الصمت والكلام -2

شرحنا في العدد الماضي، كيف أن للتكلم وقت وللسكوت وقت. وقلنا إن الله لم يخلق اللسان بدون فائدة، وإنما هناك فوائد للكلام، حتى إننا ندان أحيانًا على صمتنا، وشرحنا أمثلة للكلام النافع، بحيث الإنسان لو عرف كيف يتكلم، لكان كلامه مصدر بركة كبيرة، وبخاصة الكلام الذي يشعر فيه الإنسان أن الله قد وضع كلامه في فمه…
نتابع اليوم أيضًا حديثنا عن “الصمت والكلام”…
الصمت والكلام -2-1
فوائد الصمت:
+ الصمت حالة سلبية، والكلام الجيد حالة إيجابية، بناءة.
ولأن أغلب الناس لا يعرفون أن يتكلموا بطريقة مثالية، لذلك فهم يتخذون من الصمت وسيلة وقائية يتفادون بها أخطاء اللسان. قال القديس أرسانيوس
“كثيرا ما تكلمت فندمت، وأما عن سكوتي فما ندمت قط”
والكلام ليس خطيئة في ذاته، وإنما الخطأ هو أن الإنسان لا يتقن الكلام. لذلك فضل القديسون الصمت لأنه أضمن.
+ الصمت أيضًا يعطى الإنسان فرصة للتفكير قبل أن يتكلم.
وفي هذا يقول الكتاب “ليكن كل إنسان مسرعًا إلى الاستماع، مبطئًا في التكلم، مبطئًا في الغضب” (يع1: 19). فالكلام الارتجالي والسريع عرضة للخطأ إذ ليس فيه عنصر كبير من التفكير. إذن من الصالح أن يبطئ الإنسان في التكلم، ريثما يستعد ويفكر فيما ينبغي أن يقوله…
وهذا لا يتكلم إلا إذا أحس إن كلماته ستكون مفيدة، وبلا خطأ، وأنها من الله، وإن الدافع إلى الكلام جيد.
ما أكثر ما نقول كلمة ونندم عليها. من الأفضل إذن أن نتباطأ ونفكر قبل أن نلفظ بكلمة، لأن الكلمة التي نقولها من الصعب أن نسترجعها، وسنحاسب عليها…
ونحن نصمت أيضًا، ريثما نتأكد من وجهة نظر محدثنا.
+ الصمت أيضًا يعطي الإنسان فرصة للصلاة…
نطلب فيه من الله أن يعطينا الكلمة الصالحة التي منه، وليست من فكرنا البشري، أو أن يعطينا الصمت إن كان في ذلك رد أفضل من الكلام.
+ لذلك نجد أن الذين تدربوا على الصمت، لما تكلموا كانت كلماتهم قليلة ولكنها ذات منفعة عظيمة:
القديس أرسانيوس كان قبل رهبنته معلمًا لأولاد الملوك، وكان مملوءًا من الحكمة والمعرفة، ولا شك أنه كان يتكلم حسنًا، ومع ذلك فإن كلماته التي سجلها لنا بستان الرهبان كانت قليلة، ربما لا تتجاوز صفحتين، هذا الذي كان بإمكانه أن يؤلف كتبًا كثيرة مملوءة حكمة، لأنه فضل الصمت حبًا في الصلاة…
الصمت إذن بالنسبة إلى القديسين، لم يكن هروبًا من أخطاء الكلام، وإنما لكيما لا يعطلهم الكلام عن الانشغال بالصلاة…
وهكذا عندما سُئل أرسانيوس عن صمته ووحدته، قال “ذلك لأنني لا أستطيع أن انشغل بالله والناس في نفس الوقت”…
بل أن القديسين كانوا يفضلون الصلاة حتى عن الكلام مع الملائكة
نسمع عن راهب قديس كان سائرًا في البرية، فظهر له ملاكان، واحد عن يمينه والآخر عن يساره، فلم يلتفت إلى واحد منهما. وكان يقول في نفسه “من يفصلني عن محبة المسيح، لا ملائكة ولا رؤساء ملائكة” (رو 8).
أولئك القديسون لم يكن لديهم وقت للكلام، ومع ذلك كانت كلماتهم القليلة نافعة جدًا ومركزة، حتى كأنها كتاب في عبارة.
كانت كلماتهم القليلة تحتاج إلى الكثير من الوقت، لمعرفة مدي العمق العظيم الذي فيها…
وبسبب قلة كلامهم، كان الناس يشتاقون جدًا إلى سماعهم… وكانوا بكل القلب مستعدين أن ينفذوا كل كلمة يسمعونها منهم.
وكانوا يترجونهم أن يتكلموا، وما كانوا يملون سماعهم. كما قال سليمان الحكيم “اجعل رجلك عزيزة في بيت قريبك، لئلا يمل منك فيبغضك”.
حقًا إن الذي يتكلم كثيرًا، كلامه يرخص، كما يقول علم الاقتصاد إنه “إذا كثر العرض، قل الطلب”. إن الذهب عزيز، لأنه قليل، لذلك أعتبر من الأحجار الكريمة، وأصبح غالي الثمن…
وهكذا كما كان كلام أولئك القديسين ثمينًا، كان صمتهم أيضًا ثمينًا. وكان الناس يتعلمون من صمتهم مثلما يتعلمون من كلامهم.
كانوا في سكوتهم عظة صامتة. نعم ليس الكلام فقط هو الذي يتحدث. ولكن للصمت حديثًا يفهمه الناس ويفيد.
في قصة هابيل، نجد أن الرب يقول لقايين “صوت دم أخيك صارخ إليَّ من الأرض” (تك4: 10) فهابيل وإن مات يتكلم بعد…
المهم إن نعرف ما هي الصفات التي يتصف بها كلامنا:
شروط الكلام الجيد:
1– أن يكون الإنسان مبطئًا في الكلام، مترويًا ومفكرًا.
2– أن تكون كلماته قليلة، كما قال الحكيم ” لتكن كلماتك قليلة” (جا5: 2). ويقول أيضًا “كثرة الكلام لا تخلو من معصية، أما الضابط شفتيه فعاقل” (أم10: 19). لا شك أن الصمت أكثر حيطة، وأقل عرضة للخطأ. كما أن الكلام الكثير قد يفقد عنصر الانضباط ومراقبة العقل.
3– أن يتكلم الإنسان في المناسبات التي يصلح الكلام فيها:
فيقول الكلمة في وقتها، وفي حينها الحسن، كمن يزرع زرعًا في أوانه. يقول الحكيم “تفاحة من ذهب في مصوغ من فضة، كلمة مقولة في محلها” (أم25: 11)، وأيضًا “للإنسان فرح بجواب فمه، والكلمة في وقتها ما أحسنها” (أم15: 23).
4- أن يكون الكلام بحكمة:
قال بولس الرسول “نتكلم بحكمة بين الكاملين، لكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون، بل نتكلم بحكمة الله في سر” (1كو2: 6).
شرط الحكمة هذا، هو من شروط الكلام الجيد، وأيضًا هو عطية من عطايا الروح القدس.
فيقول الرسول “فإنه الواحد يعطي بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد” (1كو12: 8).
هذه الحكمة تشمل نوع الكلام، ووقت الكلام، وأمورًا أخرى.
إن السيد المسيح له المجد، عندما جاء إليه الشاب الغني ليسأله عن طريق الخلاص، يقول الكتاب “فنظر إليه يسوع وأحبه” (مر10: 21). لماذا؟ “لأنه تكلم بعقل”…
وداود سر من أبيجايل لما تكلمت بحكمة (1صم 25).
5– من شروط الكلام الجيد، أن يقول الإنسان كلمة الحق:
“مفصلا كلمة الحق بالاستقامة” (2تي2: 15). وإن كان هذا ينطبق على الرعاة، إلا أنه أيضًا ينطبق على كل واحد منا.
وقد يعترض إنسان بأنه إن قال الحق قد يتعب، فنجيبه: بأنك إذا قلت الحق، واحتملت أتعابًا وآلامًا بسببه، فإن ذلك يكون إكليلا لك، إن تألمتم من أجل البر فطوباكم”. وهكذا احتمل الرسل والأنبياء، وكللوا.
ولكن إن لم تستطع أن تقول الحق، فليس أقل من أنك لا تتملق الباطل، ولا تصوره بأنه حق. فإن الكتاب يقول “مبرئ المذنب، ومذنب البريء، كلاهما مكرهة للرب” (أم17: 15).
يقول الكتاب لا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة، بل بالحري بكتوها “فإن لم تستطع أن تبكت أعمال الظلمة، وخفت من سطوتها، فعلى الأقل لا تتملقها وتمدحها. هنا يكون السكوت مرحلة متوسطة بين الوضع الإيجابي في الكلام الجيد، والوضع الخاطئ في كلام الملق والرياء.
6– من شروط الكلام الجيد أيضًا أن يكون بأدب:
كثيرون باسم الشهادة للحق، يخرجون عن حدود الأدب، وعن حدود اللياقة، ويتكلمون كلامًا جارحًا يسيئون به إلى مشاعر الناس، ويقدمون صورة للحق المتغطرس المتكبر، صورة منفرة…
أما الكتاب فيقول “إن أخذ أحد بينكم في زلة، فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة” (غل6: 1) “في وداعة الحكمة”. لذلك يمكن للإنسان أن يشهد للحق، في اتضاع، وفي أدب، وبلياقة وبطريقة تجعل الناس يحبون الحق.
يقول الكتاب “الكلام اللين يصرف الغضب، والكلام الموجع يهيج السخط” (أم15: 1). من الجائز يكون كلامك كله حق واستقامة، ولكن أسلوبه صعب، وهو كلام موجع، لذلك لا يقبل. ليس لأنه خطأ، ولكن لأن الطريقة التي قيل بها موجعة…
إذن يجب أن يكون كلامك حقًا، وطريقته خالية عن الاحتقار والكبرياء والتسلط، كما يقول الكتاب “لا تتكلموا بعنق متصلب” (مز75: 5).
اثنان يأمرانك أمرًا: تجد عندك استعدادًا أن تسمع لأحدهما، وتجد نفورًا من الآخر، لأنه يكلمك بكبرياء، لأن الكلام الموجع يهيج السخط. ما أسهل أن تقول نفس المعنى بأسلوب لطيف…
هناك أشخاص، كلامهم مثل رجم الحجارة، لذلك لا يأتي إطلاقًا بثمر، مهما كان صاحبه على حق لأنه، منفر…
السيد المسيح، من لطفه في الكلام، كان أحيانًا يوبخ بطريقة غير مباشرة: في مثل الكرامين الأردياء، يقول الكتاب “ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله، عرفوا أنه تكلم عليهم” (متى21: 45) فلم يكن يضرب ضربته مباشرة، ولكنه كان يتكلم بهدوء، وليفهم من يفهم. إذن فليقل الإنسان كلام الحق، ولكن بأدب ولياقة وحكمة.
الذي يتكلم بحكمة، يستطيع أن يربح الناس، ويقنعهم. والكتاب يقول “رابح النفوس حكيم” (أم11: 3).
بولس الرسول كان يعرف كيف يربح الناس بكلامه، لذلك يقول: “فإني إذ كنت حرًا من الجميع، استعبدت نفسي للجميع، لأربح الأكثرين. فصرت لليهود كيهودي، لأربح اليهود، وللذين تحت الناموس، كأني تحت الناموس، لأربح الذين تحت الناموس. والذين بلا ناموس، كأني بلا ناموس، مع أني لست بلا ناموس الله بل تحت ناموس المسيح، لأربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء، لأخلص على كل حال قومًا” (1كو9: 19- 22).
أرجو أن تكون لنا فرصة أوسع، لكي نتكلم فيها عن:
“آداب الحديث مع الناس، وكيف نكسبهم في أحاديثنا”.
كذلك نحتاج إلى أن نتابع شروط الكلام الجيد، ونتحدث عن الكلام باتضاع، وبوداعة، وبهدوء… وباقي صفاته الأخرى.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الرابع) 23-1-1976م




