اللطف ولَيس العنف

اللطف ولَيس العنف[1]
من الأخطاء التي يقع فيها بعض رجال الكهنوت: العنف.
فيتعامل الكاهن مع رعيته بعنف. وقد يكون عنفًا جسديًا مثل الضرب والإهانة، إذ توجد قلة ضئيلة تتصرف هكذا. أو يكون عنفًا في طريقة الكلام، إذ يستخدم ألفاظًا شديدة أو قاسية. وقد يلبس عنفه ثوبًا من التدقيق الشديد هو في حقيقته عنف. كما كان يحدث مع الكتبة والفريسيين الذين كانوا “يَحْزِمُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ” (مت23: 4).
ولكن لأن الكاهن لا يريد أن يوصف بالعنف، لذلك يصف عنفه بأنه دفاع عن الحق، أو دفاع عن القيم، أو لون من التدقيق!
وهو في عنفه يخسر الكثيرين ممن يتصرف معهم هكذا.
إن السيد المسيح لم يكن عنيفًا، بل كان يتعامل بلطف.
*لم يكن عنيفًا في قيادته المرأة السامرية إلى التوبة، بل استدرجها إلى الاعتراف في لطف، بقوله لها: “حَسَنًا قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ… هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ” (يو4: 17، 18). وآمنت به المرأة وتابت.
* ولم يكن عنيفًا في تعامله مع نيقوديموس، الذي جاء إليه ليلًا خوفًا من اليهود (ي3: 1، 2). فلم يوبخه على خوفه.
*ولم يكن السيد المسيح عنيفًا مع تلاميذه، الذين لم يقدروا أن يسهروا معه ساعة واحدة في بستان جثسيماني، بل قال لهم في لطف: “أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ… نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا” (مت26: 41، 45).
*ولم يكن عنيفًا مع تلميذه توما الذي شك في قيامته، بل أظهر له جروحه وقال له: “لاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا” (يو20: 27).
*ولم يكن عنيفًا في توبيخه لتلميذه بطرس الذي أنكره ثلاث مرات. بل قال له في لطف: “يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلاَءِ؟.. اِرْعَ خِرَافِي… اِرْعَ غَنَمِي” (يو21: 15 ـــ 17).
*أيضًا قيل عن السيد في لطفه وعدم عنفه، إنه:
“لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ” (مت12: 19، 20).
وللأسف، ما أكثر رجال الكهنوت الذين يقصفون القصبة المرضوضة، ولا يبالون بالفتيلة المدخنة بل يطفئونها! ويعللون ذلك بالغيرة المقدسة والدفاع عن وصية الله! الغيرة حسنة، ولكن أسلوب التنفيذ هنا خاطىء..
إن العنف منفر. لذلك فالكتاب يدعو إلى اللطف.
وهكذا يقول الكتاب: “كُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضًا فِي الْمَسِيحِ” (أف4: 32). وقد وُضع اللطف ضمن ثمار الروح (غل 5: 23).
وقد وصف الله ـــــ تبارك اسمه ــــــ باللطف.
فقال الرسول: “وَلَكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ. لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا” (تي3: 4، 5). وقال أيضًا: “أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟” (رو2: 4). ولم يلجأ الله إلى الشدة، إلا بعد أن تُستوفي كل وسائل اللطف والهدوء.
واللطف وعدم العنف يدخلان في فضيلتي الوداعة والتواضع.
فمن هو وديع ومتواضع لا يكون عنيفًا.
فالكاهن الذي يطرد بنتًا من التناول، بسبب روج على شفتيها هو عنيف في تصرفه، مهما اعتذر بكرامة الأسرار المقدسة. حقًا إن الأسرار لها قدسيتها. ولكن وسلية المحافظة على قدسيتها لا تكون عنيفة.
ربما يسمى الكاهن تصرفه حزمًا وحسمًا. ولكنه عنف.
وفي هذا المجال، أود أن أشير إلى قول الرسول:
“أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هَذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا. اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ” (غل6: 1، 2).
هذا هو بولس الرسول الذي قال لتلميذه ثيموثاوس الأسقف:
“وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ انَاةٍ وَتَعْلِيمٍ” (2تي4: 2) ويذكر البعض الجزء الأول من هذه الآية، وينسون عبارة: “بكل أناة وتعليم”. وينسون كيف قال الرسول لشيوخ أفسس: “ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ” (أع20: 31).. إنه ينذر بدموع لا بعنف.
هنا لا بد أن ألفت أنظاركم المقدسة إلى عبارة قد يحتج بها بعض العنفاء وهي أن السيد المسيح كان شديدًا في قوله: “وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ… الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ” (مت23).
ونجيب بأنه سلك بكل لطف مع الكتبة والفريسيين، في اقناعهم بالحق وفي احتمال اهاناتهم واتهاماتهم. ولكنه أخيرًا قال لهم في الأسبوع الأخير: “الويل لكم”. كما وبخ كهنة اليهود وشبههم بالكرامين الأردياء (مت21) ووبخ أيضًا الصدوقيين وقال لهم: “تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ” (مت22: 29). فلماذا تصرف هكذا؟
كان ذلك في الأسبوع الأخير. وقد أراد الرب أن يخّلص المؤمنين به من هذه القيادات اليهودية قبل أن يؤسس الكنيسة بقياداتها الجديدة.
فعل ذلك بعد سنوات من الحوار الهاديء، واللطف والهدوء مع تلك القيادات التي أرادت أن تحطم رسالته، والتي قالت عنه إنه “لاَ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ” (مت 12: 24) وأنه خاطيء وكاسر للسبت (يو9: 16، 24)، بل قالوا له “بِكَ شَيْطَانٌ” (يو7: 20) “أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟” (يو8: 48).. كان يلزم إذن اتخاذ موقف حازم ضدهم بكشفهم…
من المفروض أن يبعد الكاهن عن العنف حتى لا يعثر الكنيسة
الشخص العادي إذا كان عنيفًا، يسيء إلى نفسه. أما الكاهن إذا سلك بعنف، فإنه يسيء إلى الكنيسة، وربما إلى الأرثوذكسية أيضًا. وبهذا قد يشتت الشعب بعيدًا عن الكنيسة. وربما ما يجمعه الخدام والمفتقدون بجهود كثيرة، يضيعه أحد الكهنة في ثورة غضبه وعنفه.
وإن قال إنه يصحح خطأ، فيجب أن يكون ذلك بغير عنف.
يجب البعد عن العنف في معاملة الجميع، وبخاصة الأطفال الذين يحبون أن ينظروا إلى الأب الكاهن بتقديس ممثلًا للأبوة الحانية، وأيضًا في معاملة الطبقات الفقيرة والمحتاجة.. الذين كثيرًا ما ينتهرهم الآباء أو العاملون في الخدمة الاجتماعية، ويظنون فيهم الظنون كمحتالين وادعياء، ويعاملونهم بقسوة.. إن العنف يعثرهم من الكنيسة والعاملين فيها، في وقت يلتمسون فيه العطف والحب…
إن العنف مع الضعفاء، الذين لا يستطيعون أن يردوا بالمثل، أو ليست لهم جرأة على ذلك، هو عنف مسئوليته أكثر..
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – اللطف وليس العنف، بمجلة الكرازة 7/ 1 /2000



