التساهل مع الخطيـــــــة

قال السيد المسيح لملاك كنيسة أفسس “عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى” فما هي الأسباب التي تجعل الإنسان يفقد محبته الأولى؟
لعل من أولها: التساهل مع الخطية، بعدم التدقيق وعدم الجدية.
التساهل مع الخطيـــــــة
كثيرون يبدأون مع الله بداية طيبة، مشتعلة بالحب، ولكنهم لا يستمرون، وتبرد فيهم هذه المحبة الأولى. فما السبب؟
من ضمن الأسباب البارزة: التساهل مع الخطية ومع النفس…
هناك أشخاص في منتهى الحزم لا يتساهلون مع أنفسهم.
لهم رقابة شديدة على أنفسهم، رقابة على كل فكر، على كل شعور، على كل حس، على كل تصرف، على كل لفظ …
أحيانًا يبدأ الإنسان بهذا الحزم، في أولى علاقته مع الله ولكنه بعد حين يتساهل. يسمح لأشياء تدخل إلى نفسه، وهذه الأشياء تكبر، ويبحث عن روحياته فلا يجدها.
الإنسان الروحي لا يتساهل، حتى مع الأشياء التي تبدو بسيطة.
إن الذي يحترس من الأشياء الصغيرة، لا يقع في الكبائر.
قالت القديسة سارة في النسك “إن فمًا تمنع عنه الماء، لا يطلب خمرًا. وبطنًا تمنع عنها الخبز، لا تطلب لحمًا”…
يحتاج الإنسان أن يكون مدققًا جدًا في كل تصرف لا يوسع ضميره، ويقول: هذا الأمر بسيط، ولا تأثير له…
كثيرون سقطوا نتيجة للتساهل وعدم التدقيق، كما في سفر القضاة
يحكى لنا هذا السفر، كيف أن بني إسرائيل وقعوا في عبادة الأصنام، وعبدوا آلهة الأمم، وعبدوا ملوك الأمم، وأسلمهم الرب إلى أيدي أعدائهم فأذلوهم. فكيف حدث هذا؟
نبحث عن سبب هذا السقوط وهذا الذل، فنجد أنهم لما دخلوا الأرض، استبقوا بعض الكنعانيين فيها. مجرد إهمال، أو تساهل، أو رغبة في فائدة معينة…
ثم اختلطوا بهم، وزادت الصلة، وتزاوجوا منهم… وتطور الأمر إلى أنهم عبدوا آلهتهم… وكل هذه المشكلة سببها التساهل في الاختلاط بالأمم!
لا تظنوا أن الشيطان عندما يوقع الناس، يبدأ بضربة قاضية: كلا، بل قد يبدأ بشيء بسيط، ثم يتدرج به…
قال عنه أحد الآباء إنه “فتال حبال” وحباله طويلة إلى أبعد الحدود. قد يرسم خطة لعشرة سنوات، يسقط فيها إنسانًا بعد هذه المدة، بسياسة بعيدة المدى سياسة التدرج والنفس الطويل، بطريقة قد تبدو غير محسوسة…!
كثير من السرقات الروحية، تأتي بالتدرج البطيء، الذي لا يحس
إن الهبوط المفاجئ، الشديد، يتنبه له الإنسان. ولكنه قد لا يشعر بالنزول التدريجي البطيء، فتسرقه خطة للشيطان.
لهذا ما أجمل قول الكتاب في سفر نشيد الأناشيد:
“خذوا لنا الثعالب، الثعالب الصغيرة، المفسدة للكروم”…
إن الثعلب الكبير الماكر قد يلفت نظرك، وقد يقتحم أسوارك بصعوبة، أما الثعالب الصغيرة، فإنها قد تجد لها مدخلًا إليك، من أي ثقب بسيط داخل نفسك لست ملتفتًا إليه.
في حديث مار اسحق، عن خشوع الجسد واحتشامه، قال إن الذي يحتشم فيما بينه وبين نفسه، في حجرته المغلقة حيث لا يراه أحد، من الصعب أن يفقد احتشامه أمام الناس.
نعم، إن المدقق في القليل، لا يمكن أن يقع في الكبائر.
الأمين في القليل، يمكن أن يقيمه الله على الكثير، فلا يسقط.
قد تتساهل مع الفكر، تقبله، تناقشه. ثم يتمكن منك، فتحاول أن تتخلص منه ولا تستطيع، لأنه ثبت أقدامه داخلك بتساهلك. ولا شك أنك كنت تقوى عليه في بادئ الأمر.
كثيرون سقطوا، لأنهم وقعوا فيما نسميه بالصحو المتأخر.
أي أنهم لم يستيقظوا لأنفسهم ويعرفوا حالتهم إلا متأخرين، بعد أن تمكنت الخطية منهم. وسنضرب لذلك أمثلة:
لنأخذ مثال لوط، وكيف صحا متأخرًا جدًا، فسقط كثيرًا …
بدأت خطة الشيطان بفصله عن أبينا ابراهيم، عن القدوة الصالحة، عن رجل الله،
وعن المذبح والإرشاد الإلهي. وتساهل لوط في هذه النقطة، ووافق أن يسكن بعيدًا ثم وافق أن يختار لنفسه. وفي الاختيار سقط في محبة الأرض المعشبة، وهكذا اختار سدوم على الرغم من فسادها…
وفي سكنى سدوم، تدرج أيضًا: فلم يدخل في أعماقها مرة واحدة. ولكنه ما لبث أن اختلط بأهلها، ثم تزاوج معهم. ووقع معهم في السبي ولم يستيقظ ضميره. وظل في المدينة. وكان الرجل البار يعذب نفسه يومًا يومًا في الاختلاط بهؤلاء الأشرار.
وأخيرًا متى صحا؟ عندما جاءه الملاكان ينذرانه بهلاك المدينة وخرج منها.
وقد فقد كل ما كان له، حتى زوجته… كان لوط درسًا. فلنأخذ مثالًا لتدقيق القديسين، من قول الكتاب:
“كل كلمة بطالة تخرج من أفواهكم، تعطون عنها حسابًا في يوم الدين” .
لم يفهم القديسون عبارة (الكلمة البطالة) على أنها الكلمة الشريرة مثل الكذب والشتيمة والتجديف والإدانة، وإنما فهموا الكلمة البطالة، على أنها كل كلمة ليست للمنفعة، ليست للبنيان، لا تبني نفس السامع، ولاتبني الملكوت… وهكذا صمتوا، لا يتكلمون إلا بحساب، حينما يرون أن كلامهم سيكون للبنيان… الروحي.
لا شك أن الذي يدقق في كلامه، بحيث لا يلفظ إلا بكلام نافع روحيًا، ليس من السهل أن يلفظ بكلمة شريرة…
نأخذ مثالًا آخر للسقوط التدريجي، هو شمشون الجبار.
إنه رجل الله، الذي حل عليه روح الرب. كان يسكن في أورشليم، وتساهل في أن يذهب منها أحيانًا إلى غزة. وفي غزة وجد لذة لنفسه، فكثر تردده عليها، وأقام، واتخذ له امرأة. ثم تدرجت علاقاته الخاطئة، إلى أن تعرف أخيرًا على دليلة، وتدرج معها، حتى باح لها أخيرًا بسره، وبنذره، وسقط السقوط الأكبر الخطير.
ومتى صحا لنفسه؟ أخيرًا… بعد أن فقد بصره، وأذله أعداؤه، وطلب إلى الرب أن تموت نفسه معهم…!
إن التدقيق هام جدًا، نرى له مثالًا في وصية الرب:
“إن أعثرتك عينك فأقلعها وألقها عنك. وإن أعثرتك يدك اليمنى. فإقطعها…” إلى هذا الحد، طلب الرب منا أن ندقق. يعقوب أبو الآباء تساهل في غلطة، تحولت عنده إلى طبع.
تساهل مع نفسه، في استخدام الحكمة البشرية، بدلًا من مشيئة الله. فاعتمد على ذكائه الخاص ودهائه. وجلب لنفسه الويل.
استخدم ذكاءه وحيلته لما وجد أخاه جائعًا ويطلب منه طعامًا، فاتخذها فرصة لأن يشترى بكوريته. ثم استخدم أيضًا الحيلة والعمل البشري لما خدع أباه وأخذ البركة. واستخدم نفس الأسلوب في الاستيلاء على غنم خاله لا بان. واستخدم الفكر البشري في النجاة من أخيه عيسو. وصار هذا الأمر طبعًا تطبع به. وقد أدبه الرب بأن أذاقه من نفس الكأس، فسمح أن يخدعه خاله في تزويجه من ليئة، وأن يخدعه أبناؤه في قولهم له إن يوسف قد افترسه وحش رديء.
إن يعقوب لم يترك تصريف أموره لله منذ البدء، وتساهل في استخدام الحيل البشرية. حتى تمكن منه هذا الطبع.
وكثيرون وقعوا في نفس الخطية، تركوا الوصية جانبا، ولجأوا إلى الحكمة البشرية والذكاء الخاص، لعلهم يصلون بهذا!
من أمثلة التساهل مع الخطية، التساهل مع الأفكار …
فبينما يقول بولس الرسول “مستأثرين كل فكر إلى طاعة المسيح”، نجد إنسانًا يتساهل مع الفكر، فيتحول إلى شعور. ويتساهل مع الشعور، فيتحول إلى شهوة.
ويتساهل مع الشهوة فتحاول أن تجد منفذًا إلى الخارج تعبر به عن ذاتها بأشياء عملية. وإن تساهل مع هذه الأشياء العملية، تتدرج به خطوة خطوة، حتى تقلع كل روحياته من جذورها…!
كيف سقط الانسان الاول؟ سقط بالتساهل مع الخطية.
تساهل لنفسه أن يجلس إلى الحية ويسمع منها كلامًا ضد الوصية، فقاده إلى الإغراء، ثم إلى الضعف فالسقوط.
لم تكن حواء حازمة مع الفكر الخاطئ الذي قدمته الحية. إنما قبلته، وناقشته ثم استسلمت له وانتصر عليها الفكر… ثم تطورت إلى خطايا أخرى كثيرة، وفقدت بساطتها ونقاوتها…
كلما يتساهل الإنسان مع الخطية، على هذا القدر تضعف إرادته، وتفتر محبته. ويقل احتراسه، ويفقد صلابته..
إنك تكون في ملء قوتك في بداية الحرب الروحية، وكلما تتساهل تضعف، وتجد أن مقاومتك قد قلت، وتجد أن تأثير الخطية قد زاد عليك. وعندما تحاول الهروب، تجد عقبات في داخلك، وتقع في صراع، ويبدأ الجو يرتبك معك.
سبب ضعفك عندما تتساهل مع الخطية، هو وقوعك في الخيانة، وبخيانتك لله ومحبته، وبخيانتك لعهودك الروحية، تتنازل عن النعمة المعطاة لك، وترفض السلاح الروحي، بل تطفئ الروح، وتحزن روح الله القدوس الذي فيك… وتنهار فتسقط.
وعندما تتساهل مع الخطية، تضعف مثالياتك، وتهبط مستوياتك الروحية
وتنسى الحزم الذي قال به يوسف “كيف أخطئ وأفعل هذا الشر العظيم أمام الله”؟!
وبتساهلك مع الخطية: تفقد هيبتك الروحية أمام الشياطين…
الشيطان يخاف أولاد الله الحقيقيين، لأنهم صورة الله ومثاله، ولأنهم هيكل للروح القدس، ولأن الله يعمل فيهم ونعمته معهم لهذا كان الشيطان يهرب خائفًا أمام
القديسين… لما نفي القديس الأنبا مقاريوس إلى جزيرة فيلا، فحالما رآه شيطان كان على ابنة كاهن الأصنام، صرخ الشيطان قائلًا “ويلاه منك يا مقار. تركنا لك البرية، فجئت إلى هذه الجزيرة لتطردنا منها أيضًا” …
وقصص خوف الشيطان من القديسين كثيرة جدًا، وأمثلتها عديدة.
ولكنه يجس نبض المؤمن العادي، ويختبره: من أي نوع هو: فإن وجده متراخيًا أمامه، ويقبل أفكاره، ويفتح له أبوابه، ويخون الرب بسببه، حينئذ تسقط هيبة هذا الإنسان، ويلعب به الشيطان!
وإذ يسلم الإنسان نفسه للشيطان. إنما يبعد عنه الملائكة التي تحرسه، ويرفض العمل الإلهي فيه لذلك ابعد عن الخطوة الأولى. كن حازمًا، واسلك بتدقيق، لا تسمح للشيطان أن يجرك ولو خطوة واحدة. كن مدينة محصنة، وسورًا من حديد، يحاربونك ولا يقدرون عليك.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الرابع والأربعون) 4-11-1977م



