الرب قد ملك

الرب قد ملك…1
نتابعك معك اليوم تأملاتنا في المزامير، وسيكون مزمور هذا العدد المزمور الأخير في صلاة الساعة السادسة (مز 93) وهو:
الرب قد ملك…
عنوان المزمور:
“تسبحة شكر لداود في اليوم الذي هو قبل السبت…
هذا العنوان غير موجود في الترجمة البيروتية، ولكنه موجود في الترجمة السبعينية، وفي تراجم اللاتين، وفي تفسير القديس أوغسطينوس للمزامير. المزمور هو إذن تأمل في اليوم السابق للسبت، أي في اليوم السادس. فما الذي حدث في اليوم السادس؟
” فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ” (تك1: 27، 28).
ولكن هل استمر الإنسان على صورة الله؟ وهل ملك الأرض؟ لا هذا ولا ذاك. بل فسد الإنسان وفقد صورته الإلهية، كما فقد سلطانه أيضًا. وملك بدلًا منه الشيطان الذي يسميه رب المجد نفسه “رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ” (يو14: 30)، ويسميه بولس الرسول “رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ” (أف2: 2). ولم يملك الشيطان الأرض جملة واحدة وإنما تفصيلًا أيضًا. فأحد جنوده يلقبه في سفر دانيال بأنه “وَرَئِيسُ مَمْلَكَةِ فَارِسَ” (دا10: 13).
واستمر الأمر هكذا إلى أن تجسد الله الابن، ورد الإنسان إلى صورته الأصلية.
أخذ الله صورة الإنسان ليعطي الإنسان صورة الله.
هذا عن الصورة.. فماذا عن الملك؟
إنه لم يكن قد تم قبل اليوم السادس. حقًا أن المسيح كان يكرز بهذا الملكوت في كل مدينة وقرية (مت4: 23)، وعندما أرسل تلاميذه قال لهم “اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ” (مت10: 7). كان الملكوت يقترب، إلا أن الله لم يكن قد ملك بعد، ولم يكن دخوله أورشيلم كملك إلا رمزًا إلى الملكوت الآتي. لأنه بعد أحد الشعانين بأيام “رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ” (يو14: 30). ولما اقترب إلى الصليب “رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ” (يو16: 11).
فمتى حدث ذلك؟ حدث في اليوم السادس، عندما دفع السيد المسيح عنا أجرة الخطية التي هي الموت، هنا يبدأ داود مزموره ويقول “الرَّبُّ قَدْ مَلكَ، وَلَبِسَ الجَلالَ” (مز92: 1). نسأله وأين ملك؟ فيجيب في مزمور آخر “الرَّبَّ قَدْ مَلَكَ عَلَي خَشَبَةٍ” (مز 95: 10).
“الرَّبُّ قَدْ مَلكَ، وَلَبِسَ الجَلالَ. لَبِسَ الرَّبُّ القُوَّةَ وتَمنْطَقَ بِها”
ظهرت قوة السيد المسيح على الصليب، لأنه استطاع أن “يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ” (عب2: 14، 15). وماذا بعد؟ أخذ “وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ” (رؤ1: 18). “سَبَى سَبْيًا” (أف4: 8) وفتح باب الفردوس (لو23: 43)، وأعطي الذين يحبونه “أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ” (رؤ2: 7) وهكذا بموته ملك على الأحياء والأموات.
وفي موته لم يكن ضعيفا “وإنما لبس الجلال”: فإذا “حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ… وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ” (مت27: 51، 52).. و “أَبْطَلَ الْمَوْتَ” (2تي1: 10). وهكذا ملك الرب، وأعطانا أيضًا “أن نملك معه” (2تي2: 12).
قد يسأل البعض: إن كان المسيح قد ملك حينئذ، فمن كان يملك قبل صلبه؟ يجيب الرسول على هذا: “قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ”. وكيف؟ “بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ” (رو 5: 14، 17). أما الآن فقد ملك الرب ونحن نعيش في ملكوت الله. بل أن “مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” (لو17: 21).
لقد “تمنطق المسيح” أي استعد للعمل. وتمنطق بالقوة: “تقلد سيفه على فخذه كجبار، استله ونجح وملك” (مز 45: 3، 4). ظهرت قوته على الصليب في قهر الشيطان، وظهرت قوته عند القبر في قهره للموت. فمتى ظهرت قوته أيضًا وكيف؟ ظهرت في تأسيسه للكنيسة وتثبيته لها، حتى اكتسحت دولًا وممالكًا، وخضع لها رؤساء وملوك، وبادت أمامها فلسفات وأديان. وملك الرب على كل هؤلاء مُظهرًا قوته. وهكذا “مَلَكُوتَ اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ” (مر9: 1) وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة ليسوع المسيح، ونعمة عظيمة كانت على جميعهم “وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ” (أع4: 33). حتى أن رؤساء الكهنة كانوا يسألونهم بأية قوة وبأي اسم صنعتم هذا؟ (أع4: 7). أنها القوة التي شعر بها بولس الرسول فقال: “بِحَسَبِ عَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيَّ بِقُوَّةٍ” (كو1: 29).
حقًا أن الرب قد لبس القوة وتمنطق بها في تثبيت الكنيسة. ولذلك فإن المرتل يقول بعد ذلك مباشرة.
“لأنَّهُ ثَبتَ المسْكونَة فَلَن تَتَزعْزَعَ” (مز92: 1)
والمسكونة هنا لا تعني الأرض وإنما سكانها كما يقول المزمور 95 “يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ”. وكما يقول المزمور أيضًا “هَلِّلُوا للرَّبِّ يا كُلّ الأرْضِ. اعْبدوا الرَّبَّ بالفَرَحِ” (مز99: 1، 2) فلا تقصد الأرض وإنما سكانها.
وهنا ليس المقصود “بالمسكونة” كل الناس وإنما المؤمنين أو القديسين فقط، أعضاء الكنيسة التي لن تقوى عليها أبواب الجحيم. أما الباقون فإن المزامير تطلق عليهم لفظ “الغُرَباءَ” (مز54: 3).
ما أعجب قوله عن الكنيسة أنها لا تتزعزع! قيل عن الجبل “تَتَزعْزَعُ الجِبالُ بعِزَّتهِ” (مز46: 3) وقيل إن “الآكَامَ تَتَزَعْزَعُ” (إش54: 10)، كما قيل “وَتَتَزَعْزَعُ الأَرْضُ مِنْ مَكَانِهَا” (إش13: 13) وحتى السماوات قال عنها “وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ” (مت24: 29).
فما هو السر في أن هذه الكنيسة تثبت ولا تتزعزع؟
يجيب داود في مزمور آخر ” لقَد قَدَّس العَلي مَسْكنَهُ. واللَّهُ في وَسَطها فَلَن تَتَزَعْزع” (مز 46: 4، 5). السر إذن هو أن “اللَّهُ في وَسَطها” “هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ” (مت 28: 20). “لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ” (مز16: 8). “إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ” (1كو15: 58).
لقد قال الله أنه سيسكن فيكم ويسير بينكم (2كو6: 16). وكيف يسكن فينا؟ إنه يسكن كملك لأن “مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” (لو17: 21). وما دام يسكن فينا كملك فلابد أن له عرشًا. وهنا يقول داود:
“كُرْسِيُّكَ ثابتٌ مُنْذُ البَدءِ وأنْتَ هُوَ مُنْذُ الأزَل” (مز92: 2)
والترجمة الصحيحة لكلمة “كُرْسِيُّكَ” هي كلمة “عرشك”. فكيف أن عرش الله ثابت منذ البدء؟ حقًا يا رب أنك امتلكتنا على الصيب واشتريتنا بدمك (1كو 6: 20). ولكننا قبل هذا أيضًا كنا لك ولم تكن مملكة إبليس سوى اغتصاب “لأَنَّ غُرَبَاءَ قَدْ قَامُوا عَلَيَّ، وَعُتَاةً طَلَبُوا نَفْسِي. لَمْ يَجْعَلُوا اللهَ أَمَامَهُمْ” (مز54: 3). نحن لك، ليس فقط لأنك افتديتنا وإنما أيضًا لأنك قبل ذلك قد خلقتنا… إذن فحقك في ملكك علينا ليس هو ابن اليوم ولا هو ابن أمس ولا قبلًا من أمس وإنما “كُرْسِيُّكَ ثابتٌ مُنْذُ البَدءِ”. أنت تملك على الكنيسة وأنت تثبتها. لأنها احتاجت إلى هذا. وكيف؟
“رَفَعتِ الأنْهارُ يا رَبُّ، رَفَعتِ الأنْهارُ صَوتَها
تَرفَعُ الأنْهارُ صَوتَها. مِنْ صَوتِ مِياهٍ كَثيرةٍ” (مز93: 3، 4)
قال الرب “مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ” (يو 7: 38). وفسر هذا يوحنا الرسول فقال “قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ” (يو7: 39). إذن فالروح القدس يمكن أن يشبه أو عمله في المؤمنين “بأنهار ماء حي”، لعل هذا ما يقصده داود بقوله “مَجاري الأنْهارِ تُفَرِّحُ مَدينَةَ اللَّهِ” (مز46: 4).
فإذا كانت كلمة “أنهار” تطلق على روح الله وعمله، فمن الممكن أن تطلق على المملوئين من روح الله، الذين يعمل روح الله فيهم وبهم، أولئك الذين تجري من بطونهم هذه الأنهار لتروي الآخرين وتفرح مدينة الله.
ما الذي حدث لهذه الأنهار؟
يقول داود “رَفَعتِ الأنْهارُ يا رَبُّ، رَفَعتِ الأنْهارُ صَوتَها” (مز92: 3) وهذا هو الذي حدث في يوم الخمسين عندما امتلأ الرسل من الروح القدس عندما امتلأت هذه الأنهار من الماء الحي… استهزأ البعض قائلين “إِنَّهُمْ قَدِ امْتَلأُوا سُلاَفَةً” “خمرًا”! حينئذ وقف بطرس مع الأحد عشر ورفع صوته وقال (أع2: 14).
فما الذي حدث عندما رفع هذا النهر العظيم صوته وفاض بالماء الحي؟ قبلوا كلامه بفرح واعتمدوا وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس، هذه الأنهار رفعت صوتها ولم تستطع أن تسكت كما قال بطرس لرؤساء الكهنة (أع4: 20).
وبينما كانت هذه الأنهار المقدسة ترفع أصواتها في الكرازة، كانت هناك أنهار أخرى مقدسة ترفع صوتها “رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى اللهِ وَقَالُوا: أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ الإِله”ُ (أع4: 24). فماذا حدث عندما رفعوا صوتهم؟ “تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلاَمِ اللهِ بِمُجَاهَرَةٍ” (أع4: 31).
عندما رفعت الأنهار صوتها في سمع الناس، آمن الناس… وعندما رفعت صوتها إلى الله استجاب. ولكن…
ماذا حدث أيضًا عندما رفعت الأنهار صوتها؟
يقول الكتاب “وَبَيْنَمَا هُمَا يُخَاطِبَانِ الشَّعْبَ، أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا الْكَهَنَةُ وَقَائِدُ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالصَّدُّوقِيُّونَ، مُتَضَجِّرِينَ مِنْ تَعْلِيمِهِمَا الشَّعْبَ… فَأَلْقَوْا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ وَوَضَعُوهُمَا فِي حَبْسٍ إِلَى الْغَدِ… وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ رُؤَسَاءَهُمْ وَشُيُوخَهُمْ وَكَتَبَتَهُمُ اجْتَمَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ حَنَّانَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَقَيَافَا وَيُوحَنَّا وَالإِسْكَنْدَرِ، وَجَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ عَشِيرَةِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ. وَلَمَّا أَقَامُوهُمَا فِي الْوَسْطِ، جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُمَا” (أع4: 1-7) هل كل هؤلاء قاموا على هذا الأنهار مقاومين لها؟ بل وأكثر من هؤلاء. قام عليهم الولاة والأمراء والملوك والرؤساء والحكام والقضاة، وماذا أيضًا؟ “بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ” (2كو11: 26). ويلخص داود كل هذه الكلمة في عبارة “مياه كثيرة”.
فهل المياه الكثيرة ترمز إلى المقاومات؟
نعم. وفي ذلك يقول داود ” لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء… إذَنْ لَغرَقْنا في الماءِ، وَعَبَرَت نُفوسِنا السَّيْلُ. بَلْ جازتَ نُفوسِنا الماءُ الَّذي لا نِهايَةَ لَهُ. مُبارَكٌ الرَّبُّ الّذي لَمْ يُسَلِّمْنا فَريسةً لأسْنانِهِم ” (مز123: 1- 6).
أن هذه المياه الكثيرة، المياه التي لانهاية لها، والسيول، ترمز هنا وفي مواضع أخرى إلى المقاومات والضيقات والعالم ومشاكله. ويستعمل داود تعبيرًا آخر يدل به على المياه الكثيرة وهو البحر. فيقول.
“عَجيبَةٌ هِي أَهْوَالِ البَحْر (أو أمواجه)
الرَّبُّ فِي الْعُلَى أَقْدَرُ” (مز93: 4، 5)
من التشبيهات المألوفة في الكتاب، تشبيه العالم بالبحر، والكنيسة بسفينة، وأخطار العالم وأشراره بالأمواج، إن الأشرار يشبههم يهوذا الرسول في رسالته بأنهم “أَمْوَاجُ بَحْرٍ هَائِجَةٌ مُزْبِدَةٌ بِخِزْيِهِمْ” (يه 13). ويقول أشعياء “أَمَّا الأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْمُضْطَرِبِ لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ حَمْأَةً وَطِينًا” (أش57: 20).
وعندما رفعت الأنهار صوتها صارخة إلى الله من صوت مياه كثيرة، ماذا كانت أهوال البحر التي صدمتها؟ يعطينا بولس الرسول مثلًا فيشرح كثرة الأتعاب والضربات والسجون والجلد والرجم والميتات مرارًا كثيرة، فهل كانت هذه كل أهوال البحر؟ كلا. أنه يستطرد “بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ” (2كو11: 23- 26). عجيبة حقًا هي أهوال البحر!!… يشرحها داود في المزمور الثاني فيقول “لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ بِالْبَاطِلِ؟ قَامَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ” (مز2: 1، 2).
فما الذي حدث عندما هاجت أمواج البحر، وقامت ملوك الأرض وتفكرت الشعوب بالباطل؟
هل استطاعت أن تجرف أولاد الله؟ أترى حازت نفوسهم الماء الذي لانهاية له؟ كلا، لأن “الرَّبُّ فِي الْعُلَى أَقْدَرُ”. يأتيهم ماشيًا على الماء، يدوس بقدميه الأمواج الصاخبة، وينتهر البحر فيسكت، فليتغنى داود إذن ويقول “يَا رَبُّ إِلهَ الْجُنُودِ، مَنْ مِثْلُكَ؟ قَوِيٌّ… أَنْتَ مُتَسَلِّطٌ عَلَى كِبْرِيَاءِ الْبَحْرِ. عِنْدَ ارْتِفَاعِ لُجَجِهِ أَنْتَ تُسَكِّنُهَا” (مز89: 8، 9). فليعج البحر إذن كما يشاء، ولتتفكر الشعوب بالباطل… ” اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ بِهِمْ… حِينَئِذٍ يُكَلِّمَهُم بِغَضَبِهِ وَبرِجْزِه يَرْجفُهُمْ” (مز2: 4، 5) “الرَّبُّ فِي الْعُلَى أَقْدَرُ”…
شهاداتك صادقة جدًا
ها قد هاجت أمواج البحر على التلاميذ فما هي شهادة الله الصادقة التي يتذكرونها فيتعزون؟ لقد قال لهم الرب “يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي”… هذه هي أهوال البحر العجيبة. فهل من عزاء عند ملاقاتها؟ يستطرد الرب فيقول “فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لاَ تَهْتَمُّوا لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا (لو21: 12-15) حقًا شهاداتك صادقة يارب. فهل من شهادة أخرى؟ نعم لقد قال لهم ” وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ مِنَ الْوَالِدِينَ وَالإِخْوَةِ وَالأَقْرِبَاءِ وَالأَصْدِقَاءِ، وَيَقْتُلُونَ مِنْكُمْ. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي” هذه هي أهوال البحر العجيبة. فماذا بعد؟ يقول “وَلكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ”؟ (لو:21: 16- 18)
حقًا أن الرب لم يخدعهم في شيء. وإنما قال لهم تلك الأمور قبل أن تكون حتى إذا كانت يؤمنون (يو14: 29) يؤمنون بماذا؟ يؤمنون بأن شهاداته صادقة جدًا. هذا عن الماضي، فماذا عن المتسقبل؟ يؤمنون أيضًا بأنه.
لبَيْتِكَ ينْبَغي التَّقديسُ يا رَبُّ طول الأيّامِ
قلت لليهود “هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا” (مت23: 38؛ لو13: 35). وكانت شهاداتك صادقة جدًا، وتم ذلك وكان. أما كنيستك فقلت عنها “وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا” (مت16: 18). فلتكن يارب شهاداتك صادقة، ولتدم بيعتك مقدسة باسمك ودمك حتى الانقضاء…
“يا رَبُّ أحْبَبْتُ جَمالَ بَيْتِكَ، ومَوضِعَ مَسْكنِ مَجْدكَ” (مز25: 8). “طوبَي لِكلِّ السُّكانِ في بَيْتِكَ، يُبارِكونَكَ إلَي الأبَدِ” (مز83: 4) لأنه “لبَيْتِكَ ينْبَغي التَّقديسُ يا رَبُّ طول الأيّامِ” (مز93: 5).
تأمل روحي
تحدثنا أيها الأخ المبارك عن المعنى النبوي للمزمور مطبقا على الكنيسة. بقيَّ أن تطبقه شخصيًا على نفسك. مثال ذلك:
الرب قد ملك ولبس الجلال.
أي ملك ذاتك كلها: حياتك، رغباتك، وقتك، فكرك، مشاعرك… كل ما عندك. اشتراك بدمه وصرت ملكًا له. وهكذا:
لبس الجلال فيك. أصبحت مهابًا لدي الشياطين “يَسْقطُ عَنْ يَساركَ أُلوفٌ وعَنْ يَمينكَ رِبْواتٌ، وأمّا أنْتَ فَلا يقْتَربُ إليْكَ الشَّرُّ… ولا تدْنو ضَرْبةً مِنْ مَسْكنِكَ” (مز90: 7، 10) بعض الأفكار والشهوات لا تقترب إليك، وإن مرت على ذهنك تعبر سريعًا كالدخان. ولكنك قد تقول في نفسك “ليس هذا هو وضعى فكيف أتامله في الصلاة؟!” تأمله كأمل، كرغبة، كما تقول “لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ”.
لَبِسَ الرَّبُّ القُوَّةَ وتَمنْطَقَ بِها، لأنَّهُ ثَبتَ المسْكونَة فَلَن تَتَزعْزَعَ.
قوة الله التي يعمل بها فيك لتسير في موكب نصرته. وقوة النعمة التي تعطى لك لتجاهد وتثابر حتى تسلم إرادتك للرب. وهكذا تثبت في محبة الله ولا تتزعزع إرادتك نحو الخطية لأن “ميراثك ثابت لك”.
كُرْسِيُّكَ ثابتٌ مُنْذُ البَدءِ وأنْتَ هُوَ مُنْذُ الأزَل
كان يجب أن أجعل عرشك في قلبي منذ البدء، ولكني تأخرت في حبك.
… تَرفَعُ الأنْهارُ صَوتَها. مِنْ صَوتِ مِياهٍ كَثيرةٍ.
مياه كثيرة تحاربك، أهمها العالم والجسد والشيطان، بما يقدمه أولئك من عثرات وشهوات وأفكار… وباقي متاعبك التي تعرضها أمام الله. عجيبة هي أهوال البحر الذي يريد أن يجرفك. ولكن معونة الله ستنقذك لأن الرب في الأعالي هو أقدر…
شهاداتُهُ صادِقةٌ جدًا.
كما شهدت يا رب بأنه في العالم سيكون لنا ضيق، قلت أيضًا “ثقوا أيضًا أنا قد غلبت العالم”، فاغلبه مرة أخرى في قلبي وفي حياتي.
لبَيْتِكَ ينْبَغي التَّقديسُ يا رَبُّ طول الأيّامِ
بيت الله هو قلبك، الذي ينبغي له التقديس، ليكون أهلًا لحلول الروح القدس فيه. على أن يكون ذلك طول الأيام، فلا تحيا حياة ذبذبيه وتقلب.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الاولى – العدد الخامس يونيه 1965م



