كيف نحب الله؟

كيف نحب الله؟
محاضرة ألقاها قداسة البابا يوم الجمعة 23/8/1968
+ لا تستطيع أن تحتفظ في قلبك بمحبة الله ومحبة العالم معًا…
فإن أردت أن تحب الله، لا تحب العالم. لأن الكتاب يقول: “لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم”. “لأن محبة العالم عداوة لله”. “إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب”.
محبة العالم هي أكبر منافس لله في قلبك، فإن أردت أن تحب الله، لا بد أن تكون شهوات العالم تافهة عندك لأنه أية شركة للنور مع الظلمة. لهذا يقول بولس الرسول “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية، لكي أربح المسيح”…
الكنيسة قامت في قمة محبتها لله في القرن الأول، في عصر الإستشهاد: وفي عهد ازدهار الرهبنة. وفي كلا الأمرين _ الأستشهاد والرهبنة _ ظهر زهد الكنيسة في العالم وشهواته.
كان الشهداء يغنون وهم في طريقهم إلى الموت، وكانوا يرتلون في السجون بفرح. لماذا؟ لأن الكنيسة كانت كنيسة زاهدة، لم تكن تحب العالم وما فيه. كان جميع الناس يبيعون كل ما لهم، ويأتون بها ويضعونها عند أقدام الرسل.
مشكلتنا في هذا الجيل، أننا نريد أن ندخل إلى المسيح من الباب الواسع… عايزين نجمع بين الله والعالم.
الباب الواسع لا يوصل إلى محبة الله، لكي تصل إلى محبة الله، أشعر بحقارة العالم وتفاهته، وبتفاهة الجسد والمادة، وأن أردت فصلًا جميلًا، فهو سفر الجامعة…
سفر كتبه سليمان الحكيم، أغنى أهل الأرض، وأعظمهم شأنًا، ولم يصل أحد إلى مستواه. هذا الإنسان يقول في الأصحاح الثاني:
“غرست لنفسي كرومًا، عملت لنفسي جنات وفراديس.. عملت لنفسي برك مياه… قنيت عبيدًا وجوارى… وكانت لي أيضًا قنية بقر وغنم.. جمعت لنفسي أيضًا فضة وذهبًا وخصوصيات الملوك والبلدان. إتخذت لنفسي مغنين ومغنيات وتنعمات بني البشر، سيدة وسيدات… ومهما إشتهته عيناي لم أمسكه عنها” …
وبعد كل متع العالم هذه، ماذا يقول سليمان؟
“ثم التفت أنا إلى كل أعمالي التي عملتها يداي. فإذا الكل باطل وقبض الريح، ولا منفعة تحت الشمس”.
مهما عشت في العالم، هل ستأخذ منه أكثر من سليمان؟!
هوذا خبرة سليمان يقولها بصراحة “الكل باطل …”إن أردت أن تحب الله، فلا تخدع نفسك.
طلما العالم حلو في عينيك، فلن تدرك محبة الله. أشعر بتفاهة العالم، ترى محبة الله قد ملأت قلبك…
ما معنى قول الكتاب “تحب الرب إلهك من كل قلبك”؟
معناه أن لا يترك أى جزء في قلبك للعالم… إن محبة العالم تدخل إلى قلبك، عندما تقل محبتك لله…
لكي تحبوا الله، اذكروا سير القديسين الذين زهدوا العالم، حينئذ يدخل إلى قلوبكم الزهد في العالم… القديس الأنبا أنطونيوس، كان الشياطين يلقون الذهب أمامه على الرمال، فلا يلتفت إليه.
الكنيسة عندما تتلو عليك في نهاية الكاثوليكون “لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم”، لا تفعل ذلك عبثًا. ولا تقول ذلك للرهبان، وإنما للناس جميعًا…
من ضمن الأسباب التي تجعل محبة الله تملأ قلبك، وتذكرك لمحبة الله لك وأحساناته إليك..
أجلس بينك وبين نفسك، وتذكر إحسانات الله إليك، منذ ولادتك إلى الآن. تذكر ستر الله عليك وعطفه.
لو تذكرت جميلًا واحدًا عمله الله معك، لأحببت الله. ما بالك لو تذكرت كل أحسانات الله طوال حياتك.
المرأة الخاطئة أحبت كثيرًا، لأنها تذكرت أنه غفر لها الكثير. تذكر خطاياك التي غفرها الرب لك. خطاياك التي لو عرفها الناس، لا يسلمون عليك، ولا يدخلونك بيوتهم…
كلما تنسى إحسانات الله، يتقسى قلبك، كناكر للجميل. يكفي أن الرب أبقانا إلى هذه الساعة…
عجيب أن الله ما يزال يحسن إلينا، على الرغم من خطايانا. ولم يشأ أن يأخذ أرواحنا ونحن متلبسون بالخطية… الله المحب العجيب الذي ما يزال يستر ويخبئ ويداري… ونحن نتذمر!
أن حياتنا كلها يارب، لا تكفي لشكرك…
كل بركة تأتى إليك، إرجعها إلى الله… لا تنسبها إلى الناس، ولا إلى نفسك، بل أرجع الفضل كله إلى نعمة الرب العاملة فيك، العاملة لأجلك…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الخامس والأربعون) 11-11-1977م



