الفتور الروحي

أود في هذا اليوم أن أحدثكم عن موضوع روحي يهمنا جميعًا هو الفتور الروحي.
ما هو الفتور؟ وما هي أسبابه؟ وما طرق علاجه؟ هذا موضوع حديثنا.
لا توجد حياة روحية تسير في خط واحد مدى الحياة، لا يتعرج، أو في ارتفاع مستمر دون توقف.
وإنما كثيرًا ما يوجد في الحياة الروحية فتور حتى بالنسبة إلى القديسين.
غير أن الفتور مستويات. فما يكون فتورًا بالنسبة إلى القديسين قد يكون قممًا عالية لم نصل إليها بعد.
وفي حياة الإنسان الواحد، قد تكون فترة فتور في نضوجه الروحي، أعلى من حالات سابقة في حياته…
غير أننا يجب أن نبحث ونرى هل هذا الفتور أصلي أم عرضي في حياته… هل حياته تتصف كلها بالحرارة الروحية، ماعدا فترات من الفتور؟
أم أن الفتور هو الصفة الغالبة، والحرارة فترات عارضة في الحياة؟
وهل هذا الفتور بإرادته أم بحروب خارجة عنه؟ هل هو نتيجة تهاونه؟ أم نتيجة لضغوط خارجية؟
ولنبحث الآن أسباب الفتور ونرى كيف يحارب النفس…
1- من أسباب الفتور البعد عن حرارة التوبة:
الإنسان الحديث العهد بالتوبة يعيش في دفعة الحرارة التي أخرجته من ظلمة الخطية إلى معرفة الله.
ولكنه قد لا يحتفظ بهذه الحرارة بصفة دائمة. فكلما بعدت به الأيام، ربما ينسى خطاياه، وينسى مذلته وسقطاته،
وينسى النعمة التي انتشلته، ويفقد حرارته الأولى..! يزول تبكيته لنفسه، ويزول انسحاقه، وتجرفه الحياة فينسى.
أما داود النبي فاحتفظ بحرارته، لأن خطيته كانت أمامه كل حين، يبكي عليها ويبلل فراشه بدموعه، فلا يفقد حرارته.
وهكذا كان العشار الحديث العهد بالتوبة، حينما حسب نفسه غير مستحق أن يدخل الهيكل،
وغير مستحق أن يرفع نظره إلى فوق وفي حرارة التوبة قرع صدره وصرخ “ارحمني يا رب فإني خاطئ”…
أما أنت، فاذا بعدت عن مشاعر التوبة وفترت حياتك، استمع إلى مار اسحق وهو ينصح قائلًا: “حينئذ ذكر مريم بزناها، وذكر اسرائيل بانغلابه”.
اجلس إلى نفسك، وتذكر كم جرحت قلب الرب، وابك على خطاياك.
أحيانا البعد عن حرارة التوبة يسبب الفتور، بسبب البعد عن تأثير الأسباب التي دفعت الإنسان إلى التوبة.
قد يكون الدافع إلى التوبة تأثير حادث معين، أو مرض، أو وفاة، أو تجربة، أو خوف من عقوبة إلهية،
أو تأثر بشخص روحي، أو باجتماعات أو قراءات… وبمضي الوقت، قل هذا التأثير أو نسى أو زال، فوقع القلب في الفتور لبعده عن حرارة التوبة.
وفي نفس الوقت، لا يكون الإنسان قد وصل إلى حرارة الحب. فيصبح بعيدًا عن الحرارتين: حرارة التوبة وحرارة الحب.
2- ومن أسباب الفتور أيضًا، البعد عن الروابط الروحية…
البعد عن وسائط النعمة، من قراءات روحية، وتأملات، وصلوات، واجتماعات روحية، وتراتيل وألحان، ومطانيات، وقداسات، وصداقات روحية.
وفي نفس الوقت يكون العالم قد صب عليه تأثيراته، دون أن يوجد توازنًا لها من التأثيرات الروحية.
وإذ يفقد غذاءه الروحي، وإذ يبعد عن التأثيرات الروحية، وعن ينابيع النعمة، حينئذ تفتر حياته، إذ قد بعدت عن الوقود الروحي الذي كان يشعلها بإستمرار.
فعليك أن تراجع نفسك، هل أهملت شيئًا من الروابط الروحية التي تدفعك إلى الله، وتذكرك به، وتهبك قوة؟
3- من أسباب الفتور أيضًا، توقف النمو الروحي.
النمو يعطي حرارة، لأن فيه حركة مستمرة إلى قدام. إنها حرارة التقدم تشعل الإنسان بالرغبة القوية في الوصول.
والإنسان الذي يقف نموه الروحي، تتوقف حرارته فيفتر. وذلك بأن يرضى بمستوى معين، يقف عنده ولا يتحرك، وتتجمد حياته عند هذا الوضع.
إن الكمال المسيحي الذي دعانا إليه الرب بقوله: “كونوا كاملين”، لا حدود لنهايته، لذلك علينا أن نركض نحوه بكل حرارة…
أنظروا إلى بولس الرسول، في كل جهادة لأجل الإنجيل، وفي كثرة استعلاناته، وفي صعوده إلى السماء الثالثة،
وفي كل ما وهبه الله من قوات وعجائب، كان يقول: “أنسى ما هو وراء، وأمتد إلى قدام”. وهذا الإمتداد إلى قدام، كان يحفظ له حرارته الروحية.
وكان يقول في ذلك: “لست أحسب إني أدركت أو نلت شيئًا، لكني أسعى لعلي أدرك”.
هذا السعي يعطي النفس حركة دائمة، ويشعلها بالرغبة الروحية، فتستمر في نموها بلا فتور.
لذلك حاذر من أن يقف نموك. كن كالبطارية التي كلما تسير العربة، تزداد شحنتها، فتأخذ هي حرارة، وتعطي حرارة للعربة، فتسير إلى قدام…
4- من أسباب الفتور أيضًا شكلية العبادة:
حيث تتحول العبادة إلى روتين، بلا فهم، بلا روح، بلا عاطفة، بلا تأمل، كأنها مجرد واجب أو فرض.
وقد يكون السبب الأهتمام بالزيادة، دون الأهتمام بالعمق.
يريد بعض التائبين أن يصلوا أكبر كمية، فيسرعون في الصلاة، دون وقفة التأمل أو الفهم. واهتمامهم بالكمية،
لا يعطيهم فرصة للعمق ونفس الوضع بالنسبة إلى القراءات الروحية وإلى الحفظ…
وهكذا تفتر صلواتهم، لأن الرغبة في الزيادة هي التي طغت، وليس حب القلب في أن يتمتع بالله.
وما أجمل قول بولس الرسول في أنه يفضل خمسة كلمات بفهم، أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان بلا فهم. (1كو14).
وما أجمل قول مار اسحق، أنه إذا حورب الإنسان بمثل هذا الأمر، عليه أن يوقفه قائلًا: “أنا ما وقفت أمام الله لكي أعد ألفاظًا، وإنما لأصلي”.
5- ومن أسباب الفتور أحيانًا، المتكآت الأولى!
قد تكون المتكآت الأولى سببًا واضحًا من أسباب الفتور، إذ يفقد الإنسان اتضاعه، واهتمامه بنفسه وروحياته.
كان من قبل يدخل إلى الكنيسة في إنسحاق نفس، وهو شاعر بعدم الاستحاق، فيصلي بحرارة طالبًا الرحمة.
أما الآن فإنه من القادة، قد يطغي عليه الشعور بالإهتمام بالغير حتى لو نسى أثناء ذلك نفسه…!
كان من قبل يقرأ ليستفيد، وليتأمل ويطبق على نفسه في تدريبات روحية. أما الآن فربما يقرأ لكي يحضر عظة أو لكي يلقي درسًا !
ويتحول في قراءاته الروحية من عابد إلى عالم أو معلم!
وربما ينشغل ببحوث ودراسات لا علاقة لها بخلاص نفسه. وإنما هي لازمة لإلقاء بعض محاضراته…
وشيئًا فشيئًا قد تطغي عليه هذه الدراسات ويهمل تأملاته الخاصة فيفتر.
وقد تتعبه المتكآت الأولى من جهة مديح الناس، الذي ينسيه خطاياه ويفقده إنسحافة، فيفتر…
6- وهكذا قد يكون من أسباب الفتور دخول الناس في حياته
قد تدخل في حياة الإنسان الروحية تغيرات جوهرية نتيجة لدخول الناس في حياته، واهتمامه برأيهم وبأحكامهم…
قد يحسبون نموه تطرفًا، ويحسبون تدقيقه وسوسة، وحرصه تعقيدًا، ويطالبونه بالتغيير، ويجامل الناس، فيفتر…
كان قديما يعمل الفضيلة حبًا للخير وحبًا لله نفسه. والآن يعمل الفضيلة لكي يكون قدوة للناس!
ويبعد عن الشر- لا لأنه يفصله عن الله- وإنما لكي لا يعثر الناس!
وهكذا بتغير الهدف الروحي أو بانحرافه، تفتر حياة هذا التائب، لأن حرارة الحب الإلهي قد بعدت عنها،
ودخلت إليه أهداف أخرى، ولم يعد الله هو الكل في الكل..!!
7- وهكذا يصبح من أسباب الفتور أيضًا انحراف الهدف الروحي:
كأن تصير العبادة قدوة، أو تصبح مجرد عادة أو فرض، أو يصير الهدف هو إرضاء الناس أو مجرد الإهتمام بهم،
وتصبح الخدمة في حد ذاتها هدفًا وليست مجرد وسيلة. ولا يصبح الله والعلاقة به مركزًا للفكر والقلب…
8- ومن أسباب الفتور أيضًا المشغولية الزائدة:
نحن نعيش في عالم مشغول. غالبية الناس في انشغال دائم سواء بالدراسة أو العمل، أو وسائل الرزق،
أو نواحي النشاط المتعددة! وفي هذه المشغولية لا يبقى لهم وقت للرب ولحياتهم الروحية.
وللأسف نرى كثيرًا من المتدينين والخدام في غاية المشغولية، لا يجدون هم أيضًا وقتا يقضونه مع الله!!
قد ابتعلت الخدمة كل وقتهم. وشغلت أنشطتهم كل تفكيرهم وكل عواطفهم. وربما لو طرق الرب أبوابهم، يقولون له: “اذهب الآن، ومتى حصل لنا وقت نستدعيك”!!
من أجل الرب دخلوا الخدمة، ولكنهم في الخدمة نسوا الرب، وافتكروا الخدمة فقط، وفي مشغوليتها فترت حياتهم…
وقليلون هم الذين يجلسون إلى أنفسهم، ويفحصون أين هم. ويوزعون وقتهم توزيعًا سليمًا بين روحياتهم وخدماتهم…
على أن سبب الفتور ربما يكون خطية أو شهوة.
دخلت هذه إلى الإنسان، فأخذت منه الحب، وشغلت الحب ولم يعد الله هو مركز العاطفة فيه، وبسبب هذه الشهوة بردت الحرارة الأولى وتحولت الروحيات إلى فتور…
فليبحث كل فاتر نفسه، هل هناك خطية رابضة منحها شوقه، وأصبحت تسود عليه، واحتلت مكان الله في قلبه؟ إن كان، فليتب عنها، وليهرب منها، لترجع حرارته…
ابحث عن سبب فتورك، فالكتاب يقول: “أذكر من أين سقطت وتب”. وربما يكون السبب بعض الكبرياء.
ربما تكون قد ظننت نفسك شيئًا، وإذ إرتفعت حياتك بعد التوبة، إرتفع قلبك أيضًا. فرفع الله نعمته عنك، حتى تشعر بضعفك وتتضع. وهكذا سمح لك بالفتور…!
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد السابع والعشرون) 7-7-1978



