الأمور المختصة بملكوت الله

في فترة الأربعين يومًا، كان السيد المسيح مع تلاميذه، يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله ( أعمال الرسل 1 : 3 ).
ونود أن نتأمل معًا في هذه الليلة عن (الأمور المختصة بملكوت الله).
جميل أن السيد المسيح كان يتحدث عن هذه الأمور الروحية…
لكي نأخذ تعليمًا أن نتكلم في الأمور المختصة بالملكوت.
كأي أحاديث روحية بناءة، مثل حديث القديسة مريم مع القديسة اليصابات، ومثل اللقاء بين الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا…
الحديث الروحي يبني المتكلم والسامع معًا.. في الملكوت.
مثلما قال الكتاب “شفة الصديق ينبوع حياة”. أما غير الروحيين فأحاديثهم هدامة، وفى الأقل مضيعة للوقت…
من الأحاديث البناءة، زيارة الناس للقديسين يطلبون منهم كلمة منفعة لتبنيهم،
فإن جلسوا معهم كانت رغبة المتكلم والسامع كليهما التحدث في الأمور المختصة بملكوت الله. يجدان فيها لذة وتعزية ومنفعة. ويشعران بحضور الله أثناءها..
وهكذا كان هذا عمل الرسل والأنبياء والكارزين والمعلمين والمرشدين الروحيين والآباء الكهنة، أن يحدثوا الناس في الأمور المختصة بملكوت الله.
كما قال بولس الرسول “نسعى كسفراء للمسيح، كأن الله يعظ بنا، ننادى أن اصطلحوا مع الله”..
هذا الذي قاله المسيح لتلاميذه، هو الذي بشروا به، إذ لم تكن هناك أناجيل مكتوبة وقتذاك، إنما عاشوا بالتسليم.
أول انجيل كتب، إنجيل مارمرقس، ربما يكون قد كتب بعد حوالي عشرين سنة. كيف كان الناس إذن يعيشون؟ ومن أي مصدر استقوا التعليم؟
لا شك من كلمات المسيح الشفاهية، من أحاديثه عن الأمور المختصة بملكوت الله…
وما كان الرسل يكتبون وقتذاك، بل كانوا يبشرون…
وما سمعوه من المسيح، لم يكتبوه كله، وإنما علموه لغيرهم شفاهًا. كما قال القديس يوحنا الحبيب: “إذ كان لي كثير لأكتب إليكم،
لم أرد أن يكون بورق وحبر، لأني أرجو أن آتى إليكم، وأتكلم فمًا لفم، لكي يكون فرحنا كاملًا” (2يو12).
هذا الكلام فمًا لفم، سلمه لهم ليسلموه لغيرهم، بدون كتابة. وكان فرحه كاملًا بالتسليم..
ونفس الأسلوب قاله في رسالته إلى غايس (3يو13).
وبالمثل نرى بولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس ” وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا” ( تيموثاوس الثانية 2 : 2 ).
هذا التسليم الرسولي، هو في أصله تسليم إلهي…
أخذه الرسل من حديث الرب لهم عن الأمور المختصة بملكوت الله. ومع أن بولس لم يكن من الإثنى عشر،
إلا أنه بنفس القاعدة قال لأهل كورنثوس ” لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا.” ( كورنثوس الأولى 11 : 23 ).
ثم شرح لهم سر الإفخارستيا وشروطه كما تسلمه من الرب…
ولا شك أن حديث الرب الخاص مع القادة (أي الرسل)، هو غير ما يقوله لعامة الناس…
ولا شك أنه في تلك الفترة سلمهم كل العقائد والطقوس والأسرار وقواعد الإيمان.
وتسلم الناس كل هذا عن طريق التقليد، بلا أناجيل مكتوبة، تسلموها فمًا لفم، وعاشوا بها.
وكانت طريقة الله منذ البدء أن يكتب شريعته على قلوب الناس، قبل كتابتها في كتب…
سواء في العهد القديم أو العهد الجديد وبالمثل جلس السيد المسيح مع تلاميذه ويحدثهم، بدلًا من أن يترك لهم كتابًا…
فما هي هذه الأمور المختصة بالملكوت، التي حدثهم عنها؟ لا شك أن أسرار الكنيسة كانت من بينها…
ألم يقل قبلًا لنيقوديموس ” إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ. ” ( يوحنا 3 : 5 ).
إذن الحديث عن المعمودية هو ضمن الأمور المختصة بملكوت الله، لا يمكن فصل المعمودية عن ملكوت الله..
وبالمثل لا يمكن أن يدخل أحد الملكوت بدون عمل الروح القدس فيه. وبهذا يكون سر المسحة المقدسة (الميرون) من الأمور المختصة بملكوت الله…
أيضًا لا يمكن أن يرث أحد الملكوت بدون سر التوبة… وهكذا مع باقي أسرار الكنيسة، ومع سر الكهنوت بالذات خادم الأسرار جميعها.
إذن في هذه الفترة سلم السيد المسيح لتلاميذه الأمور المختصة بأسرار الكنيسة، كما شرح بولس عن سر الإفخارستيا (1كو11) ولعله شرح لهم طقوسها وشروطها وعمل الروح فيها. وماذا أيضًا؟
من الأمور المختصة بالملكوت أيضًا، الكرازة والتعليم..
ولهذا ” قَالَ لَهُمُ: «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ. ” ( مرقس 16 : 15-16 ).
وقال لهم كذلك ” فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. ” ( متى 28 : 19-20 )..
ويثبت من هذين النصين، أنه كلمهم في الأربعين يومًا، عن الكرازة، وعن المعمودية، إذن فكلاهما من الأمور المختصة بملكوت الله..
لهذا واظب الرسل على “الصلاة وخدمة الكلمة” ( أعمال الرسل 6 : 4 ) أي الأسرار والتعليم… فما دام الإيمان يلزم للملكوت “كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز؟” ( رومية 10 : 14 ).
وصار التعليم عملًا حيويًا، يقول عنه بولس الرسول “إذ استؤمنت على وكالة، فقول لي إن كنت لا أبشر”.
ويقول لتلميذه تيموثاوس “لاحظ نفسك والتعليم، وداوم على ذلك. فإنك إن فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضًا”.
إن التعليم (الكلمة) يقود إلى الإيمان. والإيمان يوصل إلى المعمودية. ومن آمن واعتمد خلص”… هكذا الملكوت.
وأصبحت الكلمة هي شهادة للرب، الذي قال “وتكونون لي شهودًا” ( أعمال الرسل 1 : 8 ).
لذلك بعد صعوده “بقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة… ونعمة عظيمة كانت على جميعهم ( أعمال الرسل 4 : 33 ).
وكانوا لا يستطيعون أن يسكتوا. بل أنهم “ملأوا أورشليم بتعليمهم” ( أعمال الرسل 5 : 28 ).
ومن الأمور المختصة بملكوت الله، التي حدثهم الرب عنها، علاقتهم بالروح القدس، وعمل الروح القدس فيهم..
لقد كان مزمعًا أن يرسل لهم الروح القدس بعد صعوده، لذلك كان لزامًا أن يحدثهم عن الروح القدس، الناطق في الأنبياء، الذين يتكلم على أفواههم،
كما قال لهم “لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم”.. الروح القدس العامل في كل أسرار الكنيسة…
الروح القدس الذي سيعطيهم قوة كما قال لهم ” لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا ” ( أعمال الرسل 1 : 8 ).
وفى فترة الأربعين يومًا، سلمهم الكهنوت، وعمل الروح القدس فيه، وسلطان الحل والربط. إذ الكهنوت من الأمور المختصة بالملكوت.
وهكذا يقول الكتاب إنه نفخ في وجهوههم، وقال لهم “. اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ ” ( يوحنا 20 : 22-23 ).
وفي الأربعين يومًا، سلم لهم أيضًا صليب الخدمة.
شرح لهم ما سوف يصادفهم من ضيقات. كما شرح لبطرس الرسول أية ميتة سيموت بها ( يوحنا 21 : 19 ).
وكان قد سبق أن قال لهم إنهم سيقدمون إلى محاكم وإلى قضاة.
لذلك لما صادف الرسل اضطهادات فيما بعد، لم يبالوا، لأنه سبق فقال لهم.
وهكذا كان الرب يعدهم بكل الطرق للخدمة المقبلة.
على أن الخدمة ليست كلها صليبًا، وإنما فيها أيضًا معونة وقوة. ولذلك فإن الرب في الأربعين يومًا،
حدث التلاميذ عن القوة التي سينالونها، وما سوف يعطيهم الروح من معجزات وآيات.
فلما كلمهم عن الكرازة والعماد، حدثهم أيضًا عن المعجزات.
فقال لهم ” وَهَذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ: يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِي، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ. يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ،
وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئًا مُمِيتًا لَا يَضُرُّهُمْ، وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُونَ ” ( مرقس 16 : 17-18 ) هذه هي فترة الأربعين المقدسة،
فترة مكوث الرب مع تلاميذه، يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله..
فما هو موقفنا نحن من أمور الملكوت هذه؟
هل نحن نجلس مع المسيح، لكي يحدثنا عن الأمور المختصة بملكوت الله؟ هل نذهب إلي حيث هو، لكي نراه فيحدثنا،
كما طلب من تلاميذه أن يمضوا إلى الجليل قائلًا “هناك يرونني” فمضوا والتقوا به…
هل نحن نعد أنفسنا للخدمة، لكي نبني الملكوت مثلهم؟ إن لم يكن على مستوى الكنيسة، فعلى مستوى الأسرة أو الأصدقاء،
أو على أقل القليل نبني ملكوت الله داخل أنفسنا، لكي نتدرب على بنيانه أيضًا خارجنا…
ها نحن نتدرب على حياة الشركة مع الروح القدس مثلهم؟ لأننا بدون الروح لا نستطيع أن نعمل شيئًا…
وهل نواظب على الأسرار المقدسة التي يعمل فيها الروح، وعلى باقي وسائط النعمة التي هي الأمور المختصة بالملكوت؟
وهل نحن نتدرب على حمل الصليب، كشيء هام من الأمور المختصة بالملكوت، بل هو علامة مميزة…
ليتنا ندخل في روح هذه الفترة نعيشها.
وليتنا نفحص كل أمورنا، ونرى هل هي مختصة بالملكوت؟ ونفحص أنفسنا، لئلا نكون متمسكين بالأمور المختصة بالعالم أو بالجسد والمادة،
فنحرم أنفسنا من الجلوس مع المسيح في الأربعين المقدسة.
إن التصاقنا بالملكوت وأموره، يحتاج منا اقتناعا قلبيًا بأهمية هذا الملكوت بالنسبة إلي أبديتنا وبالنسبة إلى خلاص الناس أيضًا…
إن وصلنا إلى هذا الاقتناع، ستلتهب قلوبنا بالغيرة المقدسة وبمحبة الله، فنهتم بالأمور المختصة بالملكوت.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة (العدد الحادي والعشرون) 25-5-1979م


