القديس الأنبا غاليون السائح

كان من رهبان دير القديس العظيم الأنبا صموئيل بجبل القلمون، فى زمن رئاسة الأنبا اسحق له. وفى جيله أيضاً صار من رهبان الدير سائح آخر هو القديس الأنبا ميصائيل السائح. وما يزال يحيط بدير الأنبا صموئيل، جبل يسمى حتى الآن بجبل غاليون نسبة لهذا القديس الذي ساح في جبال تلك المنطقة.
كان القديس الأنبا غاليون شيخاً وقوراً من شيوخ الدير، بلغ حوالي التسعين من عمره، متوحداً لم يخرج من باب الدير طوال تلك المدة، ولم يذهب إلى المدن والقرى. وكان عاكفاً على العبادة، خبيراً بألحان الكنيسة إلى أبعد الحدود، حافظاً لها، مواظباً باستمرار على حضور الكنيسة وصلاة التسبحة.
وفى أحد الأيام، جاءه فى الليل شخص فى زى الرهبان المتنسكين وقال له: نحن اثنا عشر من السواح وقد تنيح أحدنا فى هذا اليوم، ولما كان لا بد أن يبقى عددنا كما هو، لذلك وقع اختيارنا عليك لكي تسبح معنا وتكمل عددنا، وذلك لما عرفناه فيك من حب الوحدة والمواظبة على الصلاة، ويكفي أنك في وحدتك لم تخرج من الدير طوال هذه المدة.
وظل به هذا الشخص حتى أقنعه، وأتفق معه على أن يأتيه فى اليوم التالى ليأخذه معه، وأخذ منه وعداً أن يستبقى الأمر سراً لا يقوله لأحد، لأنه هكذا سير السواح.
وفى الموعد المحدد، جاء هذا الشخص ومعه اثنان وأخذوا الأنبا غاليون فى ظلام الليل من الدير، وصاروا به فى البرية صامتين، كعادة الرهبان. ومرت عليهم ساعات طويلة جداً فى سيرهم، عابرين تلالاً ومرتفعات، حتى اختفى الدير وكل ما يحيط به عن العيون، بل أختفت الطرق المؤدية إليه. وأستمروا فى سيرهم نهاراً حتى وصلوا إلى برارى قفرة مجهولة مخيفة.
وحينئذ خرج هؤلاء (السواح) عن صمتهم. وبدأوا يتكلمون كلام هزؤ لا يليق بسيرة الرهبان. فتعجب الأنبا غاليون جداً.. ثم سمعهم يقولون بعضهم لبعض وهم يتضاحكون “لقد عرفنا كيف نخدعه نخرجه من الدير، كما أننا قد أتهناه فى هذه البرية. وسيموت فى هذا القفر حزيناً ويذهب إلى الجحيم”..
فعرف الأنبا غاليون أنه قد وقع فى خداع الشياطين، ونظر إليهم فلم يجدهم. وظل يبكي على خطيئته. كيف انخدع وكيف لم يستشر الأب الروحى للدير، وكيف كسر قانونه فى الوحدة، وخرج معهم… وتضرع إلى الله فى انسحاق قلب أن يغفر له.
وإن الله الغفور تراءف على عبده غاليون، وهيأ له فى هذا القفر ما يقتات به. وساح الأنبا غاليون فى تلك البرية أكثر من سنة، عابداً الرب صلوات وتسابيح كثيرة دون أن يرى أحداً من الناس طوال تلك الفترة، وكان أبوه الأنبا اسحق رئيس الدير حزيناً جداً من أجله. وكان يصلى كثيراً أن يسمح الرب بأن يراه قبل أن ينتقل من هذا العالم الزائل. وكانت أيامه قد قربت.
وفى أحد الأيام رأى الأنبا غاليون، ثلاثة فى ثياب الرهبان قادمين من بعيد. فخاف أن يكونوا من الشياطين الخداعين، فوقف يصلى، وكانوا هم يقتربون يصلون بعض المزامير بألحانها، فصلاها معهم بألحانها. واقتربوا منه وظلوا يرتلون المزامير ويرتلها معهم، وأطمأن إلى أنهم ليسوا من الشياطين.
أخبروه أنهم رهبان من دير الأنبا شنوده، وأن الله أرسلهم إليه لأن أباه الأنبا اسحق يريد أن يراه قبل موته، فذهب معهم إلى دير الأنبا صموئيل، وتقابل مع أبيه، وشرح له كل ما جرى له وأخذ حله وتباركا بعضهما من البعض.
وأعلن الله للأنبا غاليون أنه سينتقل فى خلال أيام، فطلب إلى أبيه أن يعطيه راهباً ليسلمه ما يحفظه من ألحان قبل انتقاله.
ولما كانت الأيام الباقية له لا تكفي أخذ الأنبا غاليون الراهب – وكان يدعى موسى – واحتضنه فى صدره، ونفخ فى وجهه، وقال له “اقبل الروح الذي لحفظ الألحان”، فكان يحفظ كل ما يسمعه بسرعة عجيبة. ورقد الأنبا غاليون فى الرب.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثامن والأربعون) 2-12-1977م




