الكاهن والمال

الكاهن والمال[1]
من شروط الكاهن، أنه لا يكون محبًا للمال، ولا محبًا للنصيب الأكبر، ولا طامعًا في الربح القبيح.
هكذا ورد في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس (1تي3: 3)، وفي الرسالة إلى تيطس (تي1: 7). وبالأكثر يكون زاهدًا بعيدًا عن الرفاهية، يطيع قول الرب:
“لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ” (مت6: 19).
إن كان الرب قد قال هذا لجموع المؤمنين، هي للكهنة بالأكثر، فالمفروض فيهم أن يكونوا قدوة في كل فضيلة.
والكتاب يعلمنا أن الرب حينما أرسل تلاميذه، قال لهم:
“لاَ تَقْتَنُوا ذَهَباً وَلاَ فِضَّةً” (مت10: 9).
بل قال أيضًا: “وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ”. والعملة النحاسية هي الأقل سعرًا. وكانت تسمى في أيامنا خردة. وكان منها المليم ونصف المليم… بل قال الرب أيضًا لتلاميذه: “لاَ تَحْمِلُوا كِيسًا” (لو10: 4). وكذا افترض فيهم البعد الكامل عن المال وعن الغنى.
السيد المسيح نفسه عاش على الأرض فقيرًا.
ما كان يملك شيئًا على الأرض، ذلك الذي هو مالك السماوات والأرض. وكل ما كان الناس يضعونه في الصندوق، كان يأمر بتوزيعه على الفقراء. ولما قال ليهوذا في يوم العشاء السري: “مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ”… ظن التلاميذ أنه قال له: “اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ” “إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا” (يو13: 27، 29).
وهذا هو الذي كان يُتعب يهوذا: مبدأ الصندوق الفارغ”… كل ما يوضع فيه، يُوزع أولًا بأول على الفقراء…
تلاميذ السيد المسيح، كانوا أيضًا فقراء.
مرقس الرسول حينما جاء إلى مصر، كان لا يملك شيئًا، بل كان حذاؤه ممزقًا من سيره في الطريق…
ولما مرّ القديسان بطرس ويوحنا على باب الهيكل، وكان يجلس عنده رجل أعرج يستعطي. “لاَحَظَهُمَا مُنْتَظِراً أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا”.
قال له بطرس: “لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ” (أع3: 6).
وأكمل قائلًا: “لَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ”. وهكذا أمسكه بيده وقال له: “بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ”… فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي” (أع3: 6، 8).
وتعليقًا على هذه القصة قيل إن فيلسوفًا مشهورًا زار كاتدرائية مار بطرس، بكل ما فيها من غنى ومن ديكورات عجيبة… وقيل له: “لقد مضى الوقت الذي قال فيه بطرس: “ليس لي فضة ولا ذهب”.
فأجاب الفيلسوف: “نعم، وقد مضى أيضًا الوقت الذي قال فيه بطرس للأعرج قم، فقام” …!!
في كفر ناحوم، عندما سُئل بطرس “أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرْهَمَيْنِ؟” (مت17: 24).. لم يكن للسيد ما يدفعه. فقال لبطرس: “اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَوَّلًا خُذْهَا وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارًا فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ” (مت17: 27).
التلاميذ أيضًا ما كانوا يملكون شيئًا. وهكذا قال القديس بولس: “كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ. كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ” (2كو6: 10).
كيف كان الرسل فقراء؟ وقد قيل في بداية العصر الرسولي: “كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ. وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ” (أع4: 34، 35).
نعم، هذا كان موضع المال… عند أرجل الرسل، وليس في جيبوهم… فماذا كان الرسل يفعلون؟ “فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ” لذلك “لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجا” (أع4: 35، 34).. ويبقى الرسل فقراء على الرغم من كل هذا. ويتحقق قول بولس الرسول: “كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ”…
فليأخذ الإكليروس إذن درسًا من الرسل في علاقتهم بالمال…
لا يجوز للكاهن أن يجمع المال.
ولا يجوز له، أن يكون له مظهر أرستقراطي.
عندما قامت الثورة الفرنسية، واستولت على مال الأسرة المالكة والأمراء والنبلاء والإقطاعين، كانت الكنيسة في فرنسا وقتذاك تملك خمس أملاك الدولة…! وحينما قامت الثورة الشيوعية في روسيا، كان الغنى سائدًا في القيصرية وفي الكنيسة… حتى الأناجيل كانت تغلف بالذهب والأحجار الكريمة وكذلك كان إطار الأيقونات، وكانت الصلبان… ولا يزال شيء من كل هذا باقيًا يُعرض في صالات الكرملن في موسكو…
إن كرامة الكهنوت تكون في روحياته لا في مظهره.
قديمًا كان كبار رجال الإكليروس يضعون على صدروهم الصلبان والأيقونات الذهبية. ويمسكون في أيديهم صلبانًا من ذهب وقد يتحلى صدرهم بسلسلة من ذهب، في آخرها ساعة من ذهب. أما الآن فقد ذهب كل هذا وانقضى.
إن غنى الكاهن قد يكون موضع انتقاد أو إدانة من شعبه كما أنه يثير الفقراء الذين لا يملكون القوت الضروري!!
أيضًا الكاهن الذي لا يحب المال، لا يأخذ مالًا مقابل صلواته. ولا يبيع الأسرار المقدسة بالمال!!
إنه لا يأخذ مالًا في زياراته لبيوت المؤمنين. لأنه يذهب إليهم لافتقادهم وللاطمئنان عليهم وعلى روحياتهم، وليس ليأخذ منهم مالًا… يذهب إليهم بأسلوب الراعي وليس المحصل!!
إن جمعه هكذا للمال، يقلل من قيمته الرعوية، ويقلب هدف الزيارة، ويجعله مجاملًا للأغنياء ومهملًا للفقراء …
لا يجوز للكاهن أن يأخذ أجرًا على المعمودية
وقد أصدرت أمرًا بهذا لكل كنائس القاهرة منذ سنوات. إننا نسعى وراء كل طفل لنعمده وأنا شخصيًا كلما أرى أمًا تحمل طفلًا رضيعًا، أسألها هل عمدتِ هذا الطفل أم لا؟ … ذلك لأن العماد لازم لخلاص الطفل حسب حديث السيد المسيح مع نيقوديموس (يو3: 5)، وحسب قول الرب أيضًا: “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” (مر16: 16) فهل يصح أن يتحول العماد إلى مصدر للإيراد؟! حاشا…
أيها الأب الكاهن: إن أراد أحد أن يعطيك شيئًا عندما تعمد ابنه، اعتذر عن القبول وإن ألح وأصر، قل له: ليس في هذه المناسبة…
إننا نفرح بعماد الأطفال، من أجل صيرورتهم أبناء لله، وانضمامهم إلى عضويه الكنيسة، وبدء تمتعهم بالأسرار المقدسة ولكن لا يجوز أن يكون الفرح بمال تعطيه أسرة المعمد…
أما إن أرادت أسرة الطفل أن تقدم شيئًا لله في فرحها بعماد طفلها، وليس ثمنًا لعماده!!… فليكن ذلك بما يضعونه في صندوق الكنيسة، وليس في يد الكاهن، وليس له هو …
في كل ما يقيمه الأب الكاهن من أسرار كنسية ومن صلوات طقسية فليتذكر قول الرب لتلاميذه:
“مَجَّانًا أَخَذْتُمْ مَجَّانًا اَعْطُوا” (مت10: 8)
إن الأسرار الكنسية، هي أعظم من أن تقدر بمال. وهي لازمة للكل، ويجب أن نقدمها للجميع، لكل واحد حسبما يكون احتياجه. والكاهن هو خادم للأسرار نتذكر ذلك في المعمودية، كما في باقي الأسرار.
كذلك في زيارة المرضى، لا يجوز أن يأخذ الكاهن مالًا…
إنه يزور المرضى، حبًا لله، باعتباره واحدًا من أولاده. يحب أن يطمئن عليه ويصلي لأجله لكي يمنحه الله الصحة والعافية. والمال يفسد طابع الزيارة وهدفها، سواء إن كانت الزيارة في المستشفى، أو إن صلى له الكاهن صلاة مسحة المرضى في البيت، أو حتى مجرد صلاة قصيرة مع رشمه بالزيت…
بل إن الأب الكاهن قد يزور المريض، فيفتقده ويقدم له هدية، سواء كانت هدية دينية كأجبية أو صليب… أو هدية اجتماعية كباقة من الزهور تعبر عن شعوره، أو هدية من الحلوى توزع على زائري المريض من معارفه وأصدقائه.
وهكذا يتعود الأب الكاهن أن يعطي كقول الرب:
“مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ” (أع20: 35).
إنه الأب الذي يشترك مع أولاده في مشاكلهم وفي احتياجاتهم…
قد يعرف أن المرض قد كلف هذا الابن أو أسرته مالًا لا قدرة لهم عليه، فيساهم معهم بطريقة مناسبة لكي يساعدهم في تكاليف العلاج.
نقطة أخرى أحب أن أقولها: عن الجنازات.
أهل المتوفي يحتاجون إلى من يواسيهم، وليس من يأخذ منهم. وكثيرًا ما يكون الموت قد سبقه مرض استنفذ كل ما عندهم، وربما استدانوا بسببه. يضاف إلى هذا تكاليف النعش والصندوق والدفن… فإن أرهقهم الكهنوت بطلبات مالية أخرى، يكون هذا فوق طاقتهم، أو كما يقول المثل: (موت وخراب ديار)!!
يعجبني صديق كان زميلًا لي في الخدمة، قبل الرهبنة. هذا كان حساسًا جدًا نحو هذه الأمور… توفي والد صديق لنا في مدارس الأحد. وكان كل الذين يذهبون للعزاء، يقتصرون على جلسة صامتة، ثم عبارة “البقاء في حياتكم”، ثم ينصرفون… أما هو فلم ينصرف هكذا، وإنما أخذ الزميل ابن المتوفي جانبًا، وسلمه مظروفًا في يده. وقال له: “أنا أعرف كم تكلفّ هذه الأحداث، وقد جربتها بنفسي. واعتبرني أخًا لك يشاركك ما أنت فيه”.
هناك أعذار يقدمها بعض الآباء الكهنة – وليس كلهم طبعًا – في موضوع جمع المال، نذكر منها:
1- إنه لا يجمع لنفسه، وإنما لأسرته وأولاده. فماذا يفعل هؤلاء من بعده، لذلك لا بد أن يجمع لهم ما يكفيهم، سواء من جهة السكن، أو احتياجات المعيشة – أو مصروفات المدارس وتجهيز البنات.
2- يقول الكتاب: “الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ” (لو10: 7).
3- يقول الكتاب أيضًا: “الَّذِينَ يُلاَزِمُونَ الْمَذْبَحَ يُشَارِكُونَ الْمَذْبَحَ”، “الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ” (1كو9: 13، 14).
4- من المفروض أن نعود الناس أن يدفعوا في الكنيسة، لأن هذه وصية إلهية أن يدفعوا العشور والبكور والنذور. وكأبناء للكنيسة يجب أن يهتموا بكل احتياجاتها.
وهناك أسباب أخرى غير هذه يقدمها البعض.
ونرجو أن يتسع لنا الوقت لمناقشتها جميعًا إن شاء الله.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – الكاهن والمال، بمجلة الكرازة 29/ 3 /1996




