام (عد16: 32، 24). إنهم أيضًا مجموعة من ثلاثة...
كل هذه الأمثلة مجموعات رمزية، كل منها من ثلاثة أسماء... ولماذا ثلاثة بالذات؟
إنه الرقم الذي يرمز إلى الكيان...
وأخيرًا أحب أن أقول إن الرقم 3 في دلالته عن الكيان والوجود له أمثلة عديدة جدًا في الكتاب المقدس لست أظن هذه الصفحات تكفيها... إنما ذكرنا ما قد ذكرناه كمجرد مثال...
الرَقم أربَعة يَرمز إلى العَــالم أو الخليقة
الرَقم أربَعة يَرمز إلى العَــالم أو الخليقة
شرحنا في الرقم 3 من قبل أن الرقم ثلاثة يرمز إلى كمال الوجود. والله تبارك اسمه كان موجودًا وحده منذ الأزل، في كمال وجوده، بأقانيمه الثلاثة "الذات، والعقل، والروح" أو الآب والابن والروح القدس.
ثم أوجد الله كيانًا آخر يحيا معه، هو الخليقة، يرمز إليه الرقم 4 "أربعة".
عاش مع الثالوث القدوس، أو في رعاية الثالوث القدوس، فصارت الخليقة هي الرقم 4 من حيث الوجود. وأصبح هذا الرقم يرمز إلى الخليقة أو إلى العالم، وما ينتمي إلى العالم والخليقة.
فالمكان واتجاهاته يشملها الرقم أربعة.
أعني الشمال والجنوب والشرق والغرب. هذه هي الاتجاهات الأصلية للعالم كله، ولكل مكان فيه. وقد تتفرع عنها أربع اتجاهات أخرى تكمن فيما بينها: هي الشمال الشرقي، والجنوب الشرقي، والشمال الغربي، والجنوب الغربي.
والكتاب يذكر مثل هذا الأمر أيضًا في الحديث عن المجيء الثاني.
فيقول: "وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ... فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا" (مت24: 30، 31).
والزمن أيضًا يشمله الرقم أربعة:
أليست فصول السنة هي أربعة:
الصيف والشتاء، والربيع والخريف. وهي تشمل الأقسام الأربعة للزمن على مستوى السنة، تضم مناخ وأجواء الأرض على مدار السنة.
أما على مستوى اليوم، فكان يقسم إلى أربعة أقسام يسمى كل منها هزيع:
الهزيع الأول من الصباح إلى الظهر. والثاني من الظهر إلى الغروب. والثالث من الغروب إلى نصف الليل... والرابع من نصف الليل إلى الصباح.
وعن هذا التقسيم قال الرب: "وَاعْلَمُوا هذَا: أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيِّ هَزِيعٍ يَأْتِي السَّارِقُ، لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ" (مت24: 43) "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ... وَإِنْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّانِي أَوْ أَتَى فِي الْهَزِيعِ الثَّالِثِ وَوَجَدَهُمْ هكَذَا، فَطُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ" (لو12: 37، 38). وقيل حينما كان التلاميذ في السفينة تتعبهم أمواج البحر: "وَفِي الْهَزِيعِ الرَّابعِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ" (مت14: 25).
والقمر في تقسيمه للزمن والضوء على مستوى الشهر، تشمله أيضًا أربعة أقسام رئيسية:
هي البدر، والمُحاق، والتربيع الأول، والثاني. وتضم بينها أربعة أشكال أخرى: هي هلال مرتين، والأحدب مرتين.
وهذه الحالات الرباعية كلها تشمل القمر في أشكاله، وفي درجة ضوئه وحكمه على ظلام الليل.. إنها لون من ألوان تدخل الرقم أربعة في شئون الطبيعة.
والطباع أيضًا يقسمونها إلى أربعة أنواع:
الطبع الناري، والطبع الهوائي، والطبع المائي، والطبع الترابي... نسبة إلى النار والهواء والماء والتراب. التي تتكون منها كافة الطبائع الأخرى، سواء في الطبيعة الحية أو الجامدة... والتي أسموها الكتاب القدامى بالعناصر الأربعة. وهي ليست عناصر بالمفهوم الكيماوي طبعًا، ولكنها أربعة طبائع...
ونلاحظ أن الطبيعة الجامدة، تشملها أيضًا أربعة أقسام أو أنواع:
اليابسة، والماء، والجو، والفلك، ونقصد بها اليابسة والماء في أرضنا. وعنها قال الكتاب في قصة الخليقة "وَقَالَ اللهُ: «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ... وَدَعَا اللهُ الْيَابِسَةَ أَرْضًا، وَمُجْتَمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَارًا" (تك1: 9، 10). أما الجو فهو ما فوق الأرض من هواء وسحب. ثم الفلك الذي فيه الشمس والقمر والنجوم والكواكب.
نلاحظ أيضًا أن الخليقة الحية يشملها أيضًا الرقم أربعة:
فهي أيضًا على أربعة أنواع: الملائكة، والبشر، والحيوان، والنبات:
الملائكة أرواح (مز104: 4). وهي كائنات حية، عاقلة، ناطقة، ولها إرادة، ولكنها لا تتزاوج ولا تتناسل (مت 22: 30). وبالتالي لا تتكاثر بالتناسل.
والبشر كائنات حية، عاقلة، ناطقة، ولها إرادة. ولكن لها أجساد مادية إلى جوار النفس والروح (1تس5: 23). وهي تتزاوج وتتناسل وتتكاثر.
والحيوانات والنباتات، ليست لها أرواح خالدة، وبلا عقل ناطق. ولكنها تختلف عن بعضها البعض في الحركة، وفي طريقة التكاثر والتناسل، وفي أمور أخرى.
ونلاحظ في غالبية الكائنات الحية الأرضية، تميزها بالأطراف الأربعة:
فالحيوانات في غالبيتها لها أربعة أرجل. ولذلك يسمونها "ذوات الأربع". والإنسان له أربعة أطراف، يدان ورجلان، والطيور لكل منها رجلان وجناحان. والنباتات في غالبيتها لها: الجذر، والجذع أو الساق، والفروع بالأوراق، وما تحمله من زهر أو ثمر أو بذر..
وهكذا فإن الرقم أربعة يميز هذه الكائنات الحية الأرضية...
بل الكتاب يحدثنا أيضًا عن الأربعة حيوانات غير المتجسدين:
هذه المحيطة بالعرش الإلهي، والتي يقول عنها سفر الرؤيا: "وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ: وَالْحَيَوَانُ الأَوَّلُ شِبْهُ أَسَدٍ، وَالْحَيَوَانُ الثَّانِي شِبْهُ عِجْل، وَالْحَيَوَانُ الثَّالِثُ لَهُ وَجْهٌ مِثْلُ وَجْهِ إِنْسَانٍ، وَالْحَيَوَانُ الرَّابِعُ شِبْهُ نَسْرٍ طَائِرٍ" (رؤ4: 6، 7).
ولعل هذه الحيوانات الأربعة تحوي رموزًا عدة: فالأسد يرمز إلى الحيوانات المفترسة، والثور يرمز إلى الحيوانات الأليفة، والإنسان يرمز إلى الحيوانات العاقلة. والنسر يرمز إلى الحيوانات الطائرة فوق مستوى الأرض. وكلها ترمز إلى قوات سمائية...
وهذه الحيوانات الأربعة تذكرنا أيضًا بالأناجيل الأربعة التي أرسلت إلى العالم كله.
الأول هو إنجيل مرقس بأسده المعروف. والثاني هو إنجيل لوقا الذي بدأ بالكهنوت الهاروني الخاص بالذبائح ويرمز إليها وإليه الثور. والثالث يرمز إلى إنجيل متى الذي تحدث عن السيد المسيح الذي من نسل الإنسان وتتحقق فيه النبوءات. والرابع النسر يرمز إلى إنجيل يوحنا الذي حلق عاليًا في عالم اللاهوتيات، وهو آخر الأناجيل.
وهذه الأناجيل الأربعة، بالرقم أربعة، قد أرسلت إلى العالم كله، أو الخليقة كلها، كما ورد في (مر16: 15).
فإنجيل مرقس كُتب للرومان وإنجيل لوقا لليونان، وإنجيل متى لليهود، وإنجيل يوحنا كتب بعدها للعالم كله. ولم تزد الأناجيل عن أربعة. إنها واقع يتمثل فيه أيضًا الرمز.
أكانت هذه الأربعة أناجيل ترمز إليها الأنهار الأربعة التي تروي الجنة (تك2: 10- 14)؟
والمعروف أن الماء يرمز إلى الروح القدس وإلى الحياة، كما ذكرنا في حديثنا عن الماء ورموزه. وإلا فما معنى ذكر أربعة أنهار تروي الجنة؟ أم تراها ترمز إلى اتجاهها في أقطار الأرض كلها التي يرمز إليها الرقم أربعة، والرِّيَاح الأربعة التي ذكرها السيد المسيح في حديثه عن مجيئه الثاني (مت24: 31) والتي ذكرها دانيال النبي في رؤياه حينما قال: "كُنْتُ أَرَى فِي رُؤْيَايَ لَيْلاً وَإِذَا بِأَرْبَعِ رِيَاحِ السَّمَاءِ هَجَمَتْ عَلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ... وَصَعِدَ مِنَ الْبَحْرِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ عَظِيمَةٍ، هذَا مُخَالِفٌ ذَاكَ" (دا7: 2، 3).
ومما يسترعى الانتباه أن سفر الرؤيا يقسم أنواع أو أجناس البشر إلى أربعة:
فورد في ترنيمة الأربعة حيوانات والأربعة والعشرين قسًا: "اشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ" (رؤ5: 9).. أربع تصنيفات هي: قبيلة، لسان، شعب، أمة...
ونفس التقسيم نجده في (رؤ7: 9) حيث يقول: بعد هذا نظرت، وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده، من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة، واقفون أمام العرش...
ويكرر نفس الكلام مرة أخرى عن ملاك "مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ، لِيُبَشِّرَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ وَكُلَّ أُمَّةٍ وَقَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ..." (رؤ14: 6). كما يكرر نفس التقسيم تقريبًا في (رؤ17: 15).
نلاحظ أن نفس الرقم قد استخدم في الحديث عن مجموعات معينة من البشر:
فقد ذكر الكتاب الأربع نبيات في العهد القديم، ثلاثًا يمثلن الخير، والرابعة تمثل الشر، في مهمة النبوة. وهن مريم أخت موسى وهارون (خر15: 20)، ودبورة القاضية (قض4: 4)، وخُلده (2مل22: 14)، ونوعدية النبية التي كانت تخيف نحميا (نح6: 14).
كما ذكر أربعة رجال أيضًا هم أصحاب أيوب: ثلاثة كانوا معزين متعبين وهم "أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ وَبِلْدَدُ الشُّوحِيُّ وَصُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ" (أي2: 11) (أي16: 2). والرابع هو "أليهو وكان يتكلم بكلمة الله" (أي32: 7).
الأربعة هنا وهناك، يمثلون الخليقة البشرية خيرًا وشرًا. وهناك أربعة يمثلون الشر أيام نحميا، وهم سنبلط، وطوبيا، وجشم، ونوعدية" (نح6: 1، 14).
وهناك أربعة آخرون يمثلون الخير، وهم دانيال والثلاثة فتية القديسون.
وأربع نساء ورد ذكرهن في نسب المسيح، وهن ثامار، وراحاب، وراعوث، وامرأة أوريا (مت1). يمثلن عالم المرأة واشتراكه في النسب المقدس، بينما نساء عديدات اشتركن فيه من 41 جيلًا في (مت1).
يمكن تتبع الرقم أربعة في مواد خيمة الاجتماع، وفي أغطيتها، وفي ستائرها.
ففي المواد: نجد الذهب، والفضة، والنحاس، والخشب. تتنوع في قيمتها، وتشترك في استخدامها، وكلها معًا تمثل المادة المساهمة في دور العبادة. ومن الأقمشة نجد الأسمانجوني، والأرجوان، والقرمز، والكتان...
العجيب أنه حتى الشيطان قد دخل الرقم أربعة أيضًا في أسمائه:
ووردت تلك الأسماء الأربعة كلها في آية واحدة في سفر الرؤيا، إذ يقول إن ملاكًا نزل من السماء: "فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ" (رؤ20: 2، 3).
الرقم أربعة هنا في أسماء الشيطان، يرمز إلى الخليقة الخاطئة المدمرة، في عمق سقوطها، وأيضًا عقوبة الله لهم.
وفي هذا الأصحاح يذكر العقوبة وقد شملت أربعة يمثلون كل الشر:
فيذكر "الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ"، الذين "حَاطُوا بِمُعَسْكَرِ الْقِدِّيسِينَ وَبِالْمَدِينَةِ الْمَحْبُوبَةِ" "فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُمْ... وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ20: 7- 10).
وهنا يذكر أربعة شملتهم الدينونة الرهيبة، وهم: الأمم الخاطئة، وإبليس، والوحش، والنبي الكذاب. والأربعة يمثلون كل الخليقة الخاطئة، سواء من البشر أو الملائكة.
طويل هو الحديث عن الرقم أربعة ورموزه، ولست مستطيعًا أن أوفيه حقه كاملًا في هذا المقال..
الرَقم 5 (خمسَة) يَرمز إلى الإنسَان (البشر)
الرَقم 5 (خمسَة) يَرمز إلى الإنسَان (البشر)
الرقم خمسة - إذا أخذ بذاته (5) وليس مركبًا (4+1)..
فإنه يرمز إلى الإنسان الذي يعيش حياته بخمس حواس.
والذي يظهر الرقم خمسة في كل أطرافه: فكل يد من خمسة أصابع، وكل قدم من خمسة أصابع...
ونجد هذا الرمز واضحًا في مثل العذارى (مت25).
صاحبات المصابيح اللائي كن ينتظرن العريس: الحكيمات والجاهلات...
فالخمس عذارى الحكيمات يرمزن إلى كل البشر الحكماء...
والخمس عذارى الجاهلات يرمزن إلى كل البشر الجهلاء...
ونلاحظ وجود هذا الرقم في الكتاب كثيرًا بهذا الرمز:
نلاحظ الرقم خمسة في محاربة داود لجليات:
أقصى ما فعله داود أنه اختار لمقلاعه خمس حصوات ملساء (1صم17: 40). وهي ترمز إلى أقصى ما يستطيعه البشر من جهد.
أما كونه قد هزمه بحصاة واحدة (والرقم واحد يرمز إلى الله)، فمعنى ذلك أنه هزمه بقوة الله (1)، وليس بقوة البشر (5).
وفي مثال هذه القوة، قال الكتاب أيضًا "يَطْرُدُ خَمْسَةٌ مِنْكُمْ مِئَةً" (لا26: 8).
وقال القديس بولس الرسول "أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيْضًا، أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ" (1كو14: 19).
نرى هذا الرقم أيضًا في معجزة إشباع الجموع.
كان أقصى ما قدمه البشر هو خمس خبزات...
وعدد خمسة آلاف رجل يدل على ما لا يحصى من البشر.
فرقم خمسة يدل على البشر. والألف هي مضاعفات عشرة وهو عدد الكمال.
والأرقام في هذه المعجزة تدل على أن أقل الإمكانيات البشرية (الخمس خبزات)، إذا وضعت في يد الله، عمل بها الكثير...
كذلك موضوع التنظيم بالنسبة إلى البشر، واضح هنا في عبارة "أَتْكِئُوهُمْ فِرَقًا خَمْسِينَ خَمْسِينَ" (لو9: 14). أيضًا بالرقم خمسة.
رمز هذا الرقم واضح أيضًا في مثل الوزنات (مت25).
واضح في هذا المثل أن أقصى ما يُعهد به إلى البشر من مسئوليات، عبرت عنه "خَمْسَ وَزَنَاتٍ". كما أن الربح البشري الممكن رمزت إليه عبارة "خَمْسُ وَزَنَاتٍ أُخَرُ" (مت25: 16، 20).
وحتى في مثل الأمناء (في لو19) نقرأ أيضًا عبارة "يَا سَيِّدُ، مَنَاكَ عَمِلَ خَمْسَةَ أَمْنَاءٍ" (لو19: 18).
أما الذي قال: "رَبحَ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ"، فإنه يستخدم نفس الرقم مضاعفًا، رمزًا لعمل النعمة معه بطريقة ضاعفته.
كذلك الشريعة التي سلمها الله للبشر تمثلت في خمسة أسفار.
هي أسفار موسى الخمسة: التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية، وقد لخصها الله لهم في السفر الخامس (التثنية).
نفس الرقم نراه في خيمة الاجتماع، أول مكان لعبادة البشر قد رسمه الله:
فقد جعل الله الرقم خمسة ومشتقاته، ممثلًا في مقاييس تلك الخيمة وأعمدتها وأوانيها، وكثير مما فيها:
فجدرانها من خمس شقق من هنا ومن هناك موصولة في بعضها البعض (خر26: 3، 4).
وخمس عوارض لألواح في جانبي المسكن الأول والمسكن الثاني (خر26: 26، 27).
والسجف لها خمسة أعمدة من السنط. وخمس أعمدة من نحاس (خر26: 37).
والمذبح طوله خمسة أذرع، وعرضه خمسة أذرع (خر27: 1).
كذلك نرى الرقم خمسة، في زيت المسحة، وفي البخور، اللذين كان يستخدمها الكهنة من البشر.
فزيت المسحة الذي كان يُمسح به الكهنة والملوك والأنبياء (وكلهم من البشر) والذي كانت تمسح به المقدسات، كان مركبًا من خمس مواد (خر30: 23- 25). ومقاديرها أيضًا من مضاعفات هذا الرقم.
والبخور الذي كان يرمز إلى صلوات البشر، كما يقول المرتل: "لِتَسْتَقِمْ صَلاَتِي كَالْبَخُورِ قُدَّامَكَ..." (مز141: 2).
كان هذا البخور أيضًا مركبًا من خمس مواد (خر30: 34، 35). وهذه المواد كانت أربعة عطور + الملح.
حتى خطايا البشر (كما في قصة السامرية) كان يرمز لها الرقم خمسة:
وفي هذا قال السيد المسيح لتلك المرأة الخاطئة: "كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ" (يو4: 18).
الرقم 6 (ستة) ومضاعفاته يَرمز إلى كمَال العَمَل
الرقم 6 (ستة) ومضاعفاته يَرمز إلى كمَال العَمَل
أكمل الله عمله في الخلق في ستة أيام. وأمر الإنسان قائلًا:
"سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ. لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ" (خر20: 9- 11). وقال أيضًا: "وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ تَسْتَرِيحُ، لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ثَوْرُكَ وَحِمَارُكَ، وَيَتَنَفَّسَ ابْنُ أَمَتِكَ وَالْغَرِيبُ" (خر23: 12).
وبهذا أصبح الرقم 6 يرمز إلى كمال العمل.
سواء بالنسبة إلى الله، أو الإنسان، أو الحيوان.
ولأن العمل على الأرض ينتهي، بعكس الراحة الأبدية التي لا تنتهي، لذلك ذكر الأصحاح الأول من سفر التكوين أن الأيام الستة قد انتهت بعبارة "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ...".
أما اليوم السابع رمز الراحة الكبرى، فلم يذكر أنه انتهى. ولم يقل "كان مساء وكان صباح يومًا سابعًا"!
وكمال عمل الفداء، يرتبط أيضًا بالرقم 6.
وهكذا نصلي في الساعة السادسة قائلين:
"يا من في اليوم السادس، وفي الساعة السادسة، سُمرت على الصليب من أجل الخطية التي تجرأ عليها أبونا آدم في الفردوس...".
ونصوم يوم الجمعة من كل أسبوع، لهذه المناسبة.
وإذا تتبعنا كلمات السيد المسيح على الصليب، نجد أن الكلمة السادسة هي "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30).
حتى الأرض - فحسب الشريعة - كانت تكمل عملها في ستة أعوام.
ويعطيها الإنسان راحة في العام السابع. وفي هذا قال الكتاب:
"سِتَّ سِنِينَ تَزْرَعُ أَرْضَكَ وَتَجْمَعُ غَلَّتَهَا، وَأَمَّا فِي السَّابِعَةِ فَتُرِيحُهَا وَتَتْرُكُهَا لِيَأْكُلَ فُقَرَاءُ شَعْبِكَ. وَفَضْلَتُهُمْ تَأْكُلُهَا وُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ. كَذلِكَ تَفْعَلُ بِكَرْمِكَ وَزَيْتُونِكَ" (خر23: 10، 11).
ولهذا كانت تمام البركة في الغلات، تمثلها بركة العام السادس:
وفي هذا قال الرب: "وَإِذَا قُلْتُمْ: مَاذَا نَأْكُلُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ إِنْ لَمْ نَزْرَعْ وَلَمْ نَجْمَعْ غَلَّتَنَا؟ فَإِنِّي آمُرُ بِبَرَكَتِي لَكُمْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ، فَتَعْمَلُ غَلَّةً لِثَلاَثِ سِنِينَ. فَتَزْرَعُونَ السَّنَةَ الثَّامِنَةَ وَتَأْكُلُونَ مِنَ الْغَلَّةِ الْعَتِيقَةِ إِلَى السَّنَةِ التَّاسِعَةِ..." (لا25: 20- 22).
لذلك نحن في البركة نقول: "يا من بارك في غلة العام السادس...".
ونفس الوضع كان في مباركة المَنّ في اليوم السادس.
وهكذا قال الرب عن المَنّ (طعام الشعب في البرية): "سِتَّةَ أَيَّامٍ تَلْتَقِطُونَهُ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ، لاَ يُوجَدُ فِيهِ... إِنَّ الرَّبَّ أَعْطَاكُمُ السَّبْتَ. لِذلِكَ هُوَ يُعْطِيكُمْ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ خُبْزَ يَوْمَيْنِ" (خر16: 26، 29).
والعبد أيضًا كان يكمل عبوديته في ست سنوات، يطلق بعدها.
وفي ذلك يقول الكتاب: "إِذَا اشْتَرَيْتَ عَبْدًا عِبْرَانِيًّا، فَسِتَّ سِنِينَ يَخْدِمُ، وَفِي السَّابِعَةِ يَخْرُجُ حُرًّا مَجَّانًا... إِنْ كَانَ بَعْلَ امْرَأَةٍ، تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ مَعَهُ" (خر21: 2، 3). إن سني عبوديته تكمل في ست سنوات.
وكمال عمل الله في أمن الإنسان، يظهر في مدن الملجأ.
وفي هذا قال الرب: "وَالْمُدُنُ الَّتِي تُعْطُونَ اللاَّوِيِّينَ تَكُونُ سِتٌّ مِنْهَا مُدُنًا لِلْمَلْجَأِ. تُعْطُونَهَا لِكَيْ يَهْرُبَ إِلَيْهَا الْقَاتِلُ" "فَتُعَيِّنُونَ لأَنْفُسِكُمْ مُدُنًا تَكُونُ مُدُنَ مَلْجَأٍ لَكُمْ، لِيَهْرُبَ إِلَيْهَا الْقَاتِلُ الَّذِي قَتَلَ نَفْسًا سَهْوًا" "مُدُنَ مَلْجَأٍ تَكُونُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلِلْغَرِيبِ وَلِلْمُسْتَوْطِنِ فِي وَسَطِهِمْ" (عد35: 6، 11، 14، 15).
إن رقم 6 هو كمال عدد المدن التي تكون للملجأ.
رقم 6 أيضًا نجده في معجزة عرس قانا الجليل.
أقصى ما وصل إليه البشر في الإعداد للمعجزة، أنهم ملأوا ستة أجران بالماء. ثم دخل العمل الإلهي في تحويل الماء إلى خمر (يو2: 6).
نلاحظ أن شفاعة أبينا إبراهيم في سادوم كملت في 6 طلبات.
بعدها لم يستمر في الطلب، بل كان الوعد الإلهي (تك18: 24- 33).
نرى رقم 6 واضحًا أيضًا في تجميل أستير كملكة.
هكذا حدث لها كما للنساء في تعطرهن، قبل دخولهن إلى الملك: "هكَذَا كَانَتْ تُكْمَلُ أَيَّامُ تَعَطُّرِهِنَّ، سِتَّةَ أَشْهُرٍ بِزَيْتِ الْمُرِّ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ بِالأَطْيَابِ وَأَدْهَانِ تَعَطُّرِ النِّسَاءِ" (أس2: 12).
كان هذا كمال ما يعمله البشر في التجميل. أما الجمال الطبيعي فهو من الله.
مضاعفات الرقم 6
نذكر في كمال العمل البشري أرقام 12، 30، 60 وغيرها.
الرقم 12
كمال العمل البشري في العهد القديم تمثل في اثني عشر سبطًا هم أبناء أبينا يعقوب، هم شعب الله القديم.
وكمال العمل البشري في العهد الجديد تمثل في كرازة وخدمة اثني عشر رسولًا من تلاميذ المسيح (مت10).
إن مضاعفات رقم 6 في الأسباط وفي التلاميذ إنما ترمز إلى كل العاملين في كرم الرب رجالًا ونساءً.
ويمثل عمل التسبيح بين السمائيين: الأربعة والعشرون كاهنًا (شيخًا) كما ورد في سفر الرؤيا (رؤ5: 4، 10، 11) (رؤ5: 8، 9).
يرمز نفس الرقم (12) إلى المختومين الـ 144 ألفًا (12 ألفًا من كل سبط).
وهنا الرقم رمزي، والأسباط عبارة عن رمز أيضًا.
الرقمان 30، 60
هذان الرقمان واضحان في مثل الزارع عن الزرع الجيد.
إذ قيل عن البذار: "وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ" (مت13: 8).
فإلى ماذا ترمز عبارة 30، وعبارة 60؟
إن كلمة (ثلاثين) ترمز إلى كمال عمل البشر، فهي عبارة عن 5×6 الرقم 5 يرمز إلى البشر كما شرحنا من قبل، والرقم 6 يرمز إلى كمال العمل. فيكون 5×6 عبارة عن كمال عمل البشر.
أما رقم 60 فيرمز إلى كمال العمل البشري مضاعفًا، بعمل النعمة فيه مع البشر.
أما المائة فهي عمل الله، حتى دون تدخل بشري.
فهي 10×10 أي كمال في كمال...
رقم 60 ورد في الحديث عن عرش سليمان في سفر النشيد.
إذ قيل إن "تَخْتُ سُلَيْمَانَ حَوْلَهُ سِتُّونَ جَبَّارًا" "كُلُّهُمْ قَابِضُونَ سُيُوفًا وَمُتَعَلِّمُونَ الْحَرْبَ..." (نش3: 7، 8). وسليمان يرمز إلى المسيح. والجبابرة الستون يرمزون إلى المؤمنين الذين يجاهدون في الحروب الروحية ويغلبون، وهم يطيعون وصايا الله.
فرقم 6 هنا يرمز إلى العمل البشري، ورقم 10 يرمز إلى الوصايا و6×10 أي كمال العمل بالوصايا. فالذين أكملوا العمل بوصايا الله هم الجبابرة الذين يحيطون بالعرش.
وعبارة "سِتُّونَ مَلِكَةً" (نش6: 8) ترمز إلى النفوس الطائعة التي تملك مع الرب.
ولما كان رقم (30) يرمز إلى كمال العمل البشري، فهو يرمز أيضًا إلى النضوج، لإمكان توصيل العمل إلى كماله.
لذلك نجد أن الله قد أمر موسى النبي من جهة كل الذين يخدمون في خيمة الاجتماع أن يكونوا "مِنِ ابْنِ ثَلاَثِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا" (عد4: 3، 23، 30، 35، 39، 43، 47).
وأيضًا داود النبي لما رتب خدمة اللاويين عدهم "مِنِ ابْنِ ثَلاَثِينَ سَنَةً فَمَا فَوْقُ" (1أي23: 3).
وداود نفسه الذي مُسح ملكًا منذ طفولته، لم يستلم الملك وقتذاك. إنما قيل عنه "كَانَ دَاوُدُ ابْنَ ثَلاَثِينَ سَنَةً حِينَ مَلَكَ" (2صم5: 4).
وبدأ يوحنا المعمدان خدمته وهو في سن الثلاثين.
بل قيل أيضًا عن الرب يسوع - من جهة خدمته حسب الناموس - "وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً" (لو3: 23).
ورقم (30) كما يرمز للنضوج في كمال العمل البشري، يرمز أيضًا إلى القوة.
حين أمر الملك بإخراج إرميا النبي من الجب، قيل إنه أرسل ثلاثين رجلًا ليخرجوه (إر38: 10).
ولما حدث أن صموئيل النبي دعا شاول إلى الوليمة مقدمةً لمسحه ملكًا، جعله على رأس المدعوين وهم ثلاثون (1صم9: 22).
وما أعجب ما قيل عن يائير الجلعادي أحد البارزين في سفر القضاة، إنه "كَانَ لَهُ ثَلاَثُونَ وَلَدًا يَرْكَبُونَ عَلَى ثَلاَثِينَ جَحْشًا، وَلَهُمْ ثَلاَثُونَ مَدِينَةً" (قض10: 4) هذا كمال ما يصل إليه البشر من العظمة.
وبالمثل ما قيل عن (إِبْصَانُ). وَكَانَ لَهُ ثَلاَثُونَ ابْنًا وَثَلاَثُونَ ابْنَةً... وَأَتَى مِنَ الْخَارِجِ بِثَلاَثِينَ ابْنَةً (زوجة) لِبَنِيهِ" (قض12: 9).
لماذا هذه الأرقام بالذات في تاريخ هؤلاء؟
ومثلها نفس الأرقام في أحجية شمشون "أَحْضَرُوا ثَلاَثِينَ مِنَ الأَصْحَابِ" فقال لهم: إن حللتم أحجيتي "أُعْطِيكُمْ ثَلاَثِينَ قَمِيصًا وَثَلاَثِينَ حُلَّةَ ثِيَابٍ" (قض14: 11، 12). وإلا فيعطونه نفس العدد من القمصان والحلل...
ولما كان كمال العمل البشري مرتبطًا بالزمن، لذلك رأينا مضاعفات الرقم 6 مرتبطة بالزمن أيضًا:
فكمال اليوم عبارة عن 24 ساعة (6×4).
وكمال 60 دقيقة (6×10). وكذلك كمال الدقيقة 60 ثانية. وكمال الشهر 30 يومًا (6×5). وكمال السنة 12 شهرًا (6×2). كلها مضاعفات الرقم 6.
مضاعفات أخرى
يعقوب أبو الآباء: آخر ما وصل إليه جهده البشري في إنجاب الأبناء (من الزوجات والجواري) هو 66 من صُلبه دخلوا إلى أرض مصر (تك46: 26). إنه نفس الرقم 6 ومضاعفاته.
وأخيرًا فإن كمال العمل في الشر رمز إليه الرقم 6.
كما ظهر ذلك في عدد الوحش - رقم 666 (رؤ13: 18) وقال السفر إنه "عَدَدُ إِنْسَانٍ".
الرقم 7 (سبعة) رمز للكمال
الرقم 7 (سبعة) رمز للكمال
يكاد الرقم سبعة أن يكون أشهر وأهم رقم في الكتاب المقدس.
حتى إن البعض وضع كتابًا اسمه "سُباعيات الكتاب" شرح فيه تركيب أجزاء كثيرة من الكتاب على الرقم سبعة، في عدد كلماته وحروفه وجمله، بطريقة مذهلة. ولكن لا يستفيد منه سوى العارفين باللغات الأصلية للكتاب.
غير أننا هنا، سنعرض للموضوع بطريقة سهلة، بعيدة عن البحوث اللغوية والرقمية التي تستلزم دراسات فوق مستوى القارئ العادي. ونقول:
إن الرقم يبدأ به أول سفر في الكتاب، وكذلك آخر سفر أيضًا "سفر الرؤيا".
فأول سفر "التكوين" يبدأ بالسبعة أيام... وكيف أن الله بارك هذا اليوم السابع، الذي لم ينته بعد، ولم يقل عنه الكتاب "كان مساء، وكان صباح يومًا سابعًا".. وحينما منح الله الشريعة المكتوبة، جعل اليوم السابع هو يومه، يوم الرب، يكون مقدسًا له (خر20: 8)، (تث5: 12).
وسفر الرؤيا آخر أسفار الكتاب يبدأ بسبع رسائل يرسلها الرب إلى سبعة رعاة لسبع كنائس في آسيا. ويرينا الرب واقفًا في وسط المنائر السبع، التي هي السبع كنائس، ويمسك السبعة الكواكب في يمينه (رؤ1: 20) (رؤ2: 1).
ألعل السبع الكنائس ترمز إلى كنائس العالم؟ وحالاتها ترمز إلى كل الحالات؟
والرسائل المرسلة إليها هي رسائل إلى الكل، والبركات التي للغالبين فيها هي بركات ووعود لكل الغالبين في الحياة الروحية في أرجاء المسكونة كلها... وإنها لكذلك... وملائكتها يرمزون إلى جميع الرعاة...
ويعوزنا الوقت إن تحدثنا عن الرقم سبعة في سفر الرؤيا.
ففي هذا السفر نقرأ عن سبعة ختوم خُتم بها السفر (رؤ5: 1)، أي أنه كان كاملًا جدًا في ختمه...
ويتحدث السفر عن رؤساء الملائكة السبعة، الذين يسميهم "سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ الْمُرْسَلَةُ إِلَى كُلِّ الأَرْضِ" (رؤ5: 6). ويتحدث أيضًا عن السبعة أبواق التي بوق بها "السَّبْعَةَ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ يَقِفُونَ أَمَامَ اللهِ" (رؤ8: 2). وما حدث بسبب هذه الأبواق السبعة. ولا شك أنها تحمل سبع نبوءات عن أواخر الأيام (رؤ8، 9) مع سبع نبوءات أُخر تتعلق بفك الختوم السبعة... (رؤ6).
ونقرأ في سفر الرؤيا عن التنين أنه كانت "لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ" (رؤ12: 3) "وَعَلَى رُؤُوسِهِ سَبْعَةُ تِيجَانٍ". وأن الوحش أيضًا كانت "لَهُ سَبْعَةُ رُؤُوسٍ" عليها تيجان أيضًا (رؤ13: 1).
فهل هذه الرؤوس السبعة التي للتنين والتي للوحش ترمز إلى كل الطاقات الشريرة وإلى كل الرؤساء والملوك المقاومين لملكوت الله!
وهل الضربات السبع، والويلات السبع، ترمز إلى كل الضيقات التي تأتي على العالم قبل الانقضاء؟
إن انتهاء اليوم السابع سيكون معه انتهاء العالم وزواله. فهو يرمز بلا شك إلى كمال عمر هذا العالم الحاضر بسمائه وأرضه (مت5: 18) ... الذي فيه يستريح الرب الراحة الكاملة من كل ما اقترفته الأرض من خطايا وأهوال.
فالرقم سبعة يرمز إلى كمال الراحة.
إننا نرى أن إيليا استراح من جهاده لأجل سقوط المطر في الصلاة السابعة (1مل18: 44).
كذلك نعمان السرياني لم يسترح من مرضه، من برصه، إلا في الاغتسال السابع، لما اغتسل في الأردن سبع مرات حسب أمر أليشع النبي له (2مل5: 14، 10). والشعب استراح من أسوار أريحا في الدورة السابعة (يش6: 16، 20).
وكانت الأرض تستريح في العام السابع (لا25: 2- 7). والعبد أيضًا كان يحرر من عبوديته ويستريح في السنة السابعة (خر21: 2).
على أن الرقم سبعة لم يكن يرمز فقط إلى الكمال في الراحة، وإنما في كل شيء.
كان الرقم سبعة يرمز أيضًا إلى كمال الخطية، وكمال العقوبة، وكمال التكفير...
فمن جهة كمال السقوط، قال الكتاب: "الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ" (أم24: 16). ولا يقصد هنا المعنى الحرفي للرقم سبعة، بل أنه مهما سقط يتوب، أيًا كان عدد مرات السقوط. وهنا نقول أيضًا أنه لم يكن عبثًا أن الكتاب ذكر عن مريم المجدلية أن المسيح أخرج منها سبعة شياطين (مر16: 9) (لو8: 2).
وأصحاب أيوب، لما أراد الرب أن يشعرهم بكمال خطيئتهم أمرهم أن يقدموا محرقة من "سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ" (أي42: 8).
في يوم الكفارة العظيم كان يقدم ثور واحد (لا16).
أما هنا فسبعة. وذلك لأن الله أراد أن يشعرهم بعظم خطيئتهم. وبالمثل كانت أيضًا الذبائح التي قدمها بلعام (عدد23: 1).
وكذلك في عقوبة نبوخذ نصر، أمر الله أن تستمر عقوبته سبعة أزمنة (دا4: 16).
وفي سفر اللاويين يقول الرب: "وَإِنْ كُنْتُمْ مَعَ ذلِكَ لاَ تَسْمَعُونَ لِي، أَزِيدُ عَلَى تَأْدِيبِكُمْ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ" (لا26: 18). إنه يشير هنا إلى كمال التأديب وشدته. وفي سفر الأمثال عن السارق أنه "يرد سبعة أضعاف" (أم6: 31).
ورمزًا لكمال العقوبة والتكفير، كان ينضح من دم الذبيحة سبع مرات لدى حجاب القدس (لا4: 6، 17).
رمزًا إلى أن الحجاب بين الله والناس، قد أخذ حقه تمامًا من الدم، مشيرًا بهذا إلى كمال الكفارة التي قدمت.
وعقوبة النجاسة كانت تستمر إلى سبعة أيام (لا15). وقد شرح الكتاب أمثلة لها.
واستخدم السيد المسيح هذا الرقم في المغفرة.
فلما سأله بطرس: "كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟" أجابه قائلًا: "لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ" (مت18: 21، 22). وواضح هنا أن الرقم يرمز إلى كمال مرات المغفرة، وليس إلى التحديد العددي.
واستخدم الكتاب هذا الرقم أيضًا في مجال البركة واللعنة:
فقال في البركة: "يَجْعَلُ الرَّبُّ أَعْدَاءَكَ الْقَائِمِينَ عَلَيْكَ مُنْهَزِمِينَ أَمَامَكَ. فِي طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ يَخْرُجُونَ عَلَيْكَ، وَفِي سَبْعِ طُرُقٍ يَهْرُبُونَ أَمَامَكَ" (تث28: 7). ولا يقصد عدد الطرق، وإنما كمال هروبهم. ونفس الأسلوب استخدم في مجال العقوبة (تث28: 25).
ونجد نفس الرقم في تفسير حلم فرعون.
سبع بقرات سمان، وسبع بقرات هزيلة. وبالمثل سبع سنابل ممتلئة، وسبع سنابل رقيقة. وكانت كل من المجموعتين السبع السمينة تشير إلى سبع سنوات من الشبع. والباقيات تشير إلى سبع سنوات عجاف (تك41).
وفي أحداث كثيرة من التاريخ استخدم هذا الرقم أيضًا.
ففي الإشارة إلى كمال الحزن على بلية أيوب الصديق، قيل إن أصحابه جلسوا معه صامتين على الأرض "سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَال" (أي2: 13) أي كمال مدة العزاء والحزن والكآبة.
وفي خوف قايين من قتله، قيل: "كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ"... "وأما من قتل لامك، "فَسَبْعَةً وَسَبْعِينَ" (تك4: 15، 24) ... وواضح أن المقصود ليس هو الحرفية العددية، وإنما كمال الانتقام له.
وفي محبة يعقوب لراحيل، قيل إنه خدم بها سبع سنوات (تك29: 18، 20). كما خدم سبع سنين أُخر بأختها الكبرى ليئة (تك 29: 27، 30).
إن سبع سنوات يخدمها يعقوب لأجل التزوج براحيل، إنما ترمز إلى كمال تعبه من أجلها. ولو قيل إنه خدم 15 سنة لأجلها، ما أعطى هذا التعبير نفس القوة التي تعطيها رموز الرقم 7.
في قصة شمشون الجبار، قال في خداعه: "إِذَا أَوْثَقُونِي بِسَبْعَةِ أَوْتَارٍ طَرِيَّةٍ... أَضْعُفُ وَأَصِيرُ كَوَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ" (قض16: 7).
ولم يقصد المعنى العددي إنما الرمزي، أي أكبر ما يمكن أن يقدمه ربط إنسان بالأوتار.
لما قال إيليا النبي "وبقيت أنا وحدي" أجابه الرب بأن هناك "سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الَّتِي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ" (1مل19: 18). والمقصود هنا عدد كامل كبير من الناس، حتى لو كانت حرفية العدد قائمة فعلًا.
وفي تقديس هارون وبنيه وثيابهم:
يقول الرب لموسى عن الثياب المقدسة: "سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَلْبَسُهَا الْكَاهِنُ... الَّذِي يَدْخُلُ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ لِيَخْدِمَ فِي الْقُدْسِ" (خر29: 30). "سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَمْلأُ أَيْدِيَهِمْ... سَبْعَةَ أَيَّامٍ تُكَفِّرُ عَلَى الْمَذْبَحِ وَتُقَدِّسُهُ، فَيَكُونُ الْمَذْبَحُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ. كُلُّ مَا مَسَّ الْمَذْبَحَ يَكُونُ مُقَدَّسًا" (خر29: 35، 37).
لماذا هذا الرقم سبعة بالذات؟ أليس وراءه سرّ أو رمز؟
نلاحظ أن يوم الكفارة العظيم، بكل ما يحمل من رموز للفداء، كان "فِي الشَّهْرِ السَّابعِ" (لا16: 29) وفيه كان يكفر عن الشعب لتطهيره. "وَتَكُونُ هذِهِ لَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً لِلتَّكْفِيرِ" عنهم "مِنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُمْ مَرَّةً فِي السَّنَةِ" (لا16: 34). وفي نفس اليوم يتم التكفير عن "مَقْدِسِ الْقُدْسِ. وَعَنْ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَالْمَذْبَحِ... وَعَنِ الْكَهَنَةِ" (لا16: 33).
لماذا اختار الله ليوم الكفارة العظيم هذا الشهر السابع بالذات؟
نلاحظ أيضًا أمرًا يستحق التأمل وهو:
أول إنسان صعد إلى السماء، كان هو أخنوخ، السابع من آدم.
انظر (تك5: 24)، (يه14).
هذا السابع في سلسلة الأنساب من آدم، هل ترتيبه يحمل رمزًا في صعوده إلى السماء، وفي قول الكتاب عنه: "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ"...؟
كذلك هل يحمل رمزًا أنه كانت سبع درجات تقود إلى الهيكل (حز40: 22، 26).
وهل يحمل رمزًا أيضًا أن الحيوانات الطاهرة والطيور الطاهرة التي أخذها أبونا نوح معه داخل الفلك "أدخلها سبعة سبعة" (تك7: 2، 3).
طبعًا العدد كبير، لاستبقاء حياة من نفس النوع، إذا قدمت منها ذبائح... ولكن لماذا الرقم 7 بالذات؟
على أن هناك مواضع كثيرة في الكتاب المقدس، لم يذكر فيها الرقم سبعة بالذات. ولكن محتوياتها تدل على الرقم 7.
كما أود أن أتكلم عن هذا الرقم في:
عقائد الكنيسة وطقوسها - في الروحيات والعبادة.
في الأعياد والأصوام والصلوات.
في أمور تتعلق بالسيد المسيح والروح القدس.
كما ذكر هذا الرقم بوضوح. ووعدنا أن نتكلم عنه في مواضع لم يرد ذكره فيه علانية. ولكن عددها يدل عليه. ومنها:
كلمات السيد المسيح على الصليب...
كانت سبع كلمات، مع عدم ذكر رقم سبعة وهي:
1- "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو23: 34).
2- "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43).
3- "يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ" (يو19: 26) ... "هُوَذَا أُمُّكَ" (يو19: 27).
4- "إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟" (مر15: 34) (مت27: 46).
5- "أَنَا عَطْشَانُ" (يو19: 28).
6- "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30).
7- "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي" (لو23: 46).
إنها سبع كلمات، ولكنها كاملة في كل ما تحمله من معانٍ. اقرأ كتابنا عن "كلمات المسيح على الصليب".
نذكر مثالًا آخر وهو:
الطلبات السبع في الصلاة الربّية:
إنها الصلاة التي علمنا الرب إياها. وقد ضمنها كل ما يمكن أن نقوله، وركز ذلك في سبع طلبات وهي:
1- "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ".
2- "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ".
3- "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ".
4- "خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ".
5- "اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا".
6- "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ".
7- "لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ".
لماذا هي سبع طلبات بالذات؟ ألا يحمل الرقم سبعة رمزًا إلى الكمال؟ ...
ظهورات الملائكة خلال تجسد المسيح على الأرض، رمزت لكمالها سبع ظهورات، أو سبع مناسبات:
1- ظهورهم للرعاة يبشرونهم (لو2: 9).
2- ظهر ملاك الرب ليوسف يوصيه أن يأخذ الطفل وأمه ويذهب إلى مصر (مت2: 13).
3- ظهور ملاك الرب ليوسف مرة أخرى، يوصيه بأن يأخذ الطفل وأمه ويرجع إلى إسرائيل (مت2: 19، 20).
4- ظهور ملائكة بعد التجربة على الجبل، وقد جاءت لتخدم الرب (مت4: 11) (مر1: 13).
5- ظهور ملاك من السماء مع الرب في بستان جثسيماني (لو22: 43).
6- ظهور الملائكة عدة مرات في أحداث القيامة (مت28: 2) (مر16: 5) (لو24: 4) (يو20: 12).
7- ظهور ملاكين عند صعود المسيح (أع1: 10).
المعجزات التي ذكرها إنجيل يوحنا:
على الرغم من أنه قال إن معجزات كثيرة "إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ" (يو21: 25) ... إلا أنه على الرغم من هذا اختار سبع معجزات لم ترد في أي إنجيل آخر، بالإضافة إلى الخمس خبزات. وهي:
1- معجزة معرفة الغيب التي أعلنها الرب لنثنائيل فآمن به (يو1: 48، 49).
2- معجزة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل (يو2: 1- 11). وهي معجزة تحمل عنصر الخلق.
3- شفاء مريض بيت حسدا بعد 38 سنة من المرض، وبمجرد الأمر "قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" (يو5: 1- 9).
4- شفاء ابن خادم الملك في كفر ناحوم بكلمة، دون أن يراه (يو4: 46- 54). فآمن هو وأهل بيته.
5- منح البصر للمولود أعمى، وتحمل عنصر الخلق أيضًا (يو9).
6- إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام (يو11).
معجزة صيد السمك الكثير بعد القيامة (يو21).
الأعياد في العهد القديم سبعة أعياد..
فبالإضافة إلى يوم السبت "اليوم السابع من كل أسبوع" نرى الأصحاح 23 من سفر اللاويين يقدم لنا سبعة أعياد هي:
1- عيد الفصح (ع5).
2- عيد الفطير "سَبْعَةَ أَيَّامٍ" (ع6).
3- عيد الحصاد (ع10).
4- عيد الباكورات "الخمسين" في غد السبت السابع (ع15، 16).
5- عيد الأبواق "في أول الشهر السابع" (ع24).
6- يوم الكفارة "اليوم الْعَاشِرُ مِنْ الشَّهْرِ السَّابعِ" (ع27).
7- "عِيدُ الْمَظَالِّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ" (ع34).
وبالإضافة إلى أن عدد هذه الأعياد سبعة، نرى الرقم سبعة أيضًا في تفاصيلها.
لماذا جعل الرب هذه الأعياد سبعة؟ لأن الرقم سبعة يرمز أيضًا إلى الكمال، فكأنها تمثل كمال الفرح. ويظهر هذا الكمال في أن بعضها يستمر سبعة أيام، "أو في اليوم السابع، أو في الشهر السابع، أو بعدد كمال سبعة أسابيع.
والأعياد في الكنيسة نرى فيها الرقم سبعة. فالأعياد الكبار مثلًا هي:
1- عيد البشارة.
2- عيد الميلاد.
3- عيد الغطاس.
4- أحد الشعانين.
5- عيد القيامة.
6- عيد الصعود.
7- عيد العنصرة "حلول الروح القدس".
والأعياد الصغار أيضًا سبعة:
1- عيد الختان.
2- عيد دخول السيد المسيح إلى الهيكل.
3- عيد مجيء الرب إلى أرض مصر.
4- عيد حضوره عرس قانا الجليل.
5- عيد التجلي.
6- خميس العهد.
7- أحد توما.
كذلك نلاحظ أن أسرار الكنيسة سبعة. وكلها تعتمد على نصوص من الكتاب المقدس.
1- سرّ المعمودية (يو3: 5) (تي3: 5) (غلا3: 27) (مر16: 16) (مت28: 19).
2- سرّ المسحة المقدسة – الميرون (1يو2: 20، 27).
3- سرّ الاعتراف (أع19: 18) (مت3: 6) (يع5: 16).
4- سرّ الإفخارستيا (مت26: 26- 28) (مر14: 22- 25) (لو22: 19، 20) (يو6: 51- 56) (1كو11: 23- 29).
5- سرّ الزواج (مت19: 4- 6) (أف5: 31، 33).
6- سرّ الكهنوت (يو20: 22، 23) (مت18: 18).
7- سرّ مسحة المرضى (يع5: 14، 15).
والأصوام في الكنيسة أيضًا سبعة أصوام:
1- صوم يومي الأربعاء والجمعة.
2- صوم الميلاد.
3- صوم يونان النبي.
4- صوم الأربعين المقدسة "الصوم الكبير".
5- صوم أسبوع الآلام "البصخة المقدسة".
6- صوم الرسل.
7- صوم السيدة العذراء.
والصلوات اليومية، أو صلوات الساعات "الأجبية" هي سبع صلوات في اليوم:
صلاة باكر "الساعة الأولى من النهار" (مز63: 1).
2- صلاة الساعة الثالثة (أع2: 15).
3- صلاة الساعة السادسة (أع10: 9).
4- صلاة الساعة التاسعة (أع3: 1).
5- صلاة الغروب (مز119: 55).
6- صلاة النوم (مز119).
7- صلاة نصف الليل (مز119: 62).
ولعل هذا العدد من الصلوات يرجع أيضًا إلى قول داود النبي في المزمور الكبير: "سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ" (مز119: 164).
وقد أوردنا آيات من المزامير، ومن سفر أعمال الرسل، تُثبت ممارسة الكنيسة لهذه الصلوات السبع، سواء في العهد القديم، أو في العصر الرسولي.
رقم سبعة في الصلوات، يرمز إلى الكمال الذي دعانا إليه الرب أن نصلي كل حين ولا نمل (لو18: 1). وكما دعانا الرسول أن نصلي بلا انقطاع (1تس5: 17).
الرقم 8 رَمز بداية جَديدة
رَمز بداية جَديدة
أتمّ الله عمله في ستة أيام. فأصبح الرقم 6 رمزًا لإتمام العمل. واستراح الله في اليوم السابع. وصارت السبعة أيام التي هي كمال مرحلة زمنية، رمز الكمال.
فماذا نقول إذًا عن الرقم 8 سوى أنه بداية لمرحلة جديدة، لأسبوع جديد.
وهكذا أصبح الرقم 8 "ثمانية" رمزًا لبداية جديدة.
وهذا ما سنعرضه في هذا المقال، بأمثلة عديدة في الكتاب المقدس.
1- إن كان الرقم 7 مثلًا يرمز إلى كمال الحياة، فيكون الرقم 8 هو رمز لبداية حياة جديدة، ربما انتهاء الحياة الأولى بالموت.
وهكذا يمكن أن يكون الرقم 8 رمزًا للقيامة، وهي حياة جديدة.
وهذا ما حدث في قيامة السيد المسيح. قام في اليوم الثامن، أي في بداية أسبوع جديد، بعد أسبوع من المحاكمة والموت والصلب والدفن.
ومما يستلفت النظر في أمر القيامة هذه، أن الكتاب لم يذكر لنا بالاسم سوى ثماني معجزات من إقامة الأموات:
السيد المسيح أقام ثلاثة: ابنة يايرس، وابن أرملة نايين، ولعازر.
مع معجزتين من الرسل: القديس بطرس أقام طابيثا، والقديس بولس أقام أفتيخوس.
وثلاث معجزات في العهد القديم: إيليا النبي أقام ابن أرملة صرفة صيدا (1مل17)، وأليشع النبي أقام ابن الشونمية، وميت قام بواسطة عظام أليشع.
فيكون مجموع هؤلاء ثمانية، قاموا من الموت، وبدأوا حياة جديدة.
2- وبداية عهد جديد في الحياة مع الله، كانت بعلامة الختان.
والختان كان في اليوم الثامن من ولادة الطفل (تك17: 9- 12).
وبه كان يبدأ عهدًا مع الله، ويبدأ أن يكون عضوًا في جماعة الله أي من رعيته وشعبه. ويرمز الختان إلى المعمودية في العهد الجديد (كو2: 11، 12) وهي بداية الانضمام إلى شعب الله وإلى عضوية كنيسته.
3- لقد أهلك الله العالم بالطوفان، وأراد أن يبدأ بجماعة جديدة تخلف هؤلاء الذين هلكوا وغرقوا بالطوفان.
وكانت البداية الجديدة بثماني أنفس في الفلك (1بط3: 20).
وهم نوح وزوجته، وأولاده الثلاثة وزوجاتهم.
4- ولما دبّ الفساد في أولاد نوح، كما دب من قبل في أولاد آدم، وأراد الله أن يبدأ بداية جديدة، بدأها بأبينا إبراهيم.
أبونا إبراهيم الذي بدأ به الله بداية جديدة، كان له ثماني أولاد.
إسحاق وإسماعيل، وستة أولاد من قطورة هم زمران ويقشان، ومدان، ومديان، ويشباق، وشوح (تك25: 1، 2).
وإسحاق الذي أخذ الوعد، ولد من سارة بعد موت أو فناء مستودعها (تك18: 12). ولكنه بدأ ببداية جديدة، فكانت ولادة إسحاق.
5- كان السيد المسيح ابن إبراهيم وابن إسحاق. وكان ابن داود أيضًا.
ونجد في اختيار داود مسيحًا للرب، نفس قصة الرقم 8 أيضًا.
أرسل الرب صموئيل النبي ليمسح واحدًا من أولاد يسَّى البيتلحميِّ. فأحضر يسَّى أولاده السبعة، ومررهم واحدًا فواحدًا أمام النبي العظيم. ولكن الرب رفضهم جميعًا. وسأل صموئيل هل من ابن آخر. وأجاب "بَقِيَ بَعْدُ الصَّغِيرُ وَهُوَذَا يَرْعَى الْغَنَمَ" (1صم16: 11).
وجاءوا بداود، الابن الثامن، لبدء عملية اختيار جديد. وكان هو مختار الرب ومسيحه.
مسحه صموئيل النبي، وحلَّ عليه روح الرب. وبدأ به ملكًا جديدًا حسب اختيار الرب، بدلًا من الملك المرفوض منه أعني شاول.
6- نرى الرقم 8 أيضًا في موضوع الكهنوت.
كان الكهنوت قديمًا، قبل موسى وهارون، واضحًا في رؤساء الآباء، أمثال نوح وإبراهيم وأيوب. وكان الرب يختار الأبكار ليكونوا له (خر13: 2).
ثم أراد الرب بدء مرحلة جديدة، بكهنوت جديد، هو الكهنوت الهاروني.
وما دامت مرحلة جديدة، وكهنوتًا جديدًا سوف يبدأ، إذًا يليق بذلك الرقم 8. فكيف كان ذلك؟ أحضر موسى هارون أخاه وبنيه، وجعلهم يقيمون في خيمة الاجتماع أسبوعًا كاملًا لا يخرجون من بابها (لا8: 33). بإعدادات كثيرة صنعها لهم وردت في الأصحاح الثامن من سفر اللاويين. وماذا بعد؟
يقول الكتاب: "وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ دَعَا مُوسَى هَارُونَ وَبَنِيهِ وَشُيُوخَ إِسْرَائِيلَ" (لا9: 1). وقال لهم: "الرب اليوم يتراءى لكم" (لا9: 6). وأمر هارون ببدء عمله ككاهن بتقديم ذبيحة (لا9: 7).
وبدأ هارون هذا الكهنوت الجديد في اليوم الثامن. وقدم ذبيحة الخطية وذبيحة المحرقة، ورفع يده وبارك الشعب (لا9: 22).
"وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَحْرَقَتْ عَلَى الْمَذْبَحِ الْمُحْرَقَةَ وَالشَّحْمَ" (لا9: 24).
"وتراءى مجد الرب". وكان ذلك بدء مرحلة جديدة للكهنوت.
7- ونلاحظ وجود الرقم 8 في موضوع الذبائح أيضًا، كما ورد في سفر اللاويين إذ يقول الكتاب: "مَتَى وُلِدَ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ أَوْ مِعْزًى يَكُونُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَحْتَ أُمِّهِ، ثُمَّ مِنَ الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَصَاعِدًا يُرْضَى بِهِ قُرْبَانَ وَقُودٍ لِلرَّبِّ" (لا22: 27). ونفس الوصية في سفر الخروج (خر22: 30).
انتهت مرحلة الرضاعة، وتبدأ مرحلة الصلاحية لتقديمه ذبيحة. وذلك من اليوم الثامن.
8- نذكر قصة الأحد الجديد، اليوم الثامن للقيامة وأهمية ذلك.
لم يستطع التلاميذ أن يتفهموا معجزة قيامة الرب، ولم يصدقوا ما قالته لهم مريم المجدلية ولا ما قاله تلميذا عمواس (مر16: 9- 13). وكذلك ما قالته النسوة "فَتَرَاءَى كَلاَمُهُنَّ لَهُمْ كَالْهَذَيَانِ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ" (لو24: 11). وحتى مريم المجدلية أيضًا ساورتها نفس الشكوك، وظنت أن البعض قد سرقوا الجسد وقالت: "أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ!" (يو20: 2). وكررت نفس القول مرتين أخريين (يو20: 13، 15).
وحتى لما ظهر الرب للتلاميذ "فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا" (لو24: 37). ولذلك وبخهم الرب على عدم إيمانهم بقيامة الجسد...
إنها مرحلة طويلة من الشك، وصلت قمتها عند توما الذي قال: "إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِنْ" (يو20: 25).
ولكن انتهت مرحلة الشك هذه، وبدأت مرحلة جديدة من الإيمان، وذلك في اليوم الثامن.
كان ذلك يوم أحد توما، اليوم الثامن للقيامة. ويبدأ يوحنا الإنجيلي هذا الحديث الهام بقوله: "وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ..." (يو20: 26).
وفي ذلك اليوم، ظهر الرب لهم، وأرى توما يديه وجنبه، وقال له: "هَاتِ إِصْبِعَكَ... وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا"، وآمن توما وصاح قائلًا: "رَبِّي وَإِلهِي!" (يو20: 28). وانتهت مرحلة الشك عند الرسل إلى غير رجعة، وبدأت مرحلة قوية من الإيمان. إنها بداية جديدة في اليوم الثامن.
9- والرقم 8 نجده أيضًا في بدء تأسيس الكنيسة في يوم حلول الروح القدس.
كان ذلك في اليوم الخمسين. وماذا يعني اليوم الخمسين؟ وما علاقته بالرقم ثمانية؟
عيد الخمسين معروف في العهد القديم، وهو رمز للخمسين في العهد الجديد. وهكذا قال الرب في سفر اللاويين: "ثُمَّ تَحْسُبُونَ لَكُمْ مِنْ غَدِ السَّبْتِ... سَبْعَةَ أَسَابِيعَ تَكُونُ كَامِلَةً. إِلَى غَدِ السَّبْتِ السَّابعِ تَحْسُبُونَ خَمْسِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تُقَرِّبُونَ تَقْدِمَةً جَدِيدَةً لِلرَّبِّ" (لا23: 15، 16).
سبعة أسابيع تمضي، ويوم الخمسين هو بدء الأسبوع الثامن.
وفي بدء الأسبوع الثامن، في العهد الجديد كان تأسيس الكنيسة: كان حلول الروح القدس، ومعجزة الألسنة، وإيمان ثلاثة آلاف من اليهود وعمادهم (أع2: 1- 41).
وهكذا ارتبط تأسيس الكنيسة أيضًا بالرقم ثمانية، وبه بدأ عهد جديد من الكرازة والإيمان والشهادة للرب (أع1: 8).
وبنفس المنطق والشرح يمكن تتبع رقم خمسين من جهة الزمن وارتباطه بالرقم ثمانية.
سواء سبعة أسابيع أيام يعقبها اليوم الخمسين. أو سبعة أسابيع سنين يعقبها العام الخمسون. رقم سبعة يرمز في الأيام إلى الكمال. وسبعة في سبعة أي 49 يرمز إلى كمال أكبر، تعقبه بداية مرحلة جديدة في الرقم خمسين.
10- وهكذا كان عيد اليوبيل في العام الخمسين في العهد القديم.
ورد ذلك في سفر اللاويين، أصحاح 25، حيث قال الرب: "وَتَعُدُّ لَكَ سَبْعَةَ سُبُوتِ سِنِينَ. سَبْعَ سِنِينَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. فَتَكُونُ لَكَ أَيَّامُ السَّبْعَةِ السُّبُوتِ السَّنَوِيَّةِ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً... وَتُقَدِّسُونَ السَّنَةَ الْخَمْسِينَ، وَتُنَادُونَ بِالْعِتْقِ فِي الأَرْضِ لِجَمِيعِ سُكَّانِهَا. تَكُونُ لَكُمْ يُوبِيلاً... إِنَّهَا يُوبِيلٌ. مُقَدَّسَةً تَكُونُ لَكُمْ" (لا25: 8- 12).
11- أحداث أخرى في التاريخ، عن بدايات هامة، ترتبط كذلك بالرقم ثمانية:
أتى يوشيا الملك بعد عهد سيئ من عبادة الأصنام، فأعاد كل شيء للرب. وقيل عنه:
"كَانَ يُوشِيَّا ابْنَ ثَمَانِ سِنِينٍ حِينَ مَلَكَ" (2مل22: 1) كعهد الختان في اليوم الثامن. وكان حكمه بداية مشرقة في تاريخ الشعب.
كذلك حزقيا الملك الصالح، الذي أزال عبادة الأصنام، وطهر بيت الرب، قيل في ذلك: "وَقَدَّسُوا بَيْتَ الرَّبِّ فِي ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ" (2أي29: 17). رمزًا لهذا العهد الجديد.
كلمة أخيرة أحب أن أضعها في ختام الحديث عن الرقم ثمانية:
12- فلنبحث رموز الرقم ثمانية في عيد المظال ثم ما يرمز إليه عيد المظال:
كانوا يسكنون في خيام سبعة أيام، رمزًا لكمال غربة الناس في العالم. فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ يَكُونُ لهم محفل مقدس، وعيد (لا23: 36). وذلك إشارة إلى الحياة الجديدة التي سوف نحياها في العالم الآخر.
بداية هذه الحياة الأبدية السعيدة يرمز إليها الرقم ثمانية. فكيف ذلك؟
نقرأ في سفر التكوين أن الله خلق العالم كله في ستة أيام، انتهى كل منها بعبارة "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا..." أما اليوم السابع فلم ينته بعد. لم يقل عنه الكتاب "وكان مساء وكان صباح يومًا سابعًا.."! إننا ما زلنا نعيش في اليوم السابع، الذي سوف يستمر إلى نهاية العالم إلى زوال هذه السماء وهذه الأرض (مت5: 18).
السماء والأرض تزولان في نهاية اليوم السابع للخليقة... وباليوم الثامن تبدأ الأبدية.
وهكذا يكون اليوم الثامن بداية لحياة جديدة لا تنتهي، بداية عهد جديد مع الله، إنه لا يكون موت فيما بعد، ولا يكون حزن، ولا لعنة..." (رؤ22: 3). ليتنا نختم مقالنا بهذه النهاية السعيدة، على الرغم من أنه يوجد كلام عن مضاعفات الرقم ثمانية، وبخاصة رقم 24، ورقم أربعين، ليس مجال ذلك الآن...
الرقم 10 يَرمز إلىَ الكمال
الرقم عشرة
إن رقم 10 يرمز إلى الكمال. لذلك فالوصايا العشر- مع أنها عشر حرفيًا - إلا أنها ترمز للناموس كله، أي إلى جميع الوصايا.
ولنأخذ بضعة أمثلة تدل على كمال الرقم 10:
ففي مثال العشر العذارى (مت25: 1) نرى أن هذا الرقم كان يرمز إلى العالم كله، إلى جميع الناس صالحين وأشرار.
ولعل هذا المثل يشبه أيضًا مثل العبيد الذين تركهم سيدهم يتاجرون حتى يجيء. وفي ذلك يقول الكتاب عن السيد إنه "دَعَا عَشَرَةَ عَبِيدٍ لَهُ وَأَعْطَاهُمْ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ، وَقَالَ لَهُمْ: تَاجِرُوا حَتَّى آتِيَ" (لو19: 13).
فهؤلاء العبيد العشرة يرمزون إلى الكل: صالحين وأشرار.
ومن الطريف أيضًا في هذا المثل الأخير أن أكثر أولئك العبيد كمالًا هو الذي قال للسيد "يَا سَيِّدُ، مَنَاكَ رَبحَ عَشَرَةَ أَمْنَاءٍ". فأصبح بهذا الأمر يرمز إلى كمال من يتاجر بوزنته ويربح.
وانظروا أيضًا إلى كمال مكافأته وعلاقتها بهذا الرقم أيضًا: قال له السيد: "كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ، فَلْيَكُنْ لَكَ سُلْطَانٌ عَلَى عَشْرِ مُدْنٍ".
وكون هذا الرقم يرمز إلى الكمال، نراه أيضًا بوضوح في مثل الدرهم المفقود، إذ يقول الكتاب إن "امْرَأَةٍ لَهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ" (لو15: 8) "أَضَاعَتْ دِرْهَمًا" فكانت الدراهم العشرة ترمز إلى كل مالها.
ولعل من هذا القبيل أتت وصية العشور، مفترضة أن كل مال الإنسان هو عشرة أجزاء يعطي لله منها جزءًا.
وهذا الرقم أيضًا نراه في قصة دانيال النبي، إذ يقول لرئيس السقاة "جَرِّبْ عَبِيدَكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ" (دا1: 12). فكان رقم 10 هنا هو كمال المدة التي يحتمل فيها الرجل أن يجربهم.
ولعل هذا أيضًا يشبه ما قاله يعقوب لامرأتيه عن لابان خاله "وَأَمَّا أَبُوكُمَا فَغَدَرَ بِي وَغَيَّرَ أُجْرَتِي عَشَرَ مَرَّاتٍ" (تك31: 7). ويقصد بذلك مرات كثيرة وصلت إلى الكمال في عددها، وليس من الضروري أن تكون عشر مرات بالحرف.
وربما يشبه هذا أيضًا قول أيوب الصديق لأصحابه الثلاثة "هذِهِ عَشَرَ مَرَّاتٍ أَخْزَيْتُمُونِي" (أي19: 3).
وما نقوله عن الرقم 10 نقوله أيضًا عن مضاعفاته كالمئة والألف.
ففي مثل الراعي الصالح الذي بحث عن الخروف الضال، رمزت عبارة "مِئَةُ خَرُوفٍ" إلى جميع المؤمنين (لو15: 4).
ومثل هذا أيضًا ينطبق على قول بولس الرسول: "أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيْضًا، أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان" (1كو14: 19). ويقصد بهذا كمال ما يقال في التكلم بألسنة، وليس حرفية 10000.
ولعل هذا يشبه ما ذكره الرب عن "عبد مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلاَفِ وَزْنَةٍ" (مت18: 24). ويقصد الخاطئ الذي فعل أكبر كمية ممكنة من الخطايا.




