حبيبي أبيض وأحمر

حبيبي أبيض وأحمر
أبيض:
فلنحاول أن نتتبع كلمة (أبيض) في الكتاب المقدس، ونري ماهي دلالتها. أول ما نلاحظه هو:
دلالتها على مجد الرب، وبخاصه في التجلي. يقول الكتاب في قصة التجلي “صارت ثيابه بيضاء كالنور” “صار لباسه مبيضًا لا معًا”.
وهكذا العذراء عندما تجلت، ظهرت أيضًا بيضاء، كالنور.
“حبيبي أبيض”.. أبيض كالنور، أو أبيض لأنه نور.
قيل عنه إنه “نور لا يدني منه”. وقال عن نفسه إنه نور العالم. ونقول عنه في قانون الإيمان إنه “نور من نور” الذين يتبعونه يسلكون في النور، ويسمون “أبناء النور”.
وهذا اللون الأبيض ذكر أيضًا في الحديث عن الملائكة النورانيين
قيل عن ملاك القيامة “وكان منظره كالبرق، ولبلسه أبيض كالثلج. حبيبي الأبيض، خدامه بيض، في الأرض وفي السماء. وهكذا الكهنة والشمامسة- وهم يخدمون المذبح- يلبسون ملابس بيضاء. وقد قال عن الأبرار في القيامة “ الرؤيا 3 : 4 ” (رؤ 3: 4).
إن اللون الأبيض يدل على النقاوة، وبالنسبة إلى البشر يدل على حياة التوبة أيضًا. فيقول في سفر إشعياء “إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج” ويقول سفر الرؤيا “بيضوا ثيابهم في دم الخروف”. ويقول سفر الجامعة “لتكن ثيابك بيضاء”.
“حبيبي أبيض” في تجليه، في صفاته ونقاوته، في شكله وشكل ملائكته وكهنته وخدامه. أبيض في نوره وفي صلاحه.
في سفر ( دانيال 7 : 9 ) يقول “وَجَلَسَ الْقَدِيمُ الأَيَّامِ. لِبَاسُهُ أَبْيَضُ كَالثَّلْجِ، وَشَعْرُ رَأْسِهِ كَالصُّوفِ النَّقِيِّ، وَعَرْشُهُ لَهِيبُ نَارٍ، وَبَكَرَاتُهُ نَارٌ مُتَّقِدَةٌ”: لا حظوا هنا وجود الأبيض والأحمر معًا، لأن النار حمراء.
من صفات الله التي نتغنى بها، قداسته وبره. فتقول له “قدوس قدوس قدوس”. ويحب الله فينا هذه الصفة أيضًا.
فإن كنت تحب الله، كن أبيض مثله، بلقب أبيض، وفكر أبيض، وألفاظ بيضاء، ومشاعر بيضاء. إن كنت أبيض كلك، يمكنك أن تتقدم للتناول من الأسرار المقدسة.
القديس موسى الأسود، لما سيم كاهنًا، ولبس ملابس الخدمة البيضاء، قالوا له “ها قد صرت أبيض كلك”. فأجابهم “حبذا لو كان هذا من الداخل أيضًا”.
لذلك حذر الكتاب من الاقتصار على البياض الخارجي وحده:
فالمراؤون “كالقبور المبيضة من الخارج، ومن الداخل عظام نتنة” (متى 23). وقال بولس لرئيس كهنة اليهود الذي أمر بضربه: “سَيَضْرِبُكَ اللهُ أَيُّهَا الْحَائِطُ الْمُبَيَّضُ!” ( أعمال الرسل 23 : 3 ).
حبيبي أبيض، في نوره، في صلاحه، في شكله، في مجده، في شكل خدامه.. وماذا إذن عن كلمة (أحمر)؟
أحمر:
أحمر، لأنه نار، “الهنا نار آكله”. وهكذا شبه الروح القدس بالنار. الهنا نور ونار، أبيض وأحمر.
هكذا الملائكة: بيض في نقاوتهم وفي ملابسهم. وقيل عنهم أيضًا الذي خلق ملائكته أرواحًا، وخدامه نارًا تلتهب”. هكذا أنت أيضًا تكون أبيض بالنقاوة، وأحمر بالروح الناري الذي فيك. يراك الله فيقول “حبيبي أبيض وأحمر”.. في توبته أبيض كالثلج، وفي غيرته نار متقدة كالثلج وكالنار في نفس الوقت!
هكذا قال للتلاميذ “أنتم نور العالم (حبيبي أبيض). وحل عليهم الروح القدس كنار بلون أحمر. كالثلاثة فتية في أتون النار: كانوا بيضًا في برهم، حولهم النار بلون أحمر.
المسيح كان أبيض في وداعته، وأحمر في حزمه وقوته.
رآه يوحنا في رؤياه ( الرؤيا 1 : 14–15 ) “رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ أَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأَبْيَضِ كَالثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَرِجْلاَهُ شِبْهُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ، كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أَتُونٍ” ولعل يوحنا كان ينظر إلى الرب ويقول “حبيبي أبيض وأحمر”.
أنا يا رب اتحير كيف تجمع بين وداعتك، وبين عينيك اللتين كلهيب نار، اللتين قال عنها بيلاطس “ما كان أحد يستطيع أن ينظر طويلًا إلى عينيه” إن صفاتك لا تتناقض.
في رحمتك أبيض، وفي عدلك أحمر. ورحمتك وعدلك لا ينفصلان. أنت رحيم في عدلك، وعادل في رحمتك.
فيك يمتزج اللونان الأبيض والأحمر، كالخمر، لذلك قيل عنك في النشيد “حبك أطيب من الخمر” أبيض وأحمر” يمتزج فيه الحنو الأبيض بالحزم الأحمر. الجاذبية بالهيبة، والعطف بالتأديب.
أنت أبيض على الصليب، أبيض في طهارتك، لا تستحق الموت، وأحمر في دمك المراق عنا، كحامل للخطايا.
في خيمة الاجتماع كان الدم يرش على جدرانها، دليلًا على المغفرة. فهذا الدم الأحمر، كان دليلا على الحياة البيضاء بالتوبة والفداء والمغفرة. وهذا نفس معني “انضح على بزوفاك فاطهر، واغسلني فابيض أكثر من الثلج” (مز 51).
الزوفا كانت نوعًا من العشب، يرش به الدم الأحمر، فتصير الحياة بيضاء. وهكذا يولد الأبيض من الأحمر. والذي يرشه الرب بزوفاه، يقول عنه “حبيبي أبيض وأحمر”.
هذا ما قصده المرنم في مزمور التوبة. وهو نفسي المعني الذي قيل في الرؤيا “بيضو ثيابهم بدم الخروف”. هذا الدم الأحمر جعل ثيابهم بيضاء. يغتسل الخاطئ بالدم فيصير أبيض، أبيض وأحمر.
أنت أبيض، لأنك تلبس ثيابًا بيضاء في الأبدية، وأحمر لأن ثيابك صارت بيضاء بالدم الأحمر الذي غمست فيه:
حياة كل إنسان فينا، هي قصة الأبيض والأحمر. أنه لم يصر أبيض، إلا بدم المسيح الأحمر الذي طهره.
كل تائب بيض ثيابه في دم الخروف، ونضح الله عليه بزوفاه فصار أبيض من الثلج، هو أبيض بالمغفرة التي نالها، وأحمر في الدم المسفوك عنه، الذي اغتسل به، ينظر إليه الرب من على الصليب ويقول “حبيبي أبيض وأحمر”.
كانت الخطية في العهد القديم، تشبه أحيانا باللون الأحمر:
وهكذا قبل في سفر إشعياء النبي ( إشعياء 1 : 18 ) “إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ” إذن الخطية حمراء كالقرمز، وكالدودي، وتصير بيضاء كالثلج وكالصوف.
لون الخطية الأحمر يظهر في عين الغضوب المملوءة دمًا. وإننا نجد أن عيسو الخاطئ خرج من بطن أمه “أحمر كله”.
لون الخطية الأحمر، حمله المسيح عنا، نيابة عن البشر. فصار وهو أبيض بطبيعته الطاهرة، يحمل اللون الأحمر الذي للقرمز وللدودي، نراه على الصليب حامل عارنا فنقول “حبيبي أبيض وأحمر”.
وهكذا ألبسوه ثوبًا أرجوانيًا وسخروا به. لقد صار القدوس الذي بلا خطية، خطية لأجلنا، أو حاملًا لخطايانا. هذا الأبيض حمل الأحمر الذي فينا، وغطاه بدمه الأحمر. فوضع الدم الأحمر الكلي القداسة، عوصًا عن لون الدودي الأحمر الكلى الدنس..
وكان اللون الأحمر يرمز أحيانا إلى ملابس الملوك.
والمسيح في ثيابه الحمراء كان ملكا، وبدمه الأحمر امتلكنا، إذ اشترانا بدمه، وهكذا “ملك على خشبه” باللون الأحمر. فطلب إليه اللص أن يذكره في ملكوته، وهو يصيح في قلبه نحو هذا الملك “حبيبي أبيض وأحمر”.
معلم بين ربوة:
الربوة هي عشرة آلاف. والمسيح لو وضع بين عشرة آلاف، لكان مميزًا عنهم “معلم بين ربوة”. ولهذا قال داود “من يشبهك في الآلهة يا رب؟ من مثلك؟!” ليس لك شبيه يا رب بين الآلهة. أنت معلم بين ربوة.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثاني والثلاثون) 6-8-1976م




