سر الكهنوت

سر الكهنوت[1]
كيف تتم المغفرة بدم المسيح حسب تعليم الكتاب؟
الكاهن كوكيل. يأخذ من استحقاقات دم المسيح. ويعطي مغفرة للتائبين
تحدثنا في العدد الماضي عن سر الاعتراف، وكيف تمت ممارسته منذ شريعة موسى، وطوال العهد القديم، وفى العهد الجديد أيضًا. وذكرنا أن الرسل ورجال الكهنوت مارسوه، كوكلاء لله، نالوا الروح القدس الذي يغفر الخطايا، بأن يأخذ من الفداء الذي قدمه المسيح، ونتابع موضوعنا، فنسأل
66- كيف يغفر الكاهن الخطية، والمغفرة حق الله وعمل الدم؟
لا يغفر الخطايا إلا الله وحده “فَابْتَدَأَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُفَكِّرُونَ قَائِلِينَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟” (لو5: 21) هذا حق وقد قدم الله هذه المغفرة على الصليب، لأنه “َبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب9: 22). ولكن استحقاقات الدم لا ينالها إلا المؤمنون التائبون المعتمدون من الماء والروح.
حقًا إن دم المسيح كاف لمغفرة خطايا العالم كله، ولكن العالم كله لم ينل الغفران، مع وجود كفارة الدم.
يلزم أولًا الإيمان لأن الآب “بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو3: 16) وقد أضاف السيد المسيح بفمه الطاهر شرط المعمودية، فقال: “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ” (مر16: 16). وقال القديس بطرس الرسول لليهود الذين آمنوا: “تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع2: 38).
أمامنا إذن ثلاثة شروط: الإيمان والتوبة والمعمودية.
67- ويقف المؤمن المعتمد أمام الكهنوت، ليتأكد من توبته.
يقف أمام الكهنوت، الذي قال الرب لباكورته: “أقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ” (يو20: 22، 23). وللتأكد من توبته، إذ قال الرب: “إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ” (لوقا13: 3). والتوبة تظهر بالاعتراف.
الكاهن أمين على كنوز هذه المغفرة التي قدمها دم المسيح فإن وجد الخاطئ تائبًا، يمنحه منها، حسب قول الرب. والإقرار بالخطية من شروط هذه التوبة. والكتاب يقول: “مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ” (أم28: 13).
68- يوحنا المعمدان، الكاهن، الذي قاد الناس إلى التوبة، عمدهم بمعمودية التوبة، كانوا – دليلًا على توبتهم – يأتون إليه في الأردن “مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” (مت3: 6). وهذا دليل آخر على اقتران التوبة بالاعتراف، أمام الكاهن.
69- والكاهن بالنسبة إلى التائبين، إنما يحول خطاياهم إلى حساب دم المسيح، ينقلها إلى الصليب فيحملها الرب.
هذا هو كل ما يفعله الكاهن… وما التحليل الذي يعطيه للمعترف، إلا إعلان بانتقال الخطية إلى حساب دم المسيح. والرب – كما قال الرسول – “إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ” (1يو1: 9).
70- وتعجبني في هذا المجال، عبارة قالها ناثان النبي لداود النبي لما اعترف بخطيئته
قال له النبي، الذي يحمل إليه حكم الله: “الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ” (2صم12: 13).
هي إذن عملية نقل إلى حساب الدم، يقوم بها، وكيل الله. “لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ، غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ، وَلاَ غَضُوبٍ، وَلاَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ”(تي1: 7) حينما يتأكد من توبة التائب وإذ تنتقل الخطية، يغطيها الدم فلا تظهر، وهذه التغطية تُسمى بالكفارة “طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُلٍ لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ” (مز32 :1، 2).
والدم إذ يغطي الخطية يمحوها أيضًا. والرب لا يعود يذكرها.
71- ولعل بعض المعارضين يحتجون! كيف يعلن الغفران من فم مخلوق؟ ونحن نجيبهم بمثال عجيب من الكتاب:
ظهر الرب لإشعياء، يحيط السارافيم بعرشه الإلهي ويسبحونه. وهنا صرخ إشعياء: “وَيْلٌ لِي! إِنِّي هَلَكْتُ لأَنِّي إِنْسَانٌ نَجِسُ الشَّفَتَيْنِ”.
ولم يحتمل واحد من السارافيم أن يرى إنسانًا يهلك، فطار إلى المذبح وأخذ من عليه جمرة، ومس بها فم إشعياء، وقال له: “إِنَّ هَذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ” (إش6: 1- 7).
72- وقد مارس القديس بولس الرسول سلطان الحل والربط.
مارس سلطان الربط بالنسبة إلى خاطئ كورنثوس “أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ”(1كو5: 5). ومارس أيضًا سلطان الحل في رسالته الثانية (2كو2: 6- 8).
73- ثم لنتأمل ما هي صلاة التحليل التي يقولها الكاهن:
إنها صلاة.. طلب من الله أن يغفر.
“أنت يا رب كصالح ومحب للبشر. أنعم عليهم بغفران خطاياهم… حاللهم، باركهم، طهرهم، قدسهم…”.
له سلطان، ومع ذلك يستخدمه كصلاة…
[1] مختصر من محاضرات أيام الأربعاء التي يلقيها قداسة البابا شنوده الثالث في القاعة المرقسية بالقاهرة “سر الكهنوت 7″، الكرازة 21 مارس 1980م.



