عمل النعمة وأنواعها

تكلمنا في الأسبوع الماضي عن النعمة، كلمة عامة. ونود في هذا اليوم أن نتكلم عن بعض أنواع من النعمة..
عمل النعمة وأنواعها1
+ نعمة الدعوة:
الدعوة عمل من أعمال النعمة. لذلك يقول الكتاب: “الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم.. وهؤلاء دعاهم أيضًا” (رو 29:8،30)
ليس الانسان هو الذي يدعو نفسه، بل الدعوة تأتيه من الله، بعمل من النعمة. لهذا قال السيد المسيح لتلاميذه “لستم أنتم الذين أخترتموني، بل أنا الذي أخترتكم”. وقال الكتاب “ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه، بل المدعو من الله كما هرون”(عب 4:5)
نوع من هذه الدعوة الذين دعاهم الله من بطون أمهاتهم.. مثلما دعا يوحنا المعمدان من بطن أمه و ملأه من الروح القدس، و مثلما دعا شمشون و نذره لنفسه قبل أن يولد. ومن أجمل الأمثلة لهذه الدعوة، قول الرب لإرميا النبي:
“قبلما صورتك في البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيا للشعوب”(ار 5:1).
ماذا كانت إرادة إرميا قبل أن يولد؟ أو ماذا كانت قوته؟ ونفس الكلام يقال عن يعقوب أبى الاباء وغيره. ولكنها الدعوة التي دعت.
لا شك أن النعمة دعت بناء على علم الله السابق، الذي يعرف الناس قبل أن يولدوا، و “الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم، ودعاهم”. ولكن مه ذلك هناك كثيرون صالحون، ولم يدعهم الله ليكونوا رسلا أو أنبياء أو كهنة.
انما النعمة دعت اشخاصا معينين، بناء على إرادة الله الصالحة وحكمته. كما قال بولس الرسول “لما سر الله الذي افرزني من بطن أمي، ودعاني بنعمته..”
ولعل البعض يسأل: وما ذنبي أن الله لم يدعني؟ نقول له: لا ذنب لك، إلا لعدم صلاحية بسبب أخطاء …وعلى العموم ليست الدعوة إلى الخدمة سوى الدعوة إلى الصليب، وإلى مسؤولية، وإلى تعب وجهد وعرق ودموع، وكل واحد يأخذ أجرته بحسب تعبه.
وقد لا تكون رسولا ولا نبيا، ولكن “اجر نبي تأخذ”. وماذا قال “بل أعظم من نبي” … الله يهمه القلب والحب أيا كان الوضع…
إن الخدمة اشتراك مع الله في عمله، في بناء ملكوته، لذلك كانت الدعوة إليها نعمة. والكل يشتاقون إلى هذه النعمة.
فإن كانت الخدمة نعمة، فماذا نقول أذا عن الذين يدعون فيعتذرون؟!يدعون إلى الكهنوت مثلا، فيرفضون أو ترفض زوجاتهم أو اباؤهم أو أمهاتهم!
إن رفض الدعوة أو اهمالها أو الاعتذار عنها، أمر خطير ينبغي أن يعمل له الإنسان ألف حساب. لأن الذي يرفض الكهنوت من أجل سبب عالمي، إنما يرفض أن يكون وكيلا لله، وخادما لمذبحه ووسيطا للأسرار الإلهية، وشفيعا بين الله والناس…!!
ان الدعوة نعمة تقدم للناس. هناك من يقبلها، وهناك من يرفضها.
لقد سبق للرب أن دعا أشخاصا. فمنهم من اعتذر بدفن أبيه، ومن اعتذر بأن له خمسة أزواج بقر، أو له زوجة. ودعا الرب الشاب الغنى، مضى الشاب حزينا..
الذي نقوله عن خدمة الكهنوت ورفضها، نقوله أيضا عن الرهبنة، إنسان يدعوه الله، فتقوم قائمة أسرته كما لو كان قد هلك … أليست نعمة من الله، أن يسكن إنسان في بيت الرب، ويسمع بركة المزمور “طوبى لكل السكان في بيتك، يباركونك إلى الأبد” … وبينما يرفض هؤلاء نعمة الدعوة، يقول بولس الرسول:” لما سر الله الذي افرزني من بطن أمي، ودعاني بنعمته… للوقت لم استشر لحما ولا دما، ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين كانوا قبل” (غل 15:1-17).
متى دعي، فترك مكان الجباية، وتبع المسيح للتو. وبطرس وأندراوس لما دعيا تركا السفينة والشباك، والسامرية تركت الجرة، وموسى تك قصر فرعون، وإبراهيم ترك أهله ووطنه وعشيرته وبيت أبيه.
كل اولئك استجابوا للدعوة، واطاعوا، وضحوا من أجلها…
وأنتم إن لم تدعوا دعوة كبيرة كهؤلاء، فعلى الأقل دعيتم لتكونوا هياكل للروح القدس ومساكن لله، ليعمل الله فيكم وبكم. فمن منكم يجرؤ أن يرفض هذه الدعوة الإلهية؟!
ليت الإنسان يصلي إلى الله بدموع أن ينال هذه الدعوة، وأن يراه الله مستحقا…ولا يكون كالذي تمر به الدعوة لا يشعر بها!!”النور الذي أضاء في الظلمة والظلمة لم تدركه”…
هناك أشخاص يلقون بأنفسهم القاء في طريق الرب، فيدعوهم بنعمته
هم الذين يبدأؤن، ثم يدعوهم الله، حينما يختبر أمانتهم، أو بعد أن يعدهم…موسى الأمير القى بنفسه في طريق الله، ودافع عنه مرتكبا أخطاء… فأخذه الله، وأعده في البرية، ثم أرسله… في يوم من الأيام لم يكن يتوقعه موسى، أتاه صوت الله “أنا إله أبيك…والإن هلم فأرسلك إلى فرعون”… أشعياء النبي مثل من أعجب الأمثلة في الدعوة… سمع صوت الرب قائلا: “من أرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟” (اش8:1).
فقدم إشعياء نفسه وقال للرب: “هأنذا فأرسلني”.
من منكم سيلقي نفسه في طريق الرب قائلاً: “هأنذا فأرسلني”؟ إن الدعوة نعمة من الله، هناك من يسعى إليها، وهناك من تأتيه دون سعي فيقبلها، وهناك من تأتيه فيرفض…
نشكر الله الذي دعانا بنعمته، لنكون أبناء له، أمة مقدسة وكهنوتًا مبررًا، أهل بيت الله، وأعضاء جسده، وشهودًا لاسمه.
هناك أشخاصًا يعقدون الأمور، وكلما تأتيهم الدعوة يشكون، ويتساءلون أحقًا هذه دعوة؟! ولا يميزون صوت الله…
ليتنا نترك هذا التعقيد ونسلك مع الله ببساطة قلب.. قدموا أنفسكم لله، اسلكوا بنقاوة وبساطة واتضاع، وستأتيكم الدعوة…
من هنا كان بعض اللاهوتيين يقسم النعمة إلى نوعين:
نعمة سابقة، وهي التي تسبق إرادة الإنسان، ويبدأ بها الله، مثل الذين دعوا من بطون أمهاتهم. ونعمة مشاركة وهي التي يبدأ فيها الإنسان باي عمل لأجل الله، فتأتيه النعمة وتشترك في العمل معه.
النعمة السابقة لا تتوقف على استحقاق الإنسان بل على جود الله وكرمه. والنعمة المشاركة قد تأتي بدون طلب لتقوية الإنسان في جهاده، وقد يصرخ الإنسان إلى الله طالبًا نعمته معترفًا بعجزه، فتأتيه.
على الإنسان أن يلقي شباكه في البحر، ولو يسهر الليل كله دون أن يصطاد شيئًا، فلابد أن الله سيفتقده أخيرًا.
لابد أن يبدأ الإنسان، أية بداية مهما كانت ضعيفة، لأن الكسل ليس مقدمة لمجيء النعمة، ولكنها إذا ترى جهاده تأتي…
هذه النعمة على أنواع منها: النعمة الحافظة والنعمة المعطية.
+ النعمة الحافظة:
هي الحفظ الإلهي، هي تحقيق “لا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير”. “حافظ الأطفال هو الرب”. وأما أنت فلا يقتربون إليك”.
ما أكثر اختبارات داود في المزامير عن عمل النعمة معه..
أننا لا نحمي أنفسنا وإنما الله هو الذي يحمينا “إن لم يحرس الرب المدينة، فباطلاً سهر الحارس”. من أجل هذا يعيش أولاد الله في اطمئنان، معتمدين على هذه النعمة.
يدخل في نطاق هذه النعمة الملاك الحارس وحفظ الله لدانيال في جب الأسود، وللثلاثة فتية في أتون النار، وبركة علامة الصليب التي اختبرها القديسون، والعذابات التي لم تضر الشهداء…
قد يقول إنسان “أين هذا الحفظ؟ أنا لم اختبره”! نقول له الحفظ موجود، لكن ربما لضعف إيمانك لم تتمتع به.
ليت كل إنسان يسترجع تاريخ حياته، ويلبس حفظ الله له.. تأكد انه لولا حفظ الله لك ما كنت تعيش إلى اليوم. إننا كثيرًا ما نعتمد على عقولنا وقوتنا لتحفظنا، أو نعتمد على الناس وحيلهم ونترك نعمة الله الحافظة فلا نختبرها.
النعمة المعطية:
نعمة الله تعطي، وبسخاء، ولا تعير. تفتح كوى السماء، وتسكب الخيرات، حتى نقول كفانا كفانا… كانت مع التلاميذ الذين خرجوا بلا كيس ولا مزود، ولم تدعهم معوزين شيئًا.. فجرت الماء من الصخرة وأنزلت المن من السماء، وباركت القليل فصار كثيرًا..
“كل عطية صالحة هي نازلة من فوق من عند أبي الأنوار”.
هذه النعمة وهذه العطايا، كل من يطلبها يجدها، ومن يقرع تفتح له. إنما يجب أن يتجه الإنسان إلى الله كمصدر للعطية، حينئذ ينال ولا يحاول أن يعتمد على مصادر عالمية.
ينبغي أن تصر على الأخذ من الله. قل له: لن آخذ إلا منك. ولن أتركك حتى أنال ولن أطلب من العالم ولا من الناس ولن اعتمد على مواهبي بل عليك وحدك.
إننا كثيرًا ما نعيش بعيدًا عن النعمة، ولكنها البركة التي نأخذها من الكنيسة في نهاية كل اجتماع. وما أكثر الحديث عنها في الرسائل الجامعة “نعمة لكم وسلام” و”أنمو في النعمة” “لتكثر لكم النعمة”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – (العدد السادس والأربعون) 14-11-1975م



