التكلم بألسنة

* مركز التكلم بألسنة بين المواهب.
* شروطه حسب تعليم الأنجيل.
* علاقته ببنيان الكنيسة في عصر الرسل.
* تعليم الكتاب عن انتهاء الألسنة
* صمت “من يبنى نفسه”.
* الموهبة الوحيدة التي لها شروط
1- المواهب ليست لازمة لجميع المؤمنين:
المؤمنون يلزمهم حياة القداسة، ولا يلزم الكل المواهب الفائقة للطبيعة.
فهناك قديسون كثيرون عاشوا بنقاوة القلب، ولم يذكر لهم الكتاب أو التاريخ معجزة واحدة.
ولهذا قال الرسول في تعجب: “ألعل الجميع أصحاب قوات؟! ألعل للجميع مواهب شفاء؟!” ( كورنثوس الأولى 12 : 29-30 ).
وهكذا نرى أن كثيرين من المؤمنين دخلوا الملكوت لمجرد عمل المحبة بدون معجزات، بشهادة الرب لهم “لأني جعت فأطعمتمونى،
عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فأويتموني..” ( متى 25 : 35 ).
وفي هذا أيضًا يقول معلمنا يعقوب الرسول “الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه:
افتقاد اليتامي والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم” ( يعقوب 1 : 27 )، دون أن يذكر ضرورة المواهب والمعجزات.
2- موهبة الألسنة ليست للكل:
نلاحظ أن الرسول لم يشترك أن يكون التكلم بالسنة- حتى في العصر الرسولي- لجميع الناس.
فقال “ولكنه لكل واحد يعطي إظهار الروح للمنفعة” فإنه لواحد يعطي بالروح كذا، ولآخر كذا” ( كورنثوس الأولى 12 : 7-10 ).
وقال أيضًا في الرسالة إلى رومية”.. كما قسم الله لكل واحد مقدارًا من الإيمان. فإنه كما في جسد واحد لنا أعضاء كثيرة،
ولكن ليس جميع الأعضاء لهل عمل واحد، هكذا.. لنا مواهب مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا” ( رومية 12 : 3-6 ).
بل أن التكلم بالسنة لم يكن ضمن المعجزات التي أعطاها الرب لتلاميذه في إرساليته الأولى لهم (متى10):
فقد “أعطاهم سلطانًا على أرواح نجسة حتى يخرجوها، ويشفوا كل مرض وكل ضعف في الشعب” وقال لهم “اشفوا مرضي،
طهروا برصًا، أقيموا موتي، أخرجوا شياطين” ( متى 10 : 1-8 ) ولم يرد في كل ذلك أي كلام عن التكلم بألسنة..
ولكن ظهرت الألسنة بانسكاب الروح يوم الخمسين، وساعدت على إيمان ثلاثة آلاف في ذلك اليوم قد بهتوا وتعجبوا مما حدث.
3-ذكرت اللسنة في آخر المواهب:
في الأصحاح 12 من الرسالة الأولى إلى كورنثوس، ذكرت موهبة الألسنة (التكلم والترجمة) في آخر المواهب) (3 مرات):ففي ( كورنثوس الأولى 12 : 8-10 ).
ذكرت المواهب هكذا: كلام حكمة- كلام علم- إيمان- مواهب شفاء- عمل قوات نبوءة- تمييز أرواح- أنواع ألسنة- ترجمة ألسنة.
وفي ( كورنثوس الأولى 12 : 28 ) “فوضع الله أناسًا في الكنيسة: أولا رسلا، ثانيًا أنبياء، ثالثًا معلمين، ثم قوات.
وبعد ذلك مواهب شفاء، أعوانًا، تدابير وأنواع ألسنة”.وفي ( كورنثوس الأولى 12 : 29 )
ذكر في آخر الكلام التكلم بألسنة والترجمة. وفي ( كورنثوس الأولى 13 : 1 ) ذكر المحبة أهم من التكلم بألسنة الناس والملائكة.
4- موهبة الألسنة لأجل بنيان الكنيسة:
كانت لازمة للكرازة، ولتوصيل كلمة الله لأصحاب اللغات الأجنبية، كما حدث في يوم الخمسين. وفي (1كو14) نرى بنيان الكنيسة هو الهدف كما يتضح في مواضع عديدة في نفس الأصحاح.
فيقول مثلا “إذ انكم غيورون للمواهب الروحية، أطلبوا لأجل بنيان الكنيسة أن تزدادوا “ويقول أيضًا “ليكن كل شيء للبنيان” .
ولأجل بنيان الكنيسة يجعل موهبة التنبؤ أفضل من التكلم بألسنة:
وموهبة التنبؤ كانت تحمل معنى التعليم. ويقول في ذلك “وأما من يتنبأ فيكلم الناس ببنيان ووعظ وتسلية (أي بتعزية) (ع 3).
ويقول لذلك “لأن من يتنبأ أعظم ممن يتكلم بألسنة، إلا إذًا ترجم، حتى تنال الكنيسة بنيانًا” (5).
5- وضع الرسول لموهبة الألسنة شروطًا:
إنها الموهبة الوحيدة التي وضع لها الرسول شروطًا في كل المواهب التي ذكرها، لكي يتحفظ عليها من الانحراف ومن التشويش..
ذكر المواهب بالتفصيل في (1كو12). أما في (1كو14) فركز على التكلم بألسنه ووضع له قيودًا وشروطًا،
ووضع له غرضًا محددًا هو البنيان وأمر بالصمت عن التكلم بلسان في حالات معينة.
والشروط الثلاثة التي وضعها الرسول هي: بنيان الكنيسة، والفهم، والترجمة:
وقد تحدثنا عن (بنيان الكنيسة) نتحدث الآن عن الشرطين الباقيين:
6- من شروط التكلم بألسنة: الفهم.
بعد أن ضرب الرسول مثالا للآلات الصوتية، وأهمية أن تعطي صوتًا له معناه، يفهمه السامعون، قال عن لغة الألسنة.
“أن لم تعظوا باللسان كلامًا يفهم، فكيف يعرف ما تكلمتم به. فإنكم تكونون تتكلمون في الهواء” (ع9).
وقال أيضًا “فإن كنت لا أعرف قوة اللغة، أكون عند المتكلم أعجميًا، والمتكلم أعجميًا عندي” (ع11).
وهكذا وصف الرسول المتكلم بالسنة بدون فهم، بالأعجمية، وبأنه كلام في الهواء، وأيضًا وصفه بالهذيان:
فقال “فإن اجتمعت الكنيسة كلها في مكان واحد، وكان الجميع يتكلمون بألسنة، فدخل عاميون أو غير مؤمنين، أفلا يقولون إنكم تهذون!!” (ع23).
وشرط الفهم في التكلم بألسنة يقود إلى شرط الترجمة.
7- شرط الترجمة في التكلم بالسنة:
يقول الرسول “من يتكلم بلسان، فليصل لكي يترجم” (ع13) وشرط الترجمة هذا يربطه ببنيان الكنيسة،
وهكذا يقول “من يتنبأ أعظم ممن بتكلم بألسنة، إلا إذًا ترجم حتى تنال الكنيسة بنيانًا” (ع5).
وقال “إن كان أحد يتكلم بلسان، فاثنين اثنين، أو على الأكثر ثلاثة ثلاثة، وبترتيب، وليترجم واحد” (ع27).
وإن لم يوجد مترجم، ماذا يقول الرسول؟
8- إن لم يوجد مترجم، فليصمت:
يقول الرسول صراحة “ولكن إن لم يكن مترجم، فليصمت في الكنيسة، وليكلم نفسه والله” (ع28).
ذلك لأنه لا يجوز أن يتكلم إنسان كلامًا غير مفهوم، لا يفهمه الناس، لأن ذلك غير نافع لبنيانهم وتعليمهم.
ولذلك عقب الرسول بقوله “لأن الله ليس إله تشويش، بل إله سلام” (ع23).
وفي أفضلية الفهم يقول الرسول “أشكر إلهي أني أتكلم بألسنة أكثر من جميعكم، ولكن في كنيسة الله..
أريد أن أتكلم خمس كلمات بذهني، لكي أعلم آخرين أيضًا، أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان” (ع19).
9- الألسنة أية لغير المؤمنين:
هكذا يعلم الرسول “إذن الألسنة أية لا للمؤمنين، بل لغير المؤمنين” (ع22). إنها كذلك لأن عملها هو الكرازة واقناع غير المؤمنين لدخول الإيمان.
أما المؤمنون الذين يحتاجون إلى الوعظ والتعزية، فيلبق بهم التنبؤ. ولذلك يقول الرسول “أما النبوة فليست لغير المؤمنين بل للمؤمنين”(ع22).
لهذا كانت الألسنة نافعة للعصر الرسولي.
10- الألسنة في العصر الرسولي:
كانت الألسنة تدفع الناس إلى الإيمان، كما حدث يوم الخمسين، وكما حدث في قبول الأمم في قصة قبول كرنيليوس للإيمان والعماد..
والعصر الرسولي الذي شاهد في سنوات قليلة انتشار المسيحية في كل قارات العالم “إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم” كانت تسنده مثل هذا المعجزة،
وهكذا قيل في بداية ذلك العصر: “وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين بأسمى،
ويتكلمون بألسنة جديدة. يحملون حيات. وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم..” ( مرقس 16 : 17 ).
ثم بدأت الألسنة تقل وتختفي، وتنبأ عنها الرسول بأنها تنتهي.
11- الألسنة ستنتهي:
هكذا قال الرسول “أما النبوات فستبطل، والألسنة فستنتهي..” ( كورنثوس الأولى 13 : 8 فإن كان هذا قد قيل في العصر الرسولي نفسه،
فماذا نقول عن عصرنا الذي انتشرت فيه اللغات العالمية، ولم تعد الألسنة لازمة للكرازة كالعصر الرسولي الأول؟
إن منحها الله حاليًا، يمنحها للتبشير في مجاهل أفريقيا حيث العشرات من اللغات المحلية، وليس لنا حيث كلنا نعرف لغة واحدة، والألسنة أية لغير المؤمنين.
12- عبارة “يبنى نفسه” معناها وشروطها
يقول البعض إنه قد يكون للألسنة سبب آخر (لعله سبب ثانوي) وهو أن الألسنة للصلاة والتراتيل، ويستدلون بقول الرسول “من يتكلم بلسان يبنى نفسه.
وأما من يتنبأ فيبنى الكنيسة” (ع4). ولكن الرسول يضع هذا الأمر تحت شروط:
(أ) فيطلب أولا أن يكون بفهم، يشترك فيه الذهن مع الروح:
ويقول في ذلك “إن كنت أصلي بلسان، فروحي تصلي، وأما ذهني فهو بلا ثمر. فما هو إذن؟
أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضًا “أرتل بالروح، وأرتل بالذهن أيضًا” ( كورنثوس الأولى 14 : 15 ).
إن الصلاة بلسان، بلا فهم، هي بلا ثمر..
(ب) وحتى أن كانت الصلاة بلسان، وبفهم، تكون “بين الإنسان والله، يكلم فيها المصلي الله، وصوته لا يسمع”..
وعن هذا يقول الرسول “لأن من يتكلم بلسان، لا يكلم الناس بل الله. لأن ليس أحد يسمع. ولكنه بالروح يتكلم بأسرار” (ع2).
هذه الأسرار، ما دخل الناس فيها؟ إنها في صت، لا يسمعها أحد. لا يعرفها أحد ولا يحسها.
أما أن اسمعها للناس، فيكون قد خرج عن التعليم الأنجيل.
إن الرسول يقول “وإن لم يكن مترجم، فليصمت في الكنيسة، وليكلم نفسه والله” (أع28). إذن الذي لا يصمت يخالف.
ويكون كمن يقيم دعاية لنفسه، ضد مبدأ الصلاة في الخفاء.
بقي أن نسأل: هل كل صوت غريب هو تكلم بألسنة…؟! قد يكون اللسان من روح الله، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون مرضًا، أو أدعاءًا، أو دعاية للنفس..
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد الرابع والعشرون) 16-6-1978



