الخطية والنسيان

قال أحد القديسين إن الخطية تسبقها إما الشهوة، وإما الفضيلة، وإما النسيان…
وأود أن أكلمكم اليوم عن النسيان، وأثره في إرتكاب الخطايا، وما الذي يجب علينا أن نتذكره لكي لا نخطئ..
الخطية والنسيان
وقت الخطية نكون ناسين الله، وناسين حياتنا الروحية، وناسين الموت والأبدية، وناسين أرواح الملائكة والقديسين الذين حولنا، وناسين أيضًا وصية الله وكل المبادئ والقيم…
إنك لو تذكرت أن كل هؤلاء أمامك، لخجلت وما أخطأت لو تذكرت أنهم يرونك ويسمعونك، لترددت كثيرًا قبل أن تخطئ. لكن ساعة الخطية، يكون الإنسان ناسيًا كل شيء.
فإن قام أحد بتذكيره، إنما يرده إلى وعيه.
لقد وضع الله لنا الشريعة المكتوبة، ليذكرنا بما في الشريعة الباطنية الطبيعية التي توجد داخلنا.
ولكي لا ننسى هذه الوصايا، وضع لنا احتياطات لتذكيرنا.
فقال لنا: “لتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك، وقصها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق، وحين تنام، وحين تقوم. وأربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك. وأكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك” ( التثنية 6 : 6–9 ).
كل ذلك لكي نتذكر فلا ننسى…
وأعاد علينا هذه الوصايا في سفر التثنية، وكان هذا السفر يعطى للملوك لكي يتذكروا به الشريعة. وأمرنا الله بقراءة هذه الوصايا باستمرار، وأن نلهج فيها النهار والليل. ووزعت هذه الوصايا على أسابيع السنة يسمعها الناس، في العهد القديم في المجامع، وفي العهد الجديد في الكنائس.
ولئلا ننسى القراءة، وأرسل إلينا الرسل والأنبياء لتذكيرنا، ثم الآباء والرعاة والكهنة والوعاظ، ليذكرونا كيلا ننسى…
وفي الكنيسة تتلى علينا في كل قداس، فصول من الأناجيل، ورسائل بولس، والرسائل الجامعة، وأعمال الرسل؟ ومزمور وإنجيل، كما نقرأ فصلًا من الإنجيل في كل ساعة من ساعات الأجبية. وبكثرة التلاوة نتذكر الوصايا فلا نهلك، كما قال داود النبي:
“لو لم تكن شريعتك هى تلاوتى، لهلكت حينئذ في مذلتي” وهكذا كل خطية تحاربنا، نضع أمامها الوصية، فلا نسقط.
أولاً، لكي لا ننسى. وثانيًا، لكي نأخذ من الوصية قوتها، كما يقول الكتاب إن: “كلمة الرب قوية وفعالة، وكسيف ذي حدين”.
وأيضاً لكي لا ننسى، أعطانا الله المواسم والأعياد:
رأى الله أن تذكرنا آلام المسيح لأجلنا، نافع لنا، إذ نرى الحب العظيم الذي جعله يبذل ذاته عنا ويفدينا، فلكي يذكرنا بهذا الفداء العظيم وضع لنا أسبوع الآلام بكل تأثيره الروحي. ولكي لا ننسى بعد البصخة، وضع لنا غير هذا التذكار السنوي تذكارًا أسبوعيًا في صوم الأربعاء والجمعة، وفيها نتذكر التآمر على المسيح وصلبه. وتأكيدًا لعدم النسيان وضع لنا تذكارًا كل يوم في صلاة الساعة السادسة. وما أكثر التذكارات اليومية التي وضعت لنا في الأجبية.
ولكيما نتذكر، وضعت لنا في الكنيسة الأيقونات والصلبان والطقوس. ففي كل قداس نستعرض كل حياة المسيح وعمله.
وهكذا أيضاً نحصل على نفس الفائدة بتلاوة قانون الإيمان.
إن الله يريدنا ألا ننسى. لأننا حينما ننسى عمله لأجلنا، تقل محبتنا، وتفتر حرارتنا، وننجرف مع العالم الحاضر…
لهذا كان الأشخاص الذين لا ينسون الله، لا يخطئون.. وهكذا رأينا داود النبي يقول: “جعلت الرب أمامي في كل حين”… لأنه طالما يفتكر الله، لا يخطئ.
ليس فقط إن تذكرنا الله لا نخطئ، وإنما أيضًا إن تذكرنا خطايانا، لنندم عليها، ولكي نتذكر ضعفنا فنحترس ولا نخطئ…
وهكذا نجد داود النبي يقول: “خطيئتي أمامي في كل حين”.
إننا إن نسينا خطايانا، نقع في الكبرياء، ونسبح في المجد الباطل: وإن نسينا خطايانا، نتذكر خطايا الغير وندينهم، وقد نقسو عليهم أيضًا. وإن نسينا خطايانا، لا ندقق في تصرفاتنا، ولا نحترس من العثرات، وقبل الكسر الكبرياء.
لماذا نضع خطايانا أمامنا، والرب قد غفرها؟! إننا نتذكرها، لكي نتضع، ولكي نحترس، ولكيما ندرك محبة الرب لنا، وكم احتمل، وكم غفر…
من أجل خطية حواء، جعلها الله بالوجع تحبل وتلد أولادًا . وقد غفر الله لها هذه الخطية، ولكنها ما تزال تحبل وتلد بالوجع، لكيلا تنسى… فهذا أنفع لها…
وبالمثل ما يزال آدم يأكل خبزه بعرق جبينه، بعد مغفرة الخطية، وذلك لكي لا ينسى أنه أخطأ، ولكي لا ينسى الثمن الكبير الذي دفعه الرب لأجله كيما يخلص…
الله لا يريدنا أن ننسى عمله لأجلنا ومحبته لنا، وبالأكثر يريدنا ألا ننساه هو. فالنسيان نقص في المحبة، وبالنسيان نبعد عن الله، فتجف أروحنا…
في عبور الأردن نصبت حجارة من النهر، لكيما تذكر الناس بالعبور العظيم فلا ينسوه. وفي معجزة المن، حجزت كمية منه في قسط المن في تابوت العهد، لكي لا ينسى الناس إعالة الرب لهم في البرية وهكذا حفظت في التابوت عصا هارون التي أفرخت، لكي لا ينسى الناس المعجزة…
وكما لا ننسى عمل الله لأجلنا، لا يصح أن ننسى وعوده لنا. فتذكر وعوده يعطينا الاطمئنان والثقة والرجاء…
وفي تذكر وعود الله، ما أجمل قول داود النبي: “أذكر لي يارب كلامك الذي جعلتني عليه أتكل، هذا الذي عزاني في مذلتي” (مز 118)
فربما كلمة واحدة من وعود الرب تكون مصدر فرح عجيب للإنسان طول يومه، كالآية التي تقول: “أنا معك، لا أهملك ولا أتركك”… يظل يرددها القلب في بهجة، واثقًا من وعود الله، ذاكرًا أمثلة من الماضي.
وكلما يردد هذه الآية المعزية، يفرح كمن وجد غنائم كثيرة، ويقول للرب مرة أخرى: “أذكر لي يارب كلامك الذي جعلتني عليه أتكل. هذا الذي عزاني في مذلتي” … حقًا ما أجمل تذكر وعود الله
وكما نذكر وعود الرب لنا، ينبغى أن نذكر تعهداتنا له:
ما أكثر التعهدات التي قدمناها للرب في ساعة حرج أو ضيق أو مرض أو في أيام الامتحانات، طالبين من الرب إنقاذًا ورحمة. أترى ما نزال نذكر تعهداتنا. أيضاً التعهدات التي قلناها في يوم العماد، والتي نقولها في كل قداس، وفي كل إعتراف وتوبة… أترانا نذكرها؟! ما أكثر النذور التي نذرناها، بل هناك من نذروا حياتهم…
كذلك ينبغي أن نذكر إحسانات الله إلينا وإلى أحبائنا، لأننا في تذكارنا لإحسانات الله نذوب حبًا بسبب معاملته لنا، ونذوب خجلًا بسبب نكراننا لجميله . وفي كل ذلك يتعمق إتضاعنا…
وإن نسينا إحسانات الله، تبرد محبتنا، ونتذمر ونتضجر في وقت الضيق، كأن حياتنا ضيق فقط…
ما أجمل أن نتذكر أن الله لم يتخل عنا، مهما تخلينا عنه! وأنه كان أمينًا معنا، على الرغم من عدم أمانتنا له..!
في كل ذلك نخجل، ونتضع، وتزداد محبتنا لله…
إن القديسين صاروا قديسين، لأنهم كانوا يذكرون الله باستمرار. كان الله هو أغنيتهم ونشيدهم. وكما قيل في التسبحة: “حلو اسمك ومبارك، في أفواه قديسيك”. وكما قال داود: “محبوب هو اسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتي”.
نريد أن يكون الله في فكرنا وفي قلبنا باستمرار … وأن تكون إحساناته إلينا في عمق ذاكرتنا، وعلى ألسنتنا…
إن عمل الله مع موسى في العبور، تضعه الكنيسة في الهوس الأول من تسبحتها اليومية في نصف الليل، لكيما نتذكر معونة الله وقوته وإنقاذه، فنتعزى ونفرح… ونثق بذراعه الحصينة، ويمينه القوية، مهما كان الأعداء…
إن الكنيسة تضع لنا خطة روحية نتذكرها كل صباح، لكيما نسلك بها حسنًا طول اليوم ولا ننسى…
أريدكم أن تذكروا وعود الله وإحساناته ومحبته ووصاياه، وتكتبوها في كراساتكم، وتعلقوها في بيوتكم، وتحفظوها في أذهانكم.
هناك أمر آخر ينبغى أن نذكره ولا ننساه، وهو الموت.
يقول داود النبي: “عرفني يارب نهايتي، ومقدار أيامي كم هى، لأعلم كيف أنا زائل”، “الإنسان كالعشب أيامه. كزهر الحقل كذلك يذبل. لأن ريحًا تمر عليه فلا يكون، ولا يعرفه موضعه بعد”.
كلما يتذكر الإنسان الموت، يزهد في الحياة، ويستعد لأبديته...
ويفتكر في الله، واللقاء به، فتدخل محبة الله إلى قلبه. كان القديسون يضعون الموت أمام أعينهم، بعكس الغني الغبي الذي وضع أمامه خيرات كثيرة لسنين عديدة…
على الأقل، إن لم يستطع الشخص أن يفتكر في الموت باستمرار، فليفتكر في الأبدية والحياة الأخرى، وأورشليم السمائية.
وليفتكر في غربته على الأرض، ويقول للرب: “غريب أنا على الأرض، فلا تخف عني وصاياك”.
وهكذا تصبح الأرض بالنسبة إليك، مكان عبور وليس مكان إقامة ويصبح مكان إقامتك هو الله نفسه…
شيء آخر ينبغي أن تفتكر فيه باستمرار، هو ضعفك… يجعلك هذا تتضع وتحترس وتدقق. ولكن إلى جواره تتذكر قوة الله العاملة فيك، التي تحول ضعفك إلى قوة.
ضع أمامك أن الخطية “طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء”، وتذكر أيضًا سقطاتك القديمة، حينئذ تحترس، وتبعد عن العثرات، وحينئذ تكثر من الصلاة، لكي تحيط بك قوة الله، ويقودك في موكب نصرته…
تذكر دائماً كل الأمور التي بتذكرها تقوى روحك وتزداد قربًا إلى الله. ولكن حذار من تذكار الأمور التي تتعب روحك، أعني “تذكار الشر الملبس الموت”…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثامن والعشرون) 15-7-1977م



