الحرية

الحرية[1]
نود في هذا الباب أن نعرض على التوالي بعض المفاهيم، لأمور معينة في الحياة الروحية، والحياة الاجتماعية.
وسنبدأ بموضوع الحرية ونناقشه معًا، ومع أبنائنا الشباب:
أولًا: إن الله يحب لكل إنسان أن يكون حرًا.
وقد خلق الإنسان بإرادة حرة. وقال له في آخر سفر التثنية: “اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ،… أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ، إِذْ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْمَعُ لِصَوْتِهِ وَتَلْتَصِقُ بِهِ، لأَنَّهُ هُوَ حَيَاتُكَ …” التثنية 30 : 15-20 .
ثانيًا: يقابل الحرية حساب ومسئولية.
فالإنسان أو الكائن غير الحر، لا يحاسب على أفعاله. أم مع الحرية فيوجد حساب على كل ما يفعله الإنسان خيرًا كان أو شرًا. فينال المكافأة على أعماله الخيرة. كما توقع عليه العقوبة في أعماله الخاطئة أو الشريرة.
آدم وحواء كانا حرين. وأمامهما وصية الله. يمكن أن يطيعاها أو يخالفاها. وقد خالفا الوصية. وأوقع الله على كل منهما عقوبة مسببة تكوين 3 : 9-19 .
والعقوبة على الخطأ الذي يفعله الإنسان بحريته، هي عقوبة مزدوجة: على الأرض وفي السماء. وقد ينجو الإنسان من عقوبة على الأرض. ولكن تبقى العقوبة في العالم الآخر قائمة، لا تُمحى إلا بالتوبة لوقا 13 : 3-5 .
كما أن الخير الذي يفعله الإنسان بحرية إرادته، له مكافأة مزدوجة أيضًا. وإن لم ينل الإنسان مكافأة على الأرض، فأجره محفوظ في السماء “أَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” متى 6 : 4-6 .
ثالثًا: ليس من حقك إطلاقًا أن تنال حرية مطلقة.
فأنت حرّ في كل ما تفعله، بحيث أنك لا تعتدي على حقوق أو حريات الآخرين. وبحيث أنك لا تكسر وصايا الله، ولا تخالف القانون والنظام العام الذي جُعل من أجل سلامة وراحة الآخرين…
فليس من حقك مثلًا أن تركب سيارة وتخالف قواعد المرور، وتقول: أنا حر، أسير حيثما أشاء! وليس من حقك أن ترفع صوتك في ضوضاء تزعج بها الآخرين، وتقول: أنا حرّ أرفع صوتي كما أشاء. وليس من حقك أن تأخذ معك ورقة وتغش بها في الامتحان، وتقول أنا حرّ، أستعمل ما أشاء من أوراق.
كذلك كما تستخدم حريتك، بحيث لا تضر الآخرين ولا تخالف النظام العام. فأنت أيضًا من حقك أن تستخدم حريتك، بحيث لا تضر نفسك.
لأن نفسك ليست ملكًا لك. إنها ملك لله الذي خلقها وفداها، وملك أيضًا للمجتمع الذي رعاك ورباك، وله عليك حقوق يجب أن تؤديها…
ولذلك فقتل الإنسان لنفسه بالانتحار، جريمة يعاقب عليها الله، ولا يوافق عليها القانون. ونفس الوضع ينطبق على من يضر نفسه عن طريق التدخين أو المخدرات. فليس من حقه أن يقول أنا حرّ، أدخن كما أشاء، وأتعاطى المخدرات كما أشاء!!… لأنه ليس من حقه أن يهلك نفسه. وليس من حقه أن يحرم المجتمع من وجوده مؤديًا واجبه نحو المجتمع.
رابعًا: الضوابط التي توضع على الحرية، هي لفائدتك وليس لتقييدك.
ومن فائدتها أنها تمنعك من الإضرار بنفسك، ومن الإضرار بغيرك، ومن الإضرار بالمجتمع، ومن مخالفة وصايا الله…
النهر له شاطئان، لا يقيدان مجراه، وإنما يحفظانه.
وإذا لم تكن للنهر شواطئ، فإنه سينسكب ويفيض على الجانبين، ويغرق الأرض، ويحولها إلى مستنقعات. أترى يستطيع أي نهر أن يحتج على وجود شاطئين له، ويقول أنهما يقيدان حريتي؟!
كذلك أنت: الشاطئان بالنسبة إليك، هما وصايا الله، وقوانين أو تقاليد المجتمع. أو الشاطئان هما الدين والتربية. وكلاهما لفائدتك. فالطفل الذي يرفض التربية، ويحسبها تقييدًا لحريته، والشاب الذي يرفض نصيحة أبويه أو معلميه أو مرشديه، ويرى ذلك تقييدًا لحريته، لا بد أنه سيفسد، ويفقد الطريق السليم السوّي، ويضلّ… فهل الضلال هو اسم آخر للحرية، أو نتيجة لها؟
خامسًا: الحرية الحقيقية هي أن يتحرر الإنسان من الأخطاء.
فيتحرر من الخطايا والسقطات، ويتحرر من العادات الرديئة. يتحرر قلبه من كل المشاعر الرديئة، ويتحرر عقله من الأفكار المنحرفة ومن كل خطأ فكري… يتحرر أيضًا من الخضوع للشيطان وكل أعوانه. ويتحرر من تأثير الصحبة الرديئة والمعاشرات المفسدة. ويتحرر من كل قيادة تفرض سلطانها على إرادته، لتقوده حسب هواها في مسيرة منحرفة.
هذه هي الحرية، التي قال عنها الكتاب: “فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا” يوحنا 8 : 36 .
سادسًا: الذي يتحرر داخله من الخطية، يمكن أن يستخدم الحرية الخارجية بطريق سليم.
فمثلاَ الذي يتحرر من الكراهية والقسوة والعنف والظلم، يستطيع أن يستخدم حريته في التعامل مع الناس بطريق سليم.
أما إن كان ظالمًا أو قاسيًا، وقال أريد أن استخدم حريتي في التعامل كما أشاء… فإنه سوف يؤذي غيره بقسوته وبظلمه، أو بعدم تحرره من القسوة والظلم…
كذلك الذي لم تتحرر عفته من الشهوات الجسدية، فإنه حينما يستخدم حريته لتنفيذ شهواته، لا بد سيؤذي نفسه وغيره. وفيما يظن أنه يستخدم حريته، يكون قد أضاف قيودًا جديدة على عفته ونقاوته.
وأيضًا الفتاة التي تقول ألبس كما أشاء، وأضحك وألهو كما أشاء. وبهذا الأسلوب تعثر غيرها وتسقطه، وتسقط هي أيضًا معه… هذه الفتاة لم تتحرر بعد من الداخل. لذلك تستخدم حريتها الخارجية بطريقة ضارة لها ولغيرها…
والطالب الذي يلعب طول العام ويهمل دروسه، ويقول أنا حرّ.. إنما يضر نفسه باسم الحرية الخاطئة ويفقد مستقبله. لأنه لم يتحرر في الداخل من سيطرة اللهو عليه…
إذًا نصيحتنا لك: استخدم حريتك لفائدتك وفائدة غيرك.
وتحرر أولًا من الداخل، قبل أن تمارس الحرية الخارجية.
سابعًا: يضغط البعض على نفسه، ليصل إلى الحرية الحقيقية.
فلا يعطي ذاته كما تطلب، لئلا يصل إلى تدليل النفس، ويفقد سيطرته على نفسه، وبالتالي يفقد حريته الحقيقية.
وهكذا يدخل هذا الإنسان في تداريب روحية لضبط النفس، لضبط اللسان فلا يقع في أخطاء. لضبط الأعصاب حتى لا يثور ويفقد في غضبه معارفه وأصدقاؤه. وأيضًا تداريب لضبط الفكر، حتى لا يسرح في أمور تضره. بل يدخل في تداريب لضبط الحواس، ولضبط الجسد بالصوم والسهر، وضبطه في البعد عن الشهوات حتى لا ينساب في الملاهي والملاذ الجسدية ويفقد روحياته.
هل يجوز أن يقول أسلك حسب هواي، بحريتي، ولا يضبط نفسه ويغصبها على عمل الخير؟
وإن سلك هكذا، أيكون حرًا أم مقيدًا بشهواته؟
إنها قواعد نذكرها لك لفهم موضوع الحرية. ونحن مستعدون أن نناقش معك أي فكر…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “باب الشباب – مفاهيم الحرية”، نُشر في مجلة الكرازة 23 أكتوبر 1992م.




