دروس من حياة المعمدان

دروس من حياة المعمدان1
أعظم من ولدت النساء:
كثيرون شهد لهم الناس بالعظمة وكانت شهادات زائفة، أو خاطئة، أو جاهلة، أو متملقة. أما يوحنا المعمدان فإن الذي شهد له بالعظمة هو الله وملاكه. قيل عنه: “ويكون عظيمًا أمام الرب” (لو1: 15).
وهكذا لصقت العظمة بيوحنا قبل أن يولد، بشهادة الرب.
أعمال عظيمة قد قيلت عن يوحنا: منها أنه “يرد كثيرين إلى الرب إلههم” “يرد العصاة إلى فكر الأبرار” “يهيئ للرب شعبًا مستعدًا “يهيئ الطريق قدام الرب” “يتقدم أمامه بروح إيليا وقوته”. وفي كل ذلك نسأل الملاك الذي بشر بميلاده عن سر هذه العظمة العجيبة، فيجيبنا بقوله: “من بطن أمه يمتلئ بالروح القدس” (لو1: 15). حقًا، هذه هي سر عظمة يوحنا. سمعنا في الكتاب المقدس أن الروح القدس حل على كثيرين: حل روح الرب على شمشون وعلى شاول وعلى داود وعلى كثيرين من الأنبياء. ولكن لم نسمع مطلقًا عن أحد منهم أنه “من بطن أمه” قد امتلأ من الروح القدس. هذا الأمر قد اختص به يوحنا المعمدان، لم يسبقه إليه أحد.
ومن نتائج هذا الامتلاء أنه ارتكض بابتهاج في بطن أمه تحية للجنين الإلهي وهو في بطن العذراء… لقد أوتي المعرفة التي يميز بها الرب، بل أنه أيضًا أوتي روح العبادة وهو في بطن أمه. أمر لم يذكر عن أحد من الأنبياء أو القديسين من قبل… لقد عرف المسيح، وآمن به، وسجد له في البطن، قبل أن يولد…
قالت عنه أمه أليصابات “ارتكض الجنين بابتهاج في بطني” لقد ابتهج بالرب، فرح به. فرح بالخلاص الذي كان مزمعًا أن يأتي إلى العالم من بطن العذراء!… عجيب مثل هذا الابتهاج من جنين لا يدرك ولا يعي! ولكن يزول العجب إذ كان هذا الجنين ممتلئًا من الروح القدس “والروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله” (1كو2: 10). هو بالروح تحرك في بطن أمه. وهو بالروح آمن وابتهج… حقًا إنه كان عظيمًا أمام الرب…!
وعظمة يوحنا لم يشهد بها ملاك الرب فقط عندما بشر زكريا، إنما أكثر من هذا شهد بها رب المجد ذاته ولم يقل عن يوحنا أنه عظيم فحسب وإنما قال: الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (متى11: 11).
الرب نفسه يشهد عنه أنه أعظم من ولدته النساء. هل هناك شهادة حصل عليها إنسان في طول الأرض وعرضها، أسمى وأعلى من هذه؟ يضيف إليها الكتاب لقبًا آخر أطلق على يوحنا، وهو “ملاك” أو هو، الملاك الذي يهيئ الطريق قدام المسيح (مر1: 2). (متى11: 10). بل شهد المسيح أيضًا عن يوحنا أنه “أفضل من نبي” فقال للجموع “ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا: أنبيًا؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي” (متى11: 9) … كان يوحنا إذن ملاكا، وكان نبيًا. وكان أيضًا كاهنًا من بني هارون، ابنا لزكريا الكاهن.
ولعل أعظم ما في حياة يوحنا أنه عمد المسيح له المجد..
أتى إليه السيد المسيح ليعتمد منه كباقي الناس… ومن أجل الطاعة قام يوحنا بعماد المسيح. واستحق أن يري الروح القدس بهيئة حمامة، وأن يسمع صوت الآب قائلا “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (مت3: 16، 17) وهكذا تمتع بالثالوث الأقدس، روحًا وحسًا..
وتظهر عظمة يوحنا المعمدان في أنه تمم عمله العظيم في مدة قصيرة لعلها ستة أشهر أو أزيد قليلًا.
هذه الستة أشهر هي الفرق بين عمره وعمر المسيح، وكل منهما بدأ عمله في نحو الثلاثين من عمره. وخدم يوحنا هذه الستة أشهر. ولما ظهر المسيح بدأ يختفي هو. وفي هذه المدة الوجيزة أستطاع أن يهدى كثيرين إلى التوبة، وأن يشهد شهادة قوية للرب، وأن يمهد الطريق أمامه وأقنع العالم كله بأن قوة الخدمة ليست في طولها، وإنما في عمقها، في مدي فاعليتها وتأثيرها…
أليس عجيبا أن كثيرًا من الخدام النافعين لا يتركهم الرب يخدمون طويلًا. يكفي أنهم قدموا عينة للخدمة، وعينة للبر. قدموا شهادة للرب، وقدموا مثالًا يحتذى. واكتفى الله بما فعلوه، وأطلقهم بسلام… تمامًا مثل تلميذ نابغ جلس أمام أساتذته في امتحان شفهي. فسألوه سؤالًا عميقًا فأجاب إجابة ممتازة، ودعوه يمضي، غير محتاجين أن يسألوه في المقرر كله. يكفي ما أظهره من ذكاء وفهم… كذلك الله لا يهمه كمية الخدمة بقدر ما يهمه نوعها. وقد قدم يوحنا مثالًا ممتازًا للخدمة الجادة، ومثالًا ممتاز للروحيات العميقة، تنسم منه الرب رائحة الرضى، وصرفه بسلام…
وتبرز عظمة يوحنا، في أنه عاش بكماله، على الرغم من أن عصره كان مظلمًا…
كان عصرًا شريرًا، وكان أشر ما فيه قادته الروحيون من أمثال الكهنة رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والفريسيين والصدوقيين… وقد قام فيه من قبل بعض المعلمين الكذبة مثل ثوداس ويهوذا الجليلي اللذين تكلم عنهما غمالائيل (أع 5)، وأزاغا كثيرين… وكان عصرًا يمتاز بالحرفية والبعد عن الروح، ويتميز رجال الدين فيه بالرياء والكبرياء. يكفي أن الرب وصفه بأنه “جيل فاسق وشرير” (متى12: 39).
ولكن يوحنا لم يتأذ من فساد جيله، بل على العكس كان بركة لجيله وسبب هداية وتوبة… ومن عظمة يوحنا أنه كان ابن الجبال، كان رجل برية ورجل زهد ونسك. وكل ذلك ترك أثره في حياته.
طارده الموت من صغره، عندما قتل هيرودس الأطفال. فأخذوه إلى البرية. وعاش في البراري طوال عمره “ينمو ويتقوى بالروح” (لو1: 8). عاش ناسكًا “خمرًا ومسكرًا لا يشرب” (لو1: 15).”يلبس وبر الإبل، ومنطقة من جلد على حقويه. ويأكل جرادًا وعسلا بريًا” (مر1: 6). وهكذا تدرب في البرية على حياة الزهد. وصدق مار اسحاق حينما قال “أن مجرد نظر الفقر يميت من القلب الحركات العالمية”. أعده الله في مدومه البرية، كما أعد العذراء في الهيكل. فنشأ شجاعًا لا يهاب إنسانًا، يصلح أن يكون صاحب رسالة.
ومن عظمة يوحنا المعمدان، إنه كان شجاعًا جريئًا، يقول الحق بكل قوة، مهما كانت النتائج. حقًا إن الزاهد لا يخاف.
أخطأ هيرودس الملك. فمن كان يجرؤ أن يوبخه أو يواجهه بكلمة الحق؟ من الذي يعلق الجرس في عنق القط؟! ليس غير يوحنا المعمدان. هو الوحيد الذي أستطاع أن يقول لهيرودس “لا يحل لك…” ربما قيل له: ستتعطل خدمتك بالسجن. أما يوحنا إن كان هذا الباب مفتوحًا من الله، فلا يستطيع أحد أن يغلقه. إن كان الله يريد يوحنا أن يبشر، فسيبشر، ولا يستطيع أحد في الوجود أن يمنعه. وإن كان الله لا يريد، فلتكن مشيئته. بهذا المنطق كان يوحنا يشهد للحق. وليحدث بعد ذلك ما يكون.
وكان ما كان، وقطعت رأس يوحنا. ولكن صوت هذا الصارخ في البرية، ظل يدوي في أُذن هيرودس يزعج ضميره وأفكاره ونومه وصحوه، ويقول له في كل وقت “لا يحل لك”.
إن صوت يوحنا لم يمت بموت يوحنا. بل ظل مدويا ضد أعداء الحق… وظل هيرودس يخاف يوحنا حتى بعد موته… فعندما أحس هيرودس بكرازة المسيح القوية وبمعجزاته، “قال لغلمانه: هذا هو يوحنا المعمدان قد قام من الأموات، ولذلك تعمل به القوات”!! (متى14: 2).
أن يوحنا قد عامل هيرودس الملك كما عامل باقي الناس. كان يدعو الكل إلى التوبة، سواء في ذلك الملك أم الجند أم القادة أم أفراد الشعب… الكل سواء أمام شريعة الله. الكل في حاجة إلى التوبة. ينادى في الناس “توبوا فقد اقترب ملكوت السموات” (متى3: 2). وكان شديدًا في دعوته، يوبخ وينتهر ويبكت. وكان الناس يقبلون تبكيته بقلب مفتوح. ونجح يوحنا في خدمته.” خرج إليه أورشليم وكل اليهودية وجميع الكورة المحيطة بالأردن. واعتمدوا منه في الأردن معترفين بخطاياهم” (متى3: 6).
ولما رأى الجموع قد كثرت حوله، حول أنظارهم منه إلى المسيح. بذل كل جهده لكي يختفي هو، ويظهر المسيح. ولعل هذه هي أبرز فضائل يوحنا وأقدس أعماله…
كان يقول لهم “أنا أعمدكم بماء للتوبة. ولكن الذي يأتي بعدي… سيعمدكم بالروح القدس ونار” (متى3: 11) “أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس” (مر1: 8). وكما كان يجذبهم إلى معمودية أخرى أفضل من معموديته، كان يجذبهم بالأكثر إلى صاحب تلك المعمودية، الذي هو أقوي منه وأعلى وأقدم.
كان ينادى في الناس “يأتي بعدي من هو أقوي مني، الذي لست أنا أهلًا أن أنحني وأحل سيور حذائه” (مر1: 7) “يأتي بعدي رجل صار قدامي، لأنه كان قبلي” (يو1: 30). لست أنا المسيح، بل أني مرسل أمامه” (يو3: 28).
لم يكن تفكير يوحنا مركزا في ذاته، وإنما في المسيح. لم يكن يبحث عن مجد ذاته، وإنما عن ملكوت المسيح. كان يدرك تمامًا أنه ليس هو النور، وإنما ليشهد للنور (يو1: 8). إذن فهو مجرد إنسان جاء للشهادة. ليشهد للنور، ليؤمن الكل بواسطته. كان يعرف أنه مجرد سابق أمام موكب الملك الآتي، كل عمله أن يعد الطريق للملك.
كانت الذاتية ميتة عند يوحنا. لم يكن للذاتية وجود في خدمته. كان المسيح بالنسبة إليه هو الكل في الكل. ليته يكون درسًا للخدام الذين يبنون ذواتهم على حساب الخدمة. أو يتخذون الخدمة مجرد مجال لإظهار ذواتهم؟!
أروع كلمة تعبر عن خدمة يوحنا هي قوله عن المسيح “ينبغي أن ذاك يزيد، وأني أنا أنقص” (يو3: 30). هذه العبارة هي سر نجاح خدمته. وهي المبدأ الذي سار عليه في كل خدمته… لذلك عندما بدأت كرازة المسيح وأخذت تكتسح خدمة يوحنا، ابتهج يوحنا وفرح. وقال “إذن فرحي هذا قد كمل “من له العروس فهو العريس… الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع… الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يري حياة بل يمكث عليه غضب الله” (يو10: 26- 31).
حالما تقابل يوحنا مع المسيح قال له “تفضل هذه العروس أنها لك. أنا تسلمتها لمجرد أن أوصلها لك. حقًا أنه من واجبي أن أوصلها لك نظيفة ومزينة. وأنادي لها أولًا بالتوبة… وأقول لها: أيتها العروس. هوذا العريس مقبل، فاستعدي للقائه”. “اسمعي يا ابنتي، وانظري وأميلي سمعك، وأنسى شعبك وبيت أبيك. لأن الرب قد اشتهي حسنك. لأنه هو ربك. وله تسجدين” (مز45: 10، 11). حالما جاء المسيح، سلمه العروس. وانسحب من الميدان… وكصديق للعريس وقف ينظر ويفرح…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الرابع) 24-1-1975م



