الأعياد لماذا؟ ومنذ متى؟

لماذا؟ ومنذ متى؟ وكيف نستفيد منها روحيًا؟
الأعياد ترتيب إلهي، في كتابه المقدس
يريد الله أن يفرح أولاده على الأرض. فجعل لهم أعيادًا يفرحون فيها ويبتهجون. وتكون لهم مواسم يحتفلون بها. لئلا يظن البعض هو مجرد حزن وكآبة وبكاء على الخطايا.
فالله يريد للإنسان أن يفرح وأن يكون سعيدًا. وإلا ما كان وضعه في جنة حينما خلقه ( تكوين 2 : 15 ).
وأول قائمة للأعياد، وردت في سفر اللاويين (لا 23). وأول عيد أمر به الله، كان يوم الرب
وهكذا ورد في اللوح الأول للشريعة “اذكر يوم الرب لتقدسه ستة أيام تعمل، وتصنع جميع عملك،
وأمّا اليومُ السّابِعُ ففيهِ سبتٌ للرَّبِّ إلهِكَ. لا تصنَعْ عَمَلًا مّا أنتَ وابنُكَ وابنَتُكَ وعَبدُكَ وأمَتُكَ وبَهيمَتُكَ ونَزيلُكَ الّذي داخِلَ أبوابِكَ.( الخروج 20 : 10 ) .
“لكي يستريح عبدك مثلك. واذكر أنك كنت عبدًا في أرض مصر…” ( التثنية 5 : 14-15 ).
وكان يوم السبت هو أول الأعياد في قائمة سفر اللاويين: إذ يقول فيها الرب: “هذه هي مواسمي: ستة أيام يعمل عمل.
وأمّا اليومُ السّابِعُ ففيهِ سبتُ عُطلَةٍ مَحفَلٌ مُقَدَّسٌ. عَمَلًا مّا لا تعمَلوا. إنَّهُ سبتٌ للرَّبِّ في جميعِ مَساكِنِكُمْ. ( اللاويين 23 : 3 ).
ولم يكن السبت مجرد فرض، وإنما راحة للإنسان وعيد. ثُمَّ قالَ لهُمُ: السَّبتُ إنَّما جُعِلَ لأجلِ الإنسانِ، لا الإنسانُ لأجلِ السَّبتِ ( مرقس 2 : 27 ).
فلماذا؟ قال أحد المفسرين: إن الله قد خلق الطبيعة البشرية، يعرف أن هذه تحتاج إلى يوم راحة في الأسبوع. فمنحها السبت راحة في الأسبوع… عيدًا تفرح فيه…
والذين ينهكون أنفسهم في عمل متواصل طوال الأسابيع، إنما يحملون طبيعتهم ما لا تحتمل…
وقد استبدل السبت بالأحد، فأصبح الأحد عيدًا لأن فيه استراح الرب من إكمال عمله بالفداء والقضاء على الموت الذي هو نتيجة خطية الإنسان ( رومية 6 : 23 )،
فكان السبت يرمز إلى يوم الأحد. أو أصبح الأحد هو السبت الحقيقي، هو يوم الرب كما يسمونه في اليونانية (كيرياكي) أي الخاص بالرب…
وهكذا قال الرسول ” فلا يَحكُمْ علَيكُمْ أحَدٌفي أكلٍأو شُربٍ، أو مِنْ جِهَةِ عيدٍ أو هِلالٍ أو سبتٍ، التي هي ظل الأمور العتيدة” ( كولوسي 2 : 16 ).
إذن السبت كان ظلًا أو رمزًا للأحد … على أن أول عيد احتفلوا به في العهد القديم كان عيد الفصح الذي ذبحوا فيه خروف الفصح.
ولطخوا أبوابهم بدمه لكي ينجو من الملاك المهلك، ويكونُ لكُمُ الدَّمُ عَلامَةً علَى البُيوتِ الّتي أنتُمْ فيها، فأرَى الدَّمَ وأعبُرُ عنكُمْ، فلا يكونُ علَيكُمْ ضَربَةٌ للهَلاكِ حينَ أضرِبُ أرضَ مِصرَ.( الخروج 12 : 13 ) .
ويكونُ لكُمْ هذا اليومُ تذكارًا فتُعَيِّدونَهُ عيدًا للرَّبِّ. في أجيالِكُمْ تُعَيِّدونَهُ فريضَةً أبديَّةً.( الخروج 12 : 14 ).
وذكر في الإنجيل أن الفصح عيد لليهود ( يوحنا 6 : 4 ).
وكان الفصح رمزًا لذبيحة المسيح. لننجو به من الهلاك وهكذا يقول الكتاب “لأنَّ فِصحَنا أيضًا المَسيحَ قد ذُبِحَ لأجلِنا.” ( كورنثوس الأولى 5 : 7 ).
فما هو شعورنا في اليوم الذي قدم فيه السيد نفسه ذبيحة عنا ” لكَيْ لا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يؤمِنُ بهِ، بل تكونُ لهُ الحياةُ الأبديَّةُ.”( يوحنا 3 : 16 ). ألا يكون يوم فرح. يوم عيد. يوم خلاص.
لذلك نحن نقول في صلاة الساعة السادسة “صنعت خلاصًا في وسط الأرض كلها أيها المسيح إلهنا، لما بسطت يديك على عود الصليب”.
ويرمز الفصح إلى سر الإفخارستيا الذي نقول عنه “يعطى عنا خلاصًا، وغفرانًا للخطايا، وحياةً أبدية لكل من يتناول منه”.
إذن كلما نحتفل بسر الإفخارستيا، نعتبره عيدًا للخلاص. لذلك نقول فيه “هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، فلنفرح ونبتهج فيه”…
ولذلك اعتبر يوم خميس العهد عيدًا سيديًا، نحتفل به مع أنه يوم صوم، ضمن أسبوع الآلام! ذلك لأن أعيادنا أعياد روحية، حتى لو كانت في يوم صوم، نفرح فيه بالخلاص الممنوح لنا من الرب…
ونقول للرب في اليوم الذي قدم فيه نفسه ذبيحة عنا: “قوتي وتسبحتي هو الرب. وقد صار لي خلاصًا مقدسًا” ( المزامير 118 : 14 ).
إذن يوم الأحد هو عيد للراحة، وهو عيد للقيامة، للانتصار على الموت، وهو عيد للخلاص، أترى هذه المعاني كلها تجول في أذهاننا، ونحن نحتفل بسر الإفخارستيا في قداس كل أحد؟
أم أنها تتوه عنا وسط انشغالنا بالألحان والطقوس؟ دون أن نربط بين عيد الفصح ويوم خميس العهد، ويوم الجمعة الكبيرة، ويوم الأحد، ويوم سر الإفخارستيا بوجه عام…
مع يوم آخر وعيد آخر نذكره الآن هو عيد الفطير الذي كان يرتبط بعيد الفصح من أوله كما يقول الرب “سبعة أيام تأكلون فطيرًا.
من اليومَ الأوَّلَ تعزِلونَ الخَميرَ مِنْ بُيوتِكُمْ، فإنَّ كُلَّ مَنْ أكلَ خَميرًا مِنَ اليومِ الأوَّلِ إلَى اليومِ السّابِعِ تُقطَعُ تِلكَ النَّفسُ مِنْ إسرائيلَ. ( الخروج 12 : 15 ) فما السر في هذا؟
كان الخمير يرمز إلى الشر، والفطير يرمز إلى البر، والبر يرتبط بالأكل من خروف الفصح الذي يرمز إلى الفداء،
وهكذا قيل عن الفصح ” تأكُلونَ اللَّحمَ تِلكَ اللَّيلَةَ مَشويًّا بالنّارِ مع فطيرٍ” ( الخروج 12 : 8 ). أما عن تطبيق هذا في العهد الجديد فيقول الرسول “نقوا منكم الخميرة العتيقة…
لأن فصحنا أيضًا المسيح قد ذبح لأجلنا. إذن لنعيد، ليس بخميرة عتيقة، ولا بخميرة الشر والخبث، بل بفطير الإخلاص والحق” ( كورنثوس الأولى 5 : 7-8 ).
إذن التناول من الفصح، ومن سر الإفخارستيا، يرتبط بالقداسة والبر. ورقم 7 الخاص بعيد الفطير يرمز إلى الكمال. كمال الحياة كلها.
فلا يقل أحد إذن: إني قد خلصت لأني داخل الأبواب المرشوشة بالدم، وليس هذا بسبب أعمالي، وإنما بسبب الدم المرشوش. الذي يراه السيف المهلك، أي العدل الإلهي، فيعبر عني… هذا حق…
ولكن تذكر أنه داخل الأبواب المرشوشة بالدم، كان أُناس قد عزلوا الخمير من بيوتهم، أي عزلوا كل شر… وكل من أكل مختمرًا، كانت تقطع تلك النفس من جماعة الشعب، مهما كانت الأبواب مرشوشة بالدم. إن الخلاص بالدم يرتبط أيضًا بالحياة التي تخلو من الخمير، التي ترمز إليها سبعة أيام أي كل أيام الحياة، تأكل خلالها فطيرًا أي تتغذى بالبر.
لذلك يعجبني أن صموئيل النبي، لما دعا بيت يسي إلى الذبيحة، قال لهم: ” تقَدَّسوا وتَعالَوْا مَعي إلَى الذَّبيحَةِ” ( صموئيل الأول 16 : 5 ).
“وقدس يسي وبنيه، ودعاهم إلى الذبيحة”، وهنا يرتبط التناول من الذبيحة بالقداسة، لكي يكون الإنسان مستحقًا للتناول.
الأعياد إذن كانت تقدم فيها ذبائح. وكانت لها محافل، وكانت الأعياد أيامًا مقدسة (لا 23) ليست أيامًا للهو والطرب والفرح، بل محافل مقدسة ( اللاويين 23 : 2-4 8). حقًا كانت أيام عطلة، لا عمل فيها. ولكنها أيام مقدسة، وحسنة هي الترجمة الإنجليزية Holy Day أي يوم مقدس، التي – للأسف الشديد – استبدلها البعض بعبارة Week end أي نهاية الأسبوع، ونسوا قداسة اليوم وأصبحت مجرد عطلة، ربما بعيدة عن الله…!
العطلة ليست عطلة مطلقة. إنما نتعطل عن الأعمال العالمية لكي ننشغل بعمل الله. يتعطل الجسد عن العمل، لكي تنشغل الروح بعملها.
وهذه هي المشكلة التي قامت بين الرب والفريسيين، وأقنعهم بأمثلة كثيرة أنه “يحل فعل الخير في السبوت” ( متى 12 : 10-12 ).
فالمحافل المقدسة هي عمل، وتقديم الذبائح والمحرقات عمل أيضًا… وكذلك تقديم البخور، وأيضًا سر الإفخارستيا والتناول منه.
إذن يوم الأحد، بالإضافة إلى كونه عيدًا للراحة، وللقيامة أي الانتصار على الموت، هو عيد للخلاص، وأيضًا للقداسة التي يرمز إليها الفطير المرتبط بالفصح… ليتنا نذكر هذا كله.
في العهد القديم، كان هناك عيد المظال ( اللاويين 23 : 34 ) ( يوحنا 7 : 2 )، وهو سبعة أيام للرب. كان يسكن فيها الشعب في خيام (مظال).
“في مظال تسكنون سبعة أيام” ( اللاويين 23 : 42 ). ليتذكروا أن الرب حينما أخرجهم من أرض مصر أسكنهم في خيام ( اللاويين 23 : 43 ) … ولكن بالأكثر لكي يذكروا غربتهم على الأرض.
فالغريب يسكن في خيام، يخلعها ويقيمها من مكان لآخر، أما المستقر يسكن في بيت، وهكذا قيل عن أبينا إبراهيم أنه عاش متغربًا” ساكنًا في خيام، مع إسحق ويعقوب…” ( العبرانيين 11 : 9 ). وقيل نفس الكلام عن كل الأبرار الذين “أقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض… يبتغون وطنًا أفضل أي سماويًا ( العبرانيين 11 : 13-16 ).
الاحتفال الظاهري هو السكنى في الخيام، أما الداخلي في القلب فهو الإيمان العميق بالغربة على الأرض والاشتياق للوطن السماوي.
وهكذا في كل أعيادنا ينبغي أن تكون لنا النظرة الروحية العميقة.
كان عند اليهود عيد آخر هو عيد الحصاد ( الخروج 23 : 16 ) وكان يحسبون من أول حزمة حصيد ( اللاويين 23 : 10 ) سبعة أسابيع كاملة إلى غد السبت السابع، خمسين يومًا ثم يقربون تقدمة الرب ( اللاويين 23 : 15-16 ).
ونحن نسمي هذا العيد في المسيحية يوم الخمسين، عيد البندكستي.
عيد تأسيس الكنيسة الذي كان فيه الحصاد الحقيقي الذي بدأه “باكورة الراقدين” في يوم القيامة ( كورنثوس الأولى 15 : 20 ) ونفرح بهذا الحصاد العظيم الذي به صارت الأرض للرب ومسيحه. “في كل يوم يضم الرب إلى الكنيسة الذين يخلصون” ( أعمال الرسل 2 : 47 ). وفي نفس الوقت ننصت إلى قول الرب “الحصاد كثير لكن الفعلة قليلون. فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة لحصاده” ( متى 9 : 38 ). نعم يا رب، أرسل الفعلة، لأنه هوذا “الحقول قد ابيضت للحصاد… لكي يفرح الزارع والحاصد معًا” ( يوحنا 4 : 35-36 ).
نعم يا رب، إنك قد أرسلتنا لنحصد ما لم نتعب فيه… آخرون تعبوا، ونحن قد دخلنا على تعبهم ( يوحنا 4 : 38 ).
لقد تعب آباؤنا الرسل في غرس بذور الإيمان، ورواها غيرهم بعرقهم ودموعهم، وكنت أنت الذي تنمي ( كورنثوس الأولى 3 : 7 ) ثم إذا بالشهداء يروون هذه الغروس بدمائهم، وأتى أبطال الإيمان لينزعوا الأشواك التي ألقاها الهراطقة، واستمر العمل المقدس. نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور ( كورنثوس الأولى 10 : 11 ). لنحصد ثمار الإيمان الذي لم نتعب فيه…
لنفرح إذن بعيد الحصاد، كلما انضم إلى الكنيسة غرس جديد ونصلي – كلما نمت الكنيسة وانتشرت – أن يرسل الرب فعلة لحصاده. حقًا إن الحصاد حصاده، والحقول حقوله، وكلنا فعلة فيه. نعمل مع الله، كما قال بولس الرسول –لأهل كورنثوس – عن نفسه وزميله أبولس: “نحن عاملان مع الله، وأنتم فلاحة الله…” ( كورنثوس الأولى 3 : 9 ) “وكل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه”( كورنثوس الأولى 3 : 8 ).
إن كنا ننظر إلى أعياد العهد القديم، بهذا المفهوم الروحي، فلنأخذ أعياد العهد الجديد أيضًا في عمق معانيها، ننظر مثلًا إلى عيد الميلاد، بأنه العيد الذي أتى فيه الله ليتفقد شعبه ( لوقا 1 : 68 )، وليصالح الأرضيين مع السمائيين، ولكي يبارك طبيعتنا فيه، كما نصلي في القداس الإلهي فنفرح بمجيء الرب إلينا. هذا الذي لم نقدر نحن أن نصعد إليه، فنزل هو إلينا.
فيكون عيد الميلاد، هو عيد الحب الإلهي، الذي فيه الرب يتفقد شعبه، ويكون عيد الغطاس هو عيد التواضع الإلهي الذي فيه تقدم الكاهن الأعظم، الذي على رتبة ملكي صادق، لينال من أحد خدامه من بني هارون، معمودية التوبة التي لم يكن هو محتاج إليها، بل بكل تواضع ناب عنا فيها، وبكل تواضع قال ليوحنا المعمدان: “اسمح الآن. لكي نكمل كل بر” ( متى 3 : 15 ).
وليكن عيد القيامة هو عيد النصرة على الموت، وعلى كل ما يؤدي إلى الموت، ولا يمكن أن ننتصر على الموت، إلا الانتصار على الخطية، لأن “أجرة الخطية هي موت” ( رومية 6 : 23 ).
ولكل عيد دلالته وتأملاته، التي ليس الآن مجال للحديث عن تفاصيلها جميعًا، إنما المهم أن نتأمل كل عيد بعمق، ونسأل أنفسنا:
ما هي فاعلية الأعياد في حياتنا؟
ماذا غرسته فينا من مشاعر؟ وما أحدثته فينا من تغيير إلى أفضل؟ وكيف تربطنا بالله بالأكثر؟ وكيف تعطينا فهمًا جديدًا في معرفة هدف العيد والدخول إلى أعماقه؟
أقول هذا، وأنا أهنئكم بهذا العيد، وكل عيد وجميعكم بخير.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 19-1-1997م




