قيمة توبة المريض

قيمة توبة المريض[1]
سؤال
يقلل البعض من قيمة توبة المريض على اعتبار أنه في حالة احتياج اضطرته إلى التوبة، ويقولون في ذلك عبارة: “توبة المريض توبة مريضة”، فما رأي الكنيسة في هذه العبارة؟
الجواب
1– الذي يحكم على التوبة، هو الله فاحص القلوب.
فالله – وليس نحن – هو الذي يعرف هل توبة المريض توبة حقيقية من قلبه، أم توبة ظاهرية مؤقتة؟ وهل سيبقى المريض في توبته بعد شفائه أم يتغير؟ أما أن تحكم نحن حكمًا عامًا على جميع المرضى بأن توبتهم مريضة، فهذا حكم ظالم، وعن غير علم بما يدور في قلوبهم من مشاعر، وفيه أيضًا خلط بين القالب الحقيقي وغير الحقيقي!
2- قد يسمح الله بالمرض، كوسيلة تقرب الناس إليه.
إن إصابة إنسان بمرض شديد، أو احتياجه إلى إجراء عملية خطيرة، قد يؤثر فيه أكثر من عشرات العظات، وأكثر من قراءة كتب روحية عديدة، إذ قد يذكره باحتمال الموت ووجوب الاستعداد له، فيلجأ إلى التوبة، طالبًا منه الرحمة والمغفرة والشفاء، وكل ذلك بقلب صادق جدًا وبمشاعر حقيقية.
3- وإن قيل إنها توبة في حالة ضيقة، فالله نفسه يقول:
“ادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي” المزامير 50 : 15 .
إذن الله يقبل الصلاة في وقت الضيق، بل يدعو إليها، ولا يقول إنها صلاة مريضة، أو صلاة مرفوضة أو مضطرة!! كلا..
بل إن الله يسمح بالضيقات – ومنها الأمراض – ليجذبنا بها الله.
وما أكثر الذين صلوا إلى الله في ضيقاتهم.
واستجاب الله تلك الصلوات، ولم يقل إنها بدافع من الضيق. وليست بدافع من الحب، والأمثلة على ذلك لا تدخل تحت حصر.
ويكفي فيها أن تذكر قول المرتل في المزمور: “إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيْقِي صَرَخْتُ فَاسْتَجَابَ لِي” المزامير 120 : 1 .
وأيضًا قوله: “فِي ضِيقِي دَعَوْتُ الرَّبَّ، وَإِلَى إِلهِي صَرَخْتُ، فَسَمِعَ مِنْ هَيْكَلِهِ صَوْتِي، وَصُرَاخِي قُدَّامَهُ دَخَلَ أُذُنَيْهِ” المزامير 18 : 6 . انظر أيضًا المزامير 77 : 2 ، المزامير 86 : 7 .
4- ولا تنسى صلاة يونان النبي في بطن الحوت..
إنها ليست مجرد صلاة إنسان في مرض محتمل الشفاء، إنما صلاة إنسان في حكم الموت. ومع ذلك قال: “دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ، فَسَمِعْتَ صَوْتِي” يونان 2 : 2 .
ولم يقل الرب إلها صلاة مريضة، أو صلاة توبة مريضة في قول يونان: “حِينَ أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ” يونان 2 : 7 ، بل استجاب له الرب ونجاه، وأخرجه من جوف الحوت، على الرغم من أن الرب كان يعلم إنه بعد هذه النجاة سوف يغتم يونان ويغتاظ، لما قبل الرب توبة نينوى يونان 3 : 10 ، يونان 4 : 1 .
وقد قبل الرب توبة النص على الصليب.
ولم تكن مجرد توبة كتوبة أحد المرضى الذين بينهم وبين الموت شهور أو سنوات أو حتى أيام، أو كتوبة مرضى يمكن أن يشفوا.
بل كانت توبة النص هي توبة إنسان بينه وبين الموت ثلاث أو أربع ساعات.. ومع ذلك لما قال في توبته: “اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ” لوقا 23 : 42 ، قبل الرب توبته واستجاب له: “الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ” لوقا 23 : 43 . ولم يقل له مطلقًا إنها توبة مريضة!!
5- حقا إن الناس ليسوا مثل الله في طبيته ولطفه وقبوله لتوبة الخطاة!!
ولذلك حسنًا قال داود النبي: “فَلْنَسْقُطْ فِي يَدِ الرَّبِّ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ كَثِيرَةٌ وَلاَ أَسْقُطْ فِي يَدِ إِنْسَانٍ” صموئيل الثاني 24 : 14 ، إن وقع مريض تائب في يد إنسان قاس، يقول إن توبة هذا المريض هي توبة مريضة! أما عند الله، فتوبة هذا المريض مقبولة.
6- يكفي في ذلك قول الرب:
“وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا” يوحنا 6 : 37 .
من يقبل إليه في أي وقت، وتحت أية الظروف، حتى أصحاب الساعة الحادية عشرة، حتى الابن الضال الذي رجع إلى أبيه، حينما قرصه الفقر والعوز والاحتياج فجاع واشتهى خرنوب الخنازير ولم يعطه أحد لوقا 15 : 16 .. ولم يقل له أبوه إن توبته مريضة، لأن الدافع إليها هو الجوع!! بل قبله إليه، وذبح له العجل
المسمن، وفرح بتوبته…
7- لذلك لا يجوز لنا أن نحتقر توبة أحد!!
ولا تقلل من شأن توبته، بحكم قاس ظالم. وإن كان الله يفرح بتوبة التائبين، وتفرح معه ملائكة السماء لوقا 15 : 7-10 ، فهل نجرؤ نحن إلى هذا الحد الذي فيه ندين توبة المرضى، بغير معرفة بحالة قلوبهم، وبحكم عام يشمل الكل؟!
8– وإلا لماذا نناول المريض من الأسرار المقدسة؟!
ليس فقط حينما يأتي إلى الكنيسة ويحضر القداس، بل الأكثر من هذا، يذهب إليه الأب الكاهن في البيت أو المستشفى، ويقدم له الأسرار المقدسة، والمعروف أنها لا تقدم إلا للتائبين، معنى هذا إذن: قبول توبته، وليس إدانتها بأنها توبة مريضة!!
9- ونحن نقدم للمريض سرًا كنسيًا آخر، هو سرّ مسحة المرضى وندهنه بالزيت المقدس، ونصلي من أجله سبع صلوات.
ولا نسأله عن صحة توبته، وإنما يكفي أنه تائب.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “سؤال وجواب – قيمة توبة المريض”، نُشر في مجلة الكرازة 27 أكتوبر 1995م.





