الخيانة والمؤامرة

من ليلة الأربعاء، نتذكر التآمر على المسيح، وخيانتنا له…
لا تظنوا أن يهوذا هو الوحيد الذي خان المسيح. يهوذا هو صاحب الخيانة الكبرى الصريحة، أذ باع سيده، وسلمه لأعدائه بخيانة فيها التواء قلب: قبلة من الخارج، مع دسيسة وتسليم!!
لهذا، فإننا – احتياجا على قبلة يهوذا، نمنع القبلة في الكنيسة، من ليلة أربعاء البصخة إلى نهاية أسبوع الآلام. كان يهوذا في قبلته، كشجرة التين المورقة التي لعنها المسيح: من الخارج القبله، والورق الخارج. ولاثمر في الداخل…
صدقوني يا أخوتى، أن السيد المسيح لم يترك يهوذا من محبته على الأطلاق. فكم من مرة. أنذره ليبعده عن الخطية.
قال للتلاميذ “واحد منكم سيسلمنى”، ليخجل يهوذا. وقال “كان خيراً لذلك الإنسان لو لم يولد”، لكي يخاف يهوذا ويبتعد. وقال “الذي يغمس معي في الصفحة” ليذكره بأنه صديقه الذي يأكل معه عيشاً وملحاً، من صفحة واحدة، فيندم ويراجع نفسه.
وعاتبه قائلا “الذي تريده أن تعمله، أعمله بأكثر سرعة”، ليشعره أنه عارف بما يدبره، ولكي يوبخه.. وحتى آخر لحظة، عندما تقدم يهوذا وقبله قال له الرب في عتاب “أبقبله تسلم أبن الأنسان؟!” ( لوقا 22 : 48 ).. بل قال له بالأكثر “يا صاحب، لماذا جئت؟!” ( متى 26 : 50 ).
كان الرب يستطيع أن يمنعة من الاقتراب إليه، ويمنعه من تقبيله، وهو عارف بخيانته… لكنه سمح له “يا صاحب”، بدلأ من أن يقول له “يا خائن..”.
وكانت القبلة وقتذاك بالفم، كما في قصة سمعان الفريسي.
نلاحظ أيضا أن السيد المسيح، على الرغم من معرفته المسبقة بأخلاقيات يهوذا وخيانته، لم يمنعه ذلك من أختياره رسولا من الأثنى عشرة، بل جعل الصندوق أيضا فى عهدته!! وظل الصندوق معه، على الرغم من أنه كان يسرق ما فيه!
ومع كل هذا، باع يهوذا معلمه، وأباه الروحي، ومرشده، وصديقه، الذي عاش معه ثلاث سنوات يستمع إلى تعاليمه، ويبصر معجزاته، بل ويصنع معجزات بأسمه!! ويأكل ويشرب معه. ويقينا، لا يمكن لإنسان أن يأكل من نفس الصفحة مع آخر، إلا إذا كان مقرباً إليه جداً…
لقد باع يهوذا سيده، وباعه بثمن تافه جداً، بثلاثين من الفضة، ثمن عبد…
ما أرخص المسيح في نظر الخطاة!! يبيعونه أحيانا بثمن أقل من هذا بكثير!
هناك من يريد أن يتخلص من المسيح بأى ثمن!، وبلا مقابل، بل وقد يدفع أيضاً من ماله ومن حياته ومن صحته، ليبعد عن المسيح! إنها خيانة…
الشخص الذي يبيع عدوه، ربما يجد لنفسه عذراً، فى أن هذا العدو قد أساء إليه. أما الذي يبيع صديقه وحبيبه ومرشده، فهو لا شك خائن…
الأنسان الذي يعرف المحبة والوفاء، لا يمكن أن يخون صاحبه، مهما حدث.
فلنتدرب أن نكون أوفياء، بعضنا نحو بعض، حتى نستطيع أن نكون أوفياء من نحو الله الذي لا نبصره.
بطرس الرسول، أنكر المسيح عن ضعف وخوف، ولكن قلبه كان يحبه من الداخل… أما يهوذا، فلم يكن فى قلبه هذا الحب، ولم يكن فى الخارج خطر يخيفه أو يتهددة. إنما هو من سعى بنفسه، تدفعه الشهوة إلى الخيانة…
اليهود أيضاً خانوا المسيح، وسلموه لبيلاطس، وكم صنع المسيح لهم من الخير.
خانوا هذا الحبيب الذي تجسد لأجل خلاصهم، والذي جال بينهم يصنع خيراً!
ومع ذلك فإن أولئك الخونه الذين باعوا المسيح للرومان، وقالوا لبيلاطس أصلبه أصلبه، هؤلاء لم يتركهم المسيح من محبته. وصلى لأجلهم قائلا “أغفر لهم يا أبتاه، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون”… والذي آمن منهم، قبله إليه، وغفر له خطاياه… وأنعم عليه بالخلاص…
ما أعجب قلب المسيح الطيب، الذي يحب بلا ثمن، بلا مقابل، ولايتغير فى محبته، بل يبقى أمينا، مهما كنا غير أمناء…
الأنسان الخائن يخون حتى أحباءه. أما السيد المسيح فى محبته، فقد منح الخلاص حتى لأعدائة الذين خانوه، ولم يرفضهم لما رجعوا إليه… ما أعجب قلب المسيح! لأنه من الصعب على إنسان أن يحب من سبق فخانه…!
الخيانة مرض فى القلب، وأنحراف فى النفس والفكر، وأنهيار فى المستوى الروحى والأجتماعى… لذلك فالأنسان الخائن، يحتقر نفسه من الداخل. الذي يخونك، لست محتاجاً أن تعاتبه أو توبخه، أتركه لنفسه: ضميره يحطمة، وقلبه يقتله، كيهوذا…
ولكن لعل معاملات المسيح الطيبة ليهوذا، وقوله له وقت تسليمه “ياصاحب، لماذا جئت”؟! كل هذا أثر فى نفسه، فندم جداً، وأرجع المال، وقال أخطأت إذا سلمت دماً بريئاً. وأستبد به الندم، فشنق نفسه. يهوذا أحتقر نفسه، ولم يحتملها. المسيح لم يعاقبه، ولكن ضميره عاقبه بشدة…
ليتنا نسأل أنفسنا: هل نحن نحب المسيح كما يحبنا؟ أم المحبة من طرف واحد؟ وهل نحن نبيع المسيح أحيانا، بثمن كبير أو ضئيل؟
وفى أسبوع الآلام، فلنتذكر آلام المسيح لأجلنا. ولنبادله حباً بحب، ولنتألم من أجله كما تألم لآجلنا…
مقياسك فى ملكوت الله هو هذا: مقدار ما تحمله من ألم، لأجل المسيح.
إن قلت إنى أريد أن أحبه، ولكن من غير ألم، تكون كمن يريد أن يصل إليه من الباب االواسع، وكمن يرفض صليب المسيح.
وإن أحببت ذاتك، أو أحببت العالم، أكثر من المسيح، تكون خائنا له…تبيعه لأجل شهوة زائلة…!
عجيب أن تبيع المسيح، الذي اشتراك بدمه، وبذل ذاته عنك!!
عجيب فى هذه الخيانة، أن تنسى صورتك الإلهية، وتنزل إلى مستوى يهوذا المسكين، الذي لما تفتحت عيناه، لم يستطع أن ينظر إلى صورته…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الرابع عشر) 8-4-1977م



