التجارب وفوائدها

ونحن في نهاية فترة الأربعين المقدسة، نذكر تجربة السيد المسيح على الجبل، وباقي تجاربه. ونحاول أن نأخذ من تجربة الرب تأملات نافعة لحياتنا.
فما هي التجارب؟ ولماذا سمح الله بها؟ وما فائدتها؟ وما شروطها؟
في تجربة السيد المسيح، تعزية لنا.. إذ نرى أنه حتى المسيح كان مجرباً.. بل يقول الكتاب إنه “كان مجرباً مثلنا في كل شيء بلا خطية” ( العبرانيين 4 : 15 ).
إذن فالتجارب والضيقات ليست دليلًا على تخلي الله عن الإنسان.
فممكن أن الابن الوحيد، الحبيب الكائن في حضن الآب، يكون هو أيضًا عرضة للتجارب والضيقات، ومجربًا في كل شيء..
ولم يكن فقط مجربًا في كل شيء، بل أيضًا في كل مكان:
أصعد إلى البرية ليجرب من إبليس، وجرب على جبل عال، وفي المدينة المقدسة، وعلى جناح الهيكل… وعلى الصليب.
إذن، من الممكن أن تأتي التجربة في مكان مقدس..
على جناح الهيكل، كما حدث للسيد المسيح. وفي الفردوس، كما حدث لآدم وحواء… إذن وجود الإنسان في الفردوس، لا يمنع التجربة. ووجوده على جناح الهيكل، لا يمنع التجربة..
ويمكن أن تكون التجربة في أوقات مقدسة..
السيد المسيح أتته التجربة في فترة الصوم وهي فترة مقدسة، وفي فترة خلوة، كان فيها مختليًا مع الآب في صلوات وتأملات.. وحدوث التجارب في أوقات مقدسة، لا يحمل معنى التخلي.
إنما للتجارب التي يسمح بها الله شروط، وشرطها الأول انه “لا يجربكم فوق ما تطيقون” ( كورنثوس الأولى 10 : 13 ).
لا يجربكم فوق احتمالكم. التجارب الشديدة الصعبة، أعطاها الله لأشخاص أقوياء يعلم تمامًا أنهم يحتملون… مثل أيوب الصديق… ومثل ابراهيم أبى الآباء.. يعلم أنهما يحتملان…
الشرط الثاني: أن التجربة معها المنفذ… معها الحل… التجربة موجودة. وأيضًا نعمة الله ومعونته موجودة أيضًا.
الإنسان لا يقف في التجربة وحده.. هناك قوى كثيرة محيطة به: الملائكة، وأرواح القديسين، وروح الله القدوس نفسه، ونعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله الآب.
من مميزات التجارب التي يسمح بها الله، أنها كلها للخير:
السيدة العذراء أم المخلص، أقدس امرأة في الوجود، جربت هي أيضًا: عاشت في مرارة قلب، واجتاز في قلبها سيف، وأُحيطت أحيانًا بالشكوك، وأحيانًا بالفقر والتعب، وعاشت في يتم، وتغربت وجاءت إلى مصر.
كون العذراء ممتلئة نعمة. لم يمنع عنها التجارب.. وكونها أطهر قديسة، لم يمنع عنها التجارب. بل كونها أم المخلص، لم يمنع عنها التجارب… إن التجارب ليست لونًا من التخلي، بل هي بركة. المهم أن الإنسان لا تهزه التجربة، بل يستفيد منها..
إذا حلت بك تجربة خذ النعمة التي فيها، وأصمد أمامها، وجرب حياة الانتصار، واختبر المعونة الإلهية. حينئذ تصير لك التجربة ذكريات روحية، تملأ قلبك فرحًا.
في غالبية الأوقات يعطي الله النعم والبركات عن طريق التجارب:
أحياناً تلمس الله في التجارب، وتتمتع ببركاته ومواهبه.. من أمثلة هذا، ما قاله معلمنا مار يوحنا الانجيلي: “أنا يوحنا أخوكم، وشريككم في الضيقة، وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره، كنت في الجزيرة التي تدعى بطمس.. كنت في الروح، في يوم الرب” ( الرؤيا 1 : 9–10 )
في الضيقة، وفي المنفى، في تلك الجزيرة النائية، كان يوحنا في الروح، وأعطى أعظم رؤيا، ورأى الرب وملكوته وعرشه…
في تلك الضيقة أعلنت له أسرار الله، وعرف ما هو عتيد أن يكون، ورأى أمورًا تتعلق بالأبدية، وبالطغمات السمائية، وبعرش الله وما يحيطه من أجناد سمائيين..
وكثير من القديسين اختبروا عمق النعمة، وهم في ساحات الاستشهاد، أو في السجون وفي المطابق، وفي شتى العذابات..
بل أن الوحي الإلهي، كان يرافق القديسين في الضيقات:
بولس الرسول كتب رسالته إلى أفسس وهو في السجن (أسير في الحرب). ورسائل أخرى كتبها أيضاً في السجن..
في الضيقات، جربوا المعونة الإلهية، ورأوا الرب ولمسوه..
ولما كانوا شركاء في الألم، صاروا شركاء في المجد..
“إن كنا نتألم معه، نتمجد أيضًا معه” … إن كنت تموت مع المسيح، ستقوم مع المسيح.. إن مشيت في طريق الجلجثة وفي طريق الصليب، ستصل حتمًا إلى أمجاد القيامة..
“أحسبوه كل فرح يا أخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة”
حينما تقع في تجربة، قل: المسيح أيضًا جرب، وكذلك العذراء، وكذلك يوحنا الحبيب اتكأ على صدر المسيح، القديس أثناسيوس أكثر من دافع عن لاهوت المسيح، عاش حياة كلها ضيقة، ونفي مرات عن كرسيه، وحكمت عليه مجامع، وأتهمته اتهامات باطلة ورديئة..
الضيقة لها بركاتها، ولها نعمها، لكل من يصبر ويأخذ..
أتريد أن تنال بركة؟ أدخل في الضيقة. أتريد أن تلمس وتدخل المسيح في حياتك؟ وتختبر الحياة الروحية في عمقها؟ أدخل في الضيقة.
في إحدى المرات، عاش الأنبا بولا البسيط مع القديس الأنبا أنطونيوس، تحت ظل صلواته. وإذا بالقديس أنطونيوس يقول له: “اذهب وأسكن وحدك، لتختبر حروب الشياطين”.
وفي التجارب أختبر الأنبا بولا البسيط أعماق الحياة الروحية.
جرب النعمة وهي تدخل إلى حياته. الشياطين تهزه، والنعمة تسنده. تنتشله يد الله، فيشعر ببركة يد الله في حياته.
“بضيقات كثيرة، ينبغي أن نرث ملكوت السموات”.
“من أراد أن يتبعني، فليحمل صليبه، فليجرب التعب والمرارة، لكي ينال بركتها”.. ما أجمل تلك العبارة الوحيدة التي وردت في بستان الرهبان عن أنبا بولا السائح حينما قال:
“من هرب من الضيقة، فقد هرب من الله”…
أحيانًا نهرب من الضيقة. فإن أحاطت بنا، ولم نستطع الهروب، نتذمر، ونتضجر، ونتعب، ونشكو، ونسخط، ونتألم، ونعاقب.
إن الذي يتذمر من الضيقة، يفقد بركتها، ولا يأخذ منها إلا تعبها. لذلك إن حلت بك ضيقة، اقبلها بفرح ورضى وشكر. واقبلها في رجاء أن الله سيتدخل..
أعرف أنك ستأخذ من التجربة بركة، وخبرة، ومنفعة في حياتك.. ولهذا كان أولاد الله لا يهربون من الضيقات، بل كانوا يسعون إليها. كانوا يلقون أنفسهم في الضيقات، ويجدون في ذلك لذة… الضيقة لا تملأهم ضجرًا بل شكرًا..
أن الكتاب يقول: “الذي يحبه الرب يؤدبه”…
إبراهيم أبو الآباء، وموسى كليم الله، كانا من أحباء الرب، ومع ذلك لم يمنع عنهما التجارب..
إن كنا نشكو من الضيقات، لا نأخذ إلا تعبها دون بركتها.. لأننا ننظر إليها بمنظار أسود، يرى الشوك المحيط بالوردة، دون أن يستنشق عبيرها.
بعض من القديسين كانوا إذا حلت بهم ضيقة، يقول الواحد منهم (هذه من أجل خطاياي)، ويأخذ منها بركة وتوبة وانسحاقًا، كما فعل داود النبي والأنبا أبرام السرياني..
نحن قد نُجرب بسبب خطايانا، أما السيد المسيح، فكان قدوسًا لا تتفق الخطية مع طبعه.. وسمح للشيطان أن يجربه.
عجيب هذا، أن يسمح الرب للشيطان أن يجربه!
يمنح مبدأ تكافؤ الفرص، حتى للشيطان… يسمح له أن يقترب إليه، وأن يأخذه إلى جبل عال، وأن يوقفه على جناح الهيكل، ويجرؤه حتى يطلب منه الشيطان أن يخر ويسجد له..
إن المسيح لم يجرب من ضعف، لأنه لما تجاوز الشيطان حدوده، أنتهره الرب قائلًا: “أذهب يا شيطان”. فذهب لتوه.
سمح الرب للشيطان أن يجربه، حتى لا يدعى قائلًا: “لو حاربته لهزمته”!! وأعطانا الرب بتجربته مثالاً للانتصار في حروب الشياطين، وطريق هذا الانتصار..
واستمرت حروب الشيطان مع المسيح طول الوقت، حتى وهو على الصليب، قيل: “إن كنت ابن الله، فانزل من على الصليب”.
قصة السيد المسيح على الأرض، كلها قصة صليب.. منذ أن أخلى ذاته وأخذ شكل العبد، ومنذ أن ولد في مذود بقر، وهرب إلى مصر.. إلى أن سُمر على خشبة في الجلجثة…
كان الصليب أمام عينيه باستمرار، لم يبعد عنه مطلقًا…
ينفعنا هذا الكلام، ونحن مقبلون على أسبوع الآلام، لكي تكون لنا شركة في آلام المسيح.. “فنعرفه، وشركة آلامه”.
إن بولس الرسول، إذ يعلن بركة التجارب بقوله: “لذلك أسر بالضيقات وبالضرورات” بولس الذي أُعطيَّ شوكة في الجسد، بركة له ونعمة. وعلى رأي أحد القديسين:
كانت صحة بولس وقوته لازمة للكرازة والتبشير وخدمة الكلمة، ولكن الله أعطاه شوكة في الجسد، لأن تلك الضربة كانت نافعة لروحياته، ولو تعطلت الكرازة قليلًا…
ارفع يا رب عني هذه الشوكة، وأعطني صحة أخدمك بها. فيقول له: بل أعطيك هذه الضربة، فهي أنفع لك، لئلا ترتفع من فرط الاستعلانات… وبالمثل أعطى الرب ضربة ليعقوب…
أن نعد أنفسنا الآن لأسبوع الآلام.. فلنعددها بمحبة الألم، وبشركة الألم، فدربوا أنفسكم في هذا الأسبوع، كيف تدخلون في حياتكم شركة الآلام؟ وكيف تستفيدون من ذلك؟
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثالث عشر) 1-4-1977م



