التعامل مع الناس

التعَامل مَعَ الناس[1]
التعامل مع الناس يحتاج إلى حكمة ومعرفة بالنفوس.
- ومن الحكمة أنك لا تعامل جميع الناس بأسلوب واحد.
إنما تعامل كل إنسان بالأسلوب الذي يناسبه.
ويشرح لنا الكتاب مثالًا لذلك في معاملة الإنسان الجاهل. فذكر حالتين، كلًا منهما عكس الأخرى في المعاملة، هكذا:
“لاَ تُجَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلاَّ تَعْدِلَهُ أَنْتَ” الأمثال 26 : 4 .
“جَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلاَّ يَكُونَ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ” الأمثال 26 : 5 .
ففي إحدى الحالتين تجاوبه، وفي الأخرى لا تجاوبه، حسب تقديرك للظروف وللنتائج وردود الفعل…
- كل إنسان له طبع ونفسية وعقلية تميزه عن غيره.
وأنت في طريق الحياة تتعامل مع نفسيات مختلقة، تحتاج منك إلى دراسة كل منها، ومعرفة طريقة التعامل معها…
كما لو كانت أمامك أبواب متعددة. وكل باب منها يناسبه مفتاح معين، وبغيره لا ينفتح.
- وهكذا تقابلك مواقف معينة. وكل موقف منها يحتاج إلى أسلوب تعامل يناسبه. فموقف يلزمه الصمت، موقف يحتاج إلى رد. والحكمة هي أنك لا تتكلم حينما يحسن الصمت. ولا تصمت حين يجب الكلام…
- هناك نوع من الناس. إن عاتبته ربحته. ونوع آخر إن عاتبته، يزداد الموقف سوءًا وتتعقد الأمور.
النوع الأول كالذي قال عنه الكتاب “إِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ” متى 18 : 15 . وعبارة “إن سمع منك” تحوي احتمالًا آخر إنه قد لا يسمع.
وعن هذا النوع الذي لا يستجيب للعتاب، قال الشاعر:
ودع العتاب فرُبّ شر كان أوله العتابا
- وفي الكلام مع الناس قدر الوقت، وحالة من تكلمه.
في وقت من الأوقات، يكون من تحدثه مستعدًا للسماع، وفي حالة نفسية طيبة يمكن أن تتجاوب معك. وفي وقت آخر قد يكون متضايقًا، أو مشغولًا، أو غير مستعد لمناقشة ما تريد عرضه عليه. متضايقًا، أو مشغولًا، أو غير مستعد لمناقشة ما تريد عرضه عليه. وحينئذ يكون من الصالح أن تتخير وقتًا آخر. ولا تضغط عليه في سماع ما لا يريد، وإلا خسرت الموقف..
ولهذا يقول الكتاب “مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ” متى 13 : 43 . إذن حاول أن تكلم “من له أذنان للسمع”.. إلا لو كانت هناك رسالة ينبغي أن توصلها مهما كانت النتيجة… مثل رسالة “لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ” متى 14 : 4 ، التي أوصلها القديس يوحنا المعمدان لهيرودس الملك.
- أيضًا يجب عليك مراعاة قصد من يحدثك، أو من يناقشك:
هل يكلمك ببساطة أم يريد أن يصيدك بكلمة متى 22 : 15 .
وهكذا هناك أناس يمكن أن تتكلم معهم ببساطة وبقلب مفتوح، وأنت مطمئن إليهم. وهناك نوع آخر من الناس، ينبغي أن تتحدث معهم بحرص، مدققًا في كل كلمة، ودون أن تجيب على كل سؤال، أو تدخل في كل موضوع، كالذين قال عنهم الكتاب: “لاَ تَأْتَمِنْهُمْ إِذَا كَلَّمُوكَ…” إرميا 12 : 6 . أو كأولئك الذين قيل عنهم “لَكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ” يوحنا 2 : 24 .
- لذلك في التعامل مع الناس، ليس كل أحد تستطيع أن تقول له أسرارك.
أو تقول له أي سرّ يخصك أو يخص غيرك. وكما قال القديس يوحنا ذهبي الفم “ليكن أصدقاؤك بالألف. وحافظ سرّك من الألف واحدًا”… فليس كل إنسان يستطيع أن يكتم السرّ. وبخبرتك في تعاملك مع الناس، تستطيع أن تميز من منهم الشخص الكتوم…
وكما قيل في المثل “كل سرّ جاوز الاثنين ذاع” أو “كل سرَ جاوز الاثنين شاع” أو “كل سرَ جاوز الاثنين ضاع”.
نحن نعرف تمامًا، كيف أن شمشون الجبار حينما قال سرهّ لدليلة، نقلت هذا السر لأعدائه، فانقضوا عليه وأضاعوه (قض16).. مع أن دليلة التي قال لها شمشون سرّه كانت امرأة يحبها… لكنها على الرغم من محبته لها، لم تكن مخلصة له…!
- كذلك يجب على الإنسان الحكيم، أن يعرف مَنْ مِنَ الناس يمكنه أن يدخل في حوار أو نقاش معه…
فهناك إنسان يقصد من الحوار مجرد المعرفة والفهم، ويجري النقاش معه في جو من الموضوعية، وبروح المودة، وفي احترام للرأي الآخر. بينما يوجد نوع آخر يقصد بالجدل مجرد المشاغبة، وإيقاعك في خطأ يمسكه عليك… أو يقصد مجرد إضاعة الوقت في النقاش، أو الرغبة في احراجك…
عن هذا النوع وأمثاله، حذرنا الكتاب بقوله “وَالْمُبَاحَثَاتُ الْغَبِيَّةُ وَالسَّخِيفَةُ اجْتَنِبْهَا، عَالِمًا أنَّهَا تُوَلِّدُ خُصُومَاتٍ” تيموثاوس الثانية 2 : 23 .
- هناك قاعدة أخرى في التعامل مع الناس وهي:
لا تعامل الناس بالمثل، إن قصدوا بك شرًا …
فالسيد المسيح يقول في العظة على الجبل “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ” متى 5 : 44 .
والكتاب يقول “إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ” رومية 12 : 20 . وقال أيضًا “بَارِكُوا وَلاَ تَلْعَنُوا… لاَ تُجَازُوا أَحَدًا عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ… لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ” رومية 12 : 14–19 .
نلاحظ أن يوسف الصديق، لم يعامل أخوته بنفس معاملتهم.
أولئك الذين ألقوه في البئر وباعوه، وكانوا يريدون أن يقتلوه (تك 37). بل إنه بكى لما عرفهم بنفسه، وقال لهم “لاَ تَتَأَسَّفُوا وَلاَ تَغْتَاظُوا لأَنَّكُمْ بِعْتُمُونِي إِلَى هُنَا لأَنَّهُ لِاسْتِبْقَاءِ حَيَاةٍ أَرْسَلَنِيَ اللهُ قُدَّامَكُمْ” تكوين 45 : 5 . ولما طلبوا من الصلح – بعد موت أبيهم – وقالوا له نحن عبيدك بكى يوسف حين كلموه… وقال لهم “لاَ تَخَافُوا… أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرا… فَالآنَ لاَ تَخَافُوا. أَنَا أَعُولُكُمْ وَأَوْلاَدَكُمْ”. فَعَزَّاهُمْ وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ” تكوين 50 : 19–21 .
أيضًا نرى أن داود لم يعامل شاول الملك بنفس معاملته.
شاول طارده من برية إلى أخرى، وحاول قتله مرارًا. ولما وقع في يد داود، لم يؤذه أبدًا. ولما طلب أصحاب داود منه أن يقتل شاول، رفض ذلك في روحانية ونبل. وقال “حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هَذَا الأَمْرَ بِسَيِّدِي بِمَسِيحِ الرَّبِّ، فَأَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هُوَ. فَوَبَّخَ دَاوُدُ رِجَالَهُ…” صموئيل الأول 24 : 6–7 .
وكانت نتيجة ذلك، أن شاول الملك القاسي، لما سمع بذلك، “رَفَعَ شَاوُلُ صَوْتَهُ وَبَكَى. ثُمَّ قَالَ لِدَاوُدَ: أَنْتَ أَبَرُّ مِنِّي لأَنَّكَ جَازَيْتَنِي خَيْرًا وَأَنَا جَازَيْتُكَ شَرًّا.” صموئيل الأول 24 : 16–17 .
ولم يكتف داود بهذا، وإنما لما قتل شاول ويوناثان في الحرب، رثاهما داود برثاء مؤثر وقال “شَاوُلُ وَيُونَاثَانُ الْمَحْبُوبَانِ وَالْحُلْوَانِ فِي حَيَاتِهِمَا لَمْ يَفْتَرِقَا فِي مَوْتِهِمَا. أَخَفُّ مِنَ النُّسُورِ وَأَشَدُّ مِنَ الأُسُودِ… كَيْفَ سَقَطَ الْجَبَابِرَةُ وَبَادَتْ آلاَتُ الْحَرْبِ” صموئيل الثاني 1 : 23–27 .
وأحسن داود إلى من تبقى من أولاد شاول… إلى أن قال “أَلاَ يُوجَدُ بَعْدُ أَحَدٌ لِبَيْتِ شَاوُلَ فَأَصْنَعَ مَعَهُ إِحْسَانَ اللَّهِ” صموئيل الثاني 9 : 3 .
لذلك عامل أنت العداوة بمحبة، كما قال ذهبي الفم.
” من لا توافقك صداقته، لا تتخذه لك عدوًا.
وإن وجدت أن أعداءك سيستغلون محبتك وتسامحك للإضرار بك والاستهانة بك. فعلى الأقل لا تجازهم عن شرّهم بشر كما قال الرسول أيضًا “لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ” رومية 12 : 21 .
هناك شخص يعامل الناس بوداعة ولطف، إلى أن يصيبه ضرر أو غدر منهم، فيتخلى عن وداعته، وينفجر في عنف. وينطبق عليه المثل القائل “اتقِ شر الحليم إذا غضب”. بينما هناك شخص آخر، لا تغيره معاملات الناس ولا تفقده نقاوته، ولا تجره إلى الانتقام. كالجبل الراسخ يقذفه البعض بالحجر، فلا يتأثر، ولا يؤذه الحجر بشيء …
- نقطة أخرى. وهي أنك يمكنك أن تكسب الناس بالتواضع.
الناس لا يحبون من يكلمهم من فوق، ولا من يعاملهم بعظمة أو تعال أو كبرياء. وما أجمل قول الشيوخ لرحبعام “إِنْ صِرْتَ الْيَوْمَ عَبْدًا لِهَذَا الشَّعْبِ وَخَدَمْتَهُمْ وَأَجَبْتَهُمْ وَكَلَّمْتَهُمْ كَلاَمًا حَسَنًا، يَكُونُونَ لَكَ عَبِيدًا كُلَّ الأَيَّامِ” الملوك الأول 12 : 7 ، ولكن لما ترك رحبعام مشورة الشيوخ، واتبع كلام الشباب، وكلّم الناس بعنف، انشقت المملكة، وتركه عشرة أسباط وبقي هذا الانشقاق طول الأيام …
داود النبي في أيام شبابه، حينما كان قائدًا في جيش شاول الملك، كان كل الناس يحبونه لأنه “كَانَ يَخْرُجُ وَيَدْخُلُ أَمَامَهُمْ” صموئيل الأول 18 : 16 . أي كان يختلط بهم في تواضع…
لذلك لا تكبر نفسك، مهما صرت كبيرًا …
مهما كبر مركزك المالي أو الاجتماعي أو الوظيفي.
أي لا تكبر أنت في عيني نفسك، ولا تعامل الناس في كبر. ولا ينطبق عليك قول الشاعر:
لما صديقي صار أهل الغني أيقنت أني قد فقدت صديقي
ماذا يفيدك إن خسرت الناس بعدم اتضاعك؟! ليتك تنصت إلى قول الكتاب “رَابِحُ النُّفُوسِ حَكِيمٌ” التثنية 11 : 30 .
نحن في الأصل تراب تافه هل سينسى أصله من قال إني
أسلك في اتضاع مع جميع الناس. ليس مع الكبار فقط بل أيضًا مع الصغار. مع الأطفال. مع من هم أقل منك في كل شيء.
عجيبة تلك الآية التي تقول “يُقَاوِمُ اللَّهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ” يعقوب 4 : 6 ، بطرس الأولى 5 : 5 .
” أَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً”… وقالت العذراء في تسبحتها “أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ” لوقا 1 : 52 .
كن متواضعًا. وأيضًا أخلط التواضع بالحكمة…
إن وجدت أنه سيحول المتعاملين معك إلى الاستهزاء أو اللامبالاة، أسلك في حكمة. واعرف أن الاتضاع لم يضرك. ربما الذي سبب لك ضررًا، هو أسلوبك في استخدام الاتضاع.
لهذا في كل تعاملك مع الناس، أسلك بحكمة.
بولس الرسول – لكي يربح الناس – سلك معهم بالأسلوب الذي يناسبهم، فقال:
“صِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ… وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ… لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا” كورنثوس الأولى 9 : 20–22 ، بل قال “فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ” كورنثوس الأولى 9 : 19–22 .
هناك إنسان تكسبه بالاتضاع، وآخر تكسبه بالحزم، وثالث تكسبه باللطف، ورابع تكسبه بالمديح أو بالكلمة الطيبة، وخامس تكسبه بالدفاع عنه أو بمساعدته ماديًا. وسادس تكسبه باحتماله. فاختر الأسلوب الذي يناسب من تتعامل معه لكي تكسبه.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “التعامل مع الناس”، نُشر بمجلة الكرازة 25 يوليو 1997م.



