داود النبي جـ3 – نبل داود

داود النبي – الإنسان المجاهد وسط التجارب
تأمل قداسة البابا شنوده الثالث في حياة داود النبي بعد موت شاول، مبرزًا أن حياة القديسين لا تخلو من التجارب، حتى بعد أن تزول مشكلة تظهر أخرى، لأن الشيطان لا ييأس من محاربة أولاد الله. فكما ترك إبليس السيد المسيح إلى حين، كذلك التجارب تلاحق المؤمن ما دام في الجسد. المهم ليس غياب التجربة، بل كيف يحتملها الإنسان بثبات وإيمان.
نبل داود بعد موت شاول
أظهر داود عظمة قلبه حين سمع بموت شاول، فلم يفرح بل بكى عليه ورثاه بكلمات مؤثرة: «كيف سقط الجبابرة!»، وعاقب الرجل الذي بشره بموت شاول لأنه مدّ يده إلى مسيح الرب. كان داود مثالاً في الوفاء حتى لأعدائه، فلم يشمت في موت من اضطهده، بل بكى عليه بدموع مقدسة.
عظمة داود في محبته لأعدائه
لم يقف بكاؤه عند شاول، بل بكى أيضًا على ابنير قائد جيش شاول الذي كان خاصمه، وسار وراء نعشه باكيًا. كما بكى على ابنه أبشالوم الذي تمرّد عليه، قائلاً بحرقة: «يا ابني أبشالوم، يا ليتني متّ عوضًا عنك!» — وهكذا جسّد عمليًا وصية المسيح: «أحبوا أعداءكم» قبل أن تُقال على الجبل بقرون.
النبل والرحمة في قلب الملك
بحث داود عمّن بقي من بيت شاول ليصنع معه معروفًا، فاستدعى مفيبوشث ابن يوناثان، وردّ له أملاك أبيه، وجعله يأكل دائمًا على مائدته. هذا الموقف يجسّد الرحمة الحقيقية التي تتجاوز الماضي، ويُظهر اتضاع داود ووفاءه لصديقه يوناثان.
سقوط داود وضعفه البشري
ورغم عظمة داود، إلا أنه لم ينتصر على نفسه في وقت الراحة والترف. إذ سقط في خطية مع بثشبع امرأة أوريا، بعد أن ترك الحرب وارتاح في قصره. فالراحة والرفاهية قد تكون أخطر من الضيقات، لأنها تضعف الروح وتفتح الباب للتجربة. ومع ذلك، حين واجهه ناثان النبي بقصته الشهيرة عن الرجل الغني والنعجة، قال داود بتوبة صادقة: «أخطأت إلى الرب.» فقبل الله توبته وغفر له.
توبته ودموعه
تحولت خطية داود إلى ينبوع توبة عميق، فكتب مزامير الانسحاق والدموع مثل المزمور السادس والخمسين والخمسين، حيث قال: «ارحمني يا الله كعظيم رحمتك.» كانت دموعه غذاءه ليلاً ونهارًا، وصارت توبته درسًا خالدًا لكل الأجيال أن القديس ليس من لا يسقط، بل من يسقط ويقوم بتوبة صادقة.
التجارب الخارجية والداخلية
في بداية حياته، كانت مذلته من الخارج بسبب شاول وأعدائه، لكن بعد سقوطه صارت مذلته من الداخل بسبب إحساسه بالخطية. ومع ذلك لم يتركه الله، بل حول ضعفه إلى نعمة، إذ صارت خبرته سبب عمق في مزاميره وصلواته.
حكمة أبيجايل ونجاة داود
توقف البابا أيضًا عند قصة أبيجايل، المرأة الحكيمة التي منعت داود من قتل نابال رجلها. بكلماتها الرقيقة وتواضعها وذكائها هدّأت غضبه، فشكرها داود قائلاً: «مبارك الله الذي أرسلكِ إليّ، ومباركة حكمتك.» وهكذا أظهرت أن الكلمة الودّية والاتضاع أقوى من الغضب والانتقام.
الدرس الروحي
تعلمنا حياة داود أن القديسين ليسوا معصومين، بل مجاهدين في طريق طويل من السقوط والقيام، الضعف والنمو. الله يحب الإنسان حتى في تأديبه، ويحوّل حتى الخطية إلى وسيلة للتوبة والعمق. لذلك قيل عن داود: «رجل حسب قلب الله.»
للمساعدة في ترجمة أفضل يمكن التواصل مع المركز.



