الفكر الواحد في التعليم

الفكر الواحد في التعليم[1]
المفروض في الكنيسة أن يكون لها فكر واحد.
هذا الفكر يمثل تعليم الكتاب، والعقيدة الأرثوذكسية السليمة وتعليم الآباء الأول معلمي البيعة المشهود لهم، ويشمل تقاليد الكنيسة وطقسها، وهكذا كما نقول في قانون الإيمان: “نؤمن بكنيسة واحدة”، يكون من ضمن هذا المفهوم أنها واحدة في تعليمها أيضًا. وبهذا المفهوم أيضًا كانت الكنيسة (كنيسة جامعة) تجمع الكل في عقيدة واحدة وإيمان واحد، والذي كان يخرج عن هذا التعليم. كانت الكنيسة تحكم بأنه مبتدع أو هرطوقي، وبالتالي تفصله من عضويتها.
هذه الوحدة في التعليم، يلتزم بها كل الإكليروس وكل الوعاظ وخدام التربية الكنسية.
ولا يجوز لأي إنسان يقوم بالتعليم في الكنيسة أن ينشر فهمه الخاص وتعليمه الخاص، ويكوّن له مدرسة خاصة، فيها تلاميذ يتبعونه في تعليمه، وينفردون عن تعليم الكنيسة!!
إن التعليم الخاص، يدل على أن الذات قد دخلت في التعليم، وأن هذه الذات قد استقلت عن الكنيسة ولا شك أن وراء هذا تختفي أو تظهر روح الكبرياء، والاعتداد بالذات، وثقة مثل هذا المعلم بأنه يفهم ما لا يقيمه غيره حتى قادة الكنيسة نفسها …..
إن حدث هذا في التربية الكنسية تتحول إلى “مدارس”!
مدارس في التعليم … كل مدرسة لها فكرها ومنهجها وروحها وأسلوبها، ولا ترتبط معًا بالفكر الواحد والتعليم الواحدة ومن الجائز أن تشترك في التعليم العام، ثم تختلف تمامًا في كثير من التفاصيل.
وللاختلاف في التعليم أسباب:
منها الذات كما قلنا، يضاف إلى هذا التأثرات بقراءات غريبة واعتناقها ونشرها وتعليمها، ومنها محبة التجديد، ومحبة الفكر غير المألوف، ومحبة أن ينشر شيئًا لم يتعوده الناس، ومنها سيطرة أحد أمناء الخدمة على فرعه من حيث تحضير الدروس حسب هواه وحسب فهمه الخاص.
ومن أسباب اختلاف التعليم أيضًا الكتب التي توجد في مكتبة الكنيسة أو في مكتبة الخدمة، وتحوي أفكارًا غير سليمة، يقرأها الخدام وينشرونها، ومما يساعد على ذلك أن اختيار الخدام يكون مبنيًا فقط على مستواهم الروحي، وليس على اختيار عقيدتهم. أو أن فصول إعداد الخدمة اهتمت فقط بالدروس التربوية والروحية ولم تضم منهجًا عقيديًا متكاملًا سليمًا، فنشأ الخدام وفيهم هذا النقص. أو أن مدرسيهم لم يكونوا على مستوى عقیدي مضمون ولم يكن هناك إشراف عليهم فيما يدرسونه…
من أجل هذا نشأت اللجنة العليا لمدارس التربية الكنسية.
وتفرعت منها اللجنة العامة لكل إيبارشية من الإيبارشيات. ولكن بسبب نمو الخدمة نموًا هائلًا، وكثرة عدد الكنائس والفروع، وعدم كفاية عدد المكرسين والمشرفين، لم تقم اللجان العامة بعملها، بل في كثير من الإيبارشيات والمدن الكبرى لم توجد لجان عامة لمدارس الأحد.
وقد بدأنا في وضع منهج عام..
وقلنا إن مجرد المنهج – في ذكر أسماء موضوعاته – لا يكفي.
لأن الخادم قد يلتزم بالموضوع، ولكنه – من جهة التفاصيل – يقوم بتدريس فهمه الخاص. ولذلك لا بد لاستكمال الغرض أن توجد كتب منهجية، تشرح كل التفاصيل، ثم تذكر المراجع السليمة التي يمكن أن يحصل منها الخادم على مزيد من المعلومات. وهذه الكتب المنهجية تساعد الخادم على تحضير الدروس.. وتضع له آيات الكتاب التي تؤيد ما يرد في الدرس من معلومات، والتي تصلح في تقديم مادة للحفظ، والتي تثبت أن التعليم هو تعليم كتابي. ولا مانع من أن تشتمل على بعض أقوال الآباء….
سيكمل المنهج إن شاء الله، وكذلك الكتب المنهجية، وسوف تعمل به الفروع.
ويكون التعليم واحدًا في كل أنحاء الكرازة. الكل بفكر واحد في العقيدة وفي الروحيات، وفي فهم الكتاب، وفي فهم الطقس. وبالفكر الواحد الذي للخدام، ينشأ تلاميذ بهذا الفكر الواحد، ونضمن سلامة الجيل الجديد بما تسلموه من معلميهم المتفقين في العقيدة والروحيات.
وهنا نذكر قول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس:
“وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا” تيموثاوس الثانية 2 : 2 .
لذلك ننصحك أيها الخادم المبارك:
احترس من فكرك الخاص، الذي لا يتفق مع التعليم العام الذي للكنيسة، ولا تسمح لنفسك أن تقوم بتعليم أفكارك الخاصة وفهمك الخاص، ولا تنشئ لك تلاميذ يكونون نسخًا كربونية منك.
وإن قرأت في كتاب شيئًا غير مألوف، فلا تعتنقه، ولا تعتقده، ولا تحاول أن تنشره، وإنما تواضع واسأل …
فأنت مسئول أمام الله والكنيسة عن كل فكر تعلم به.
أحياناً تنتشر مذاهب الطوائف الأخرى بطريقة تأثيرها على بعض الخدام في الكنيسة، وهم بدورهم ينشرون هذا التأثير على تلاميذهم في فصول مدارس الأحد أو في فصول الشباب، وتتسع دائرة التأثير حتى تكاد تمثل جوًا غير أرثوذكسي في داخل الكنيسة الأرثوذكسية.
وقد يبدأ هذا الجو عن طريق الترتيل قبل أن يدخل في نطاق التعليم.
وقديمًا كنا نميز الاجتماعات بطريقة الترتيل فيها.
كما أن كثيرًا من التراتيل تحوي في داخلها تعليمًا وعقيدة، ربما لا يشعر البعض بها، ولكنها تترك تأثيرًا في النفس.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “صفحة التربية الكنسية – الفكر الواحد في التعليم”، نُشر في مجلة الكرازة 12 يناير 1996م.




