تأملات في سفر نشيد الأناشيد – أنا سوداء وجميلة

كلمتكم في المحاضرة السابقة عن بعض من المفهوم الروحي لعبارة “أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ” (نش 5:1)، كرمز للكنيسة، وللنفس البشرية في نواحٍ معينة من علاقاتها بالله، وعن رمزها لبعض الصغار، وأود أن أكمل معكم اليوم تأملاتنا في نفس الآية:
أنا سوداء وجميلة 1
(نش1: 5)
كثير من الفضائل تبدو للإنسان سوداء، وهي جميلة. هكذا الطريق الكرب، والباب الضيق، وهكذا الصليب الذي يحمله الإنسان لأجل الله.
الأمور التي تتعب فيها نفسه، أو تضغط على إرادته، كتقديم الخد الآخر لمن يلطمه اللطمة الأولى، وكأن يبارك لاعنيه، ويحسن إلى مبغضيه، ويقبل الظلم في صمت، كشاة تساق إلى الذبح، لا يفتح فاه… كل هذه تبدو أمامه ضاغطة، ولكنها تهمس في أذنه “أنا سوداء وجميلة”
هكذا كل أنواع التعب التي يتحملها الإنسان من أجل الخير
ليس في الروحيات فقط، إنما حتى في جميع الواجبات. كتلميذ يسهر الليل، ولا يخرج لاهياً مع أصحابه، وإنما يحبس نفسه في بيته، ويذاكر لكي ينجح. وأيضًا رب الأسرة الذي يكدح ليلاً ونهاراً لأجل قوت أسرته. أمثلة كلها تعب، ولكنها جميلة.
الجلجثة عمومًا تبدو في نظر الناس سوداء، وكذلك الصليب، ولسنا نقصد التعب من أجل الفضيلة فقط، بل من أجل الخدمة أيضاً.
أنظروا ماذا يقول بولس الرسول عن خدمته هو ومعاونيه:
” مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ.. مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ… لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ” (2كو 4: 8 -11)
وما عبارات: مكتئبين، متحيرين، مضطهدين، نسلم دائماً للموت إلا عبارات تبدو سوداء وهي جميلة.
كذلك يقول بنفس المعنى عن الخدمة: “كمضلين ونحن صادقون، مجهولين ونحن معروفون، كمائتين وها نحن نحيا، … كحزانى ونحن دائماً فرحون، كفقراء ونحن نغني كثيرين …” (2كو 6: 8-10) ونحن ننظر إلى عبارات: مضلين، ومجهولين، ومائتين، وحزانى، وفقراء… فتهمس في آذاننا “أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم”.
وعبارة “بنات أورشليم” إنما ترمز إلى أولاد الله، السائرين في طريقه، الذين ينتمون إلى أورشليم “مدينة الملك العظيم”.
إن أورشليم ترمز كثيراً إلى الكنيسة المقدسة، والأبرار سيسكنون في أورشليم السمائية، النازلة من السماء “كعروس مزينة لعريسها” (رؤ 21 :2). وبناتها هي النفوس المنتمية إليها، التي توجه إليها عبارة النشيد “أنا سوداء وجميلة”:
“أنا سوداء”، أنا الباب الضيق الذي يوصل إلى الملكوت، أنا الوصايا الصعبة، التي تبدو ضاغطة على “الأنا” على الذاتية، على الكرامة البشرية، على الإرادة التي يناديها الكتاب “لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم”، بينما هي لم تتخلص بعد من هذا الحب …
إننا مدعوون أن نمشي في طريق الجلجثة حاملين الصليب، ولا يوجد طريق إلى القيامة سوى الجلجثة. إن لم نتألم مع المسيح، فلن نتمجد معه. آلام الزمان الحاضر قد تبدو سوداء، ولكنها لا تقاس بالمجد العتيد والفرح الذي لا ينطق به.
جميع الصلبان تقف أمام البشرية وتقول: “انا سوداء وجميلة”.
هذه الصلبان (السوداء) خاف من سوادها بطرس فقال للرب: “حاشاك أن تفعل هذا…” وظن بطرس أن الجمال هو جبل التجلي، فقال عنه: “جيد يا رب أن نكون ههنا”. كلا، أيها الرسول العظيم، إن الآلام والمسامير والجلدات والأشواك، كلها سوداء، ولكنها جميلة لأنها تعبر عن الحب والبذل والفداء.
أيضاً فضيلة الزهد، والموت عن العالم، هي سوداء وجميلة …
قد يبدو صعباً ومتعباً، أن يحرم الإنسان نفسه من كل ملاذ العالم، حتى الحلال منها، ويحيا في الوحدة والقفر، وفى العوز والفقر، متجرداً من كل الرغبات والشهوات. ولكنها حياة جميلة… صدقوني إن الحياة الروحية كلها، يمكن أن تندمج تحت هذه العبارة “سوداء وجميلة”… إنما تشابه قول الرب:
“من وجد نفسه يضيعها. ومن أضاعها من أجلى يجدها”.
من يقبل أن يضيع نفسه؟ في نظره هذه العبارة سوداء، ولكنها جميلة، لأنها الطريق الوحيد الموصل إلى الله. ولهذا ذكرها الرب كأول وصية “من أراد أن يتبعني، فلينكر ذاته ويحمل صليبه، ويتبعني.” لابد أن تختفي ذاته، لكي يظهر الله. تموت ذاته لكي يحيا الله فيه.
إن الحياة مع الله تبدأ بالموت: نموت لكي نحيا، ندفن معه في المعمودية لكي نقوم في جدة الحياة. يموت إنساننا العتيق، لكي يولد إنسان جديد على صورة الله. (رو 6)
وهكذا يصرخ الطفل عندما نغطسه في الماء، ولكننا نلبسه ثياباً بيضاء، رمزاً للنقاوة الجديدة التي يعيشها، ونهنئ أهله به، لأن ابنهم قد مات مع المسيح، ماتت طبيعته الأولى…يشرى بيضاء
التجارب والضيقات هي أيضاً في المفهوم الروحي “سوداء وجميلة”
أنظروا إلى تجربه أيوب كمثال، كانت تبدو سوداء للغاية: لقد تم تجريده من كل شيء: من الأولاد، والمال، ومن كل غناه، ومن صحته، ومن راحته، حتى من أصحابه الذين عيروه ظلماً، حتى من كرامته فيقول أيوب: “أقاربي قد خذلوني، والذين عرفوني نسوني. نزلاء بيتي وإمائي يحسبونني أجنبياً، صرت في أعينهم غريباً. عبدي دعوت فلم يجب، بفمي تضرعت إليه. نكهتي مكروهة عند امرأتي، وخممت عند أبناء أحشائي… كرهني كل رجالي، والذين أحببتهم انقلبوا على” (أي 19)
وبقدر ما بدت تجربة أيوب سوداء، إلا أنها كانت جميلة، إذ قال فيها لله: “بسمع الأذن سمعت عنك، والآن رأتك عيني”.
دخل في التجربة السوداء، فخرج أبيض من الثلج، بخيرات مضاعفة، وبخيرات روحية عميقة. كما كانت تجربته جميلة كقدوة ومثال …
إننا نصلى إلى الله “لا تدخلنا في تجربة”. ولكن جمال التجارب التي نخافها، يظهر في قول يعقوب الرسول: (يع1: 2)
“احسبوه كل فرح يا إخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة”
خذوا تجربة ثانية، هي تجربة إبراهيم قال له الرب: “خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه نفسك، إسحق، وقدمه لي محرقة. أمر صعب. ويبدو فوق الاحتمال، وأخبار تبدو سوداء، حتى أن إبراهيم لم يستطع أن يقولها لزوجته سارة، خوفاً من أن تسقط ميتة من الحزن…
ومع أن تجربة إبراهيم في ذبح ابنه إسحق، كانت تبدو سوداء، إلا أنها كانت جميلة، كمثال للفداء، وللطاعة، وللإيمان. صورة رائعة.
بالفهم البشرى كل تجربة تبدو سوداء، ومن الناحية الروحية لابد وراءها خير… أول معرفة إبرام بالله، كانت تبدو تجربة: “اخرج من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك”.( تك 12). حرمان من الأهل والأقارب والوطن، ومع ذلك كانت هذه التجربة جميلة إذ قال له الرب: “فأجعلك أمة عظيمة، وأباركك، وأعظم اسمك، وتكون بركة، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض”.
إن سواد التجربة يكمن في الفهم البشرى للتجربة، أما جمالها فهو في القصد الإلهي منها، وفي الفهم الروحي لها.
الطاعة عمومًا قد تبدو سوداء، وعندما تضغط على الإرادة.
صعب أن يتخلى الإنسان عن مشيئته، وعن رغبته، وربما عن فكره الخاص وينفذ مشيئة غيره … كالطفل الذي يحرمه أبوه من ألعابه وأصحابه، ليجلس إلى دروسه. ولكن الطاعة جميلة لأن فيها الخير، وبها تتدرب نفوسنا وتكبر. وما أخطر أن يسلك الإنسان حسب هواه كما فعل الابن الضال. وكما يفعل الوجوديون الملحدون الذين يطيعون هواهم، ليتمتعوا بوجودهم!!
من الأشياء التي تبدو سوداء وجميلة: التوبيخ والتأديبات …
صعب على الإنسان المحب لكرامته أن يسمع كلمة توبيخ، أو كلمة انتهار، أو أن توقع عليه عقوبة… بينما نرى النفس التي تسعى إلى خلاصها، ترحب بكلمة التوبيخ وتفرح بها لأنها تكشف لها أخطاءها لكيما تعالجها فتخلص.
ان التأديبات جميلة، لأنه “الذي يحبه الرب يؤدبه”. ولكنها سوداء في نظر الذين لا يحتملونها، إذ تخدش “الذات” التي يحرصون عليها، وتحرمهم من المديح الذي يحبونه.
عندما قال بطرس للرب: “حاشاك أن تفعل هذا “أجابه” اذهب عنى يا شيطان، أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله، لكن بما للناس”(متى 16: 23) فلم يغضب بطرس، بل سمع عبارة التوبيخ في محبة لخلاص نفسه.
إن الله يعلمنا الحياة، بكلمات الحب حينًا، وبكلمات التوبيخ حينًا آخر، بالبشارة المفرحة حينًا، وبالصليب حينًا آخر… بالخيرات التي تنسكب من السماء حتى نقول: “كفانا كفانا” وأيضاً بالتجارب والضيقات…
أيضاً فضيلة التعب من أجل الرب في السهر، والصوم، والنسك، والمطانيات، وضبط النفس، هي كذلك سوداء وجميلة …
ما أسهل أن يستريح الانسان، ويسترخى تحت فراشه الدافئ، ولكن الجميل هو أن يقوم ويصلى صلاة نصف الليل، فيجد التعزيات الجميلة. كذلك الذين يمارسون المطانيات لا يشعرون فيها بتعب، إنما يشعرون بلذة روحية. والصوم أيضاً ليس حرماناً للجسد، وإنما هو نشوة الروح، وهو أيضاً مفيد لصحة الجسد من نواح متعددة …
نفس الكلام نقوله أيضاً عن العشور والبكور والعطاء من الاحتياج.
ما أصعب ممارسة البعض لهذه الوصية، وشعورهم باحتياجهم لكل قرش يدفعونه. ولكن ما أجملها في البركة، وفى البذل، وفى المحبة التي نظهرها نحو الفقراء، وفي طاعة الوصية …
إن الفضيلة تكون صعبة وسوداء بالنسبة إلى المبتدئين الذين يشتهى الجسد فيهم ضد الروح. أما عند القديسين فهي جميلة ومحبوبة.
إن الكاملين الذين ذاقوا حلاوة الحياة الروحية، ولذة العشرة الإلهية، لا يرون الفضيلة سوداء، مهما كانت الوصية تبدو صعبة، هي في نظرهم حياة جميلة، يشتهونها من كل قلوبهم.
وهكذا يقول يوحنا الحبيب: “ووصاياه ليست ثقيلة” (1 يو4: 3)
ويتغنى داود كثيرًا بوصايا الرب فيقول: “وصية الرب مضيئة تنير العينين”
ويقول أيضاً إنها أحلى من العسل والشهد في فمه، وأغلى من الجواهر.
إن النفس التي تعبت من أجل الرب، وعاشت في العالم كسوداء “لا صورة لها ولا جمال” في مذلة الاتضاع والاحتمال، ولا متعة لها بالعالم وما فيه، ولا غنى لها ولا جاه “خسرت كل الأشياء وهي تحسبها نفاية لكي تربح المسيح”، وأضاعت نفسها لكي تجدها:
هذه النفس عندما تصعد إلى فوق، ستقول لنفوس الأبرار في الفردوس: “انا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم”.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – (العدد التاسع والأربعون) 5-12-1975م


