الأسرة والتربية الدينية

الأسرة المثالية
الأسرة والتربية الدينية[1]
على الأسرة واجب أساسي نحو أولادها. فهى مسئولة عنهم أمام الله وأمام الكنيسة وأمام المجتمع.
ولذلك فالخطيبان قبل أن يرتبطا بالزواج، ينبغي أن تكون من مؤهلات كل منهما: القدرة على التربية. ولعله لهذا السبب ولغيره، لا يسمح بزواج صغار السن، لأنهم غير قادرين على تربية الأطفال، ولا على التعامل السليم كأسرة ناشئة.
الأب عليه واجب في تربية ابنائه.
ولذلك يقول له الرب في الكتاب المقدس: “لتَكُنْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ التِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ عَلى قَلبِكَ. وَقُصَّهَا عَلى أَوْلادِكَ وَتَكَلمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ…” (تث6: 6، 7).
فما هي المعلومات الدينية التي يقصها كل أب على أولاده في البيت؟
إن الأب ليس مسئولًا فقط عن أولاده، بل عن زوجته أيضًا، وعن البيت كله، لأنه رب الأسرة ورأس المرأة…
انظروا كيف كان أيوب الصديق يهتم بأولاده، ويقدم عنهم محرقات (أي1: 5).
كذلك هناك واجب على الأم، بخاصة في فترة طفولة أبنائها لأنها تقضي معهم وقتًا أكثر من وقت الأب.
ومن الأمثلة البارزة جدًا أمامنا: يوكابد أم موسى النبي، التي استطاعت في سنوات قليلة مع طفلها، أن تلقنه كل مبادئ الإيمان، حتى أنه لما انتقل إلى قصر فرعون، لم يتأثر بعباداته الكثيرة. ولم يحتفظ فقط بإيمانه بل صار فيما بعد بطل الإيمان في عصره.
ومثل يوكابد، كذلك كانت أم القديس تيموثاوس وجدته.
وفي ذلك يقول له معلمه القديس بولس الرسول: “أتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أفْنِيكِي” (2تى1: 5).
إن الجدة بلا شك لها مركز كبير في تربية أحفادها. وقد تساعد كثيرًا في هذا المجال، إذا كانت ابنتها الأم امرأة عاملة.
وأتذكر أنني في روسيا، في العيد الألفي للكنيسة، مدحث الدور الذي قامت به الجدات والأمهات في حفظ الإيمان.
وذلك خلال السبعين سنة السابقة من الحكم الشيوعي، الذي لم يكن يسمح للكنيسة بنشاط في تعليم الأطفال. فكان العبء كله مركزًا على التعليم الديني الأسري في البيوت. وبخاصة واجب الأمهات والجدات.
إن الأم القديسة يمكنها أن تربي أولادها في حياة القداسة.
ولنا مثل جبار هو القديسة باولا أم القديس باسيليوس الكبير.
استطاعت بتربيتها الروحية العجيبة أن تقدم أربعة من أولادها قادة للإيمان والروحيات في جيلها وهم: القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية كبادوكيا، وأخوه القديس اغريغوريوس أسقف نيصص، وأخوهما القديس بطرس أسقف سبسطية، وأختهم القديسة ماكرينا المرشدة الروحية لكل أخوتها والتي صارت رئيسة دير.
على كل أب وأم أن يضعا أمامهما قول يشوع بن نون: “أَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ” (يش24: 15).
هذه هي الأسرة السليمة العابدة.
وبالمثل يقف أمام الله والكنيسة ويقول: “هَئَنَذَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمُ الرَّبُّ” (أش8: 18) (عب2: 13).
إن الله قد أعطى الزوجين أولادًا، لكي يصيروهم أولادًا له.
والزواج ليس مجرد علاقة بين رجل وامرأة، وإنما هناك الأولاد أيضًا.
ومن أجل حسن تربية الأولاد، أمر الله الأبناء بطاعة والديهم.
من أجل كرامة الأبوة والأمومة، وأيضًا من أجل التربية الروحية السليمة. ولذلك قال الرسول: “أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ” (أف6: 1).
وعبارة (في الرب) تعني في كل ما يوافق كلام الرب، لأن هذا حق.
أعود فأقول إن القدرة على تربية الأولاد هي شرط أساسي من شروط الزواج.
فالذي يتقدم لخطبة فتاة، أحيانًا يسأل: هل يمكنها أن تكون ربة بيت تدبر أموره حسنًا أم لا؟ فهل هو أيضًا يسأل: هل يمكنها أن تكون أمًا صالحة تحسن تربية أولادها وأولاده؟ وكذلك على الفتاة أن تطمئن هل خطيبها هذا يمكنه أن يكون أبًا صالحًا يحسن تربية الأولاد؟.. وزوجًا صالحًا يسعد زوجته…
الزواج إذًا ليس هو مجرد حياة خاصة، إنما هو أيضًا مسئولية اجتماعية ومسئولية روحية.
إنها مسئولية أمام المجتمع، حيث تقدم الأسرة للمجتمع أعضاء جددًا قد تربوا حسنًا في بيوتهم، وأصبحوا نافعين في كل شيء، لا يسيئون إلى أحد، بل على العكس يبنون المجتمع ويكونون موضع ثقة واحترام الكل.
وهي مسئولية أمام الله، بتقديم أبناء قديسين يكونون من بني الملكوت، ومن خدام الكنيسة الصالحين.
وكل هذا يشمل بالضرورة مسئولية تعليمية…
فيشترط في الوالدين أن يكونا صالحين للتعليم، وعلى قدر كاف من المعرفة…
إذ كيف يعلمان أولادهما إن لم يكونا على مستوى يسمح بالعطاء وبالإقناع وبالتفهيم. بحيث يكون كل من الأب والأم مرجعًا لأبنائه ومصدر دقيق ووثيق لما يلزمهم من المعلومات.
وإن لم يكونا كذلك، فيلزمهما الدراسة.
يجب على الأم أن تدرس لكي تعلم ابنها. ولا تقف أمامه في موقف من لا يعرف.. ونفس الكلام نقوله للأب أيضًا…
ومع دراسة المعلومات اللازمة للابن ينبغي على الوالدين دراسة نفسية طفلهما في كل مرحلة من مراحل عمره، حتى يمكن التعامل معه بما يناسبه نفسيًا…
وتربية الأبناء لا تقتصر فقط على التعليم، إنما تحتاج كذلك إلى التدريب العملي.
لأن الدين ليس هو مجرد معلومات، إنما هو حياة… فعلى الوالدين أن يساعدا أولادهما على ممارسة الفضائل عمليًا والتدرب عليها.. وفي كل ذلك يقف أمامهما واجب آخر لا يقل خطورة وهو:
أهمية قدوة الوالدين في الحياة الروحية لأبنائهما.
فالدين ليس مجرد تعليم، إنما هو بالأكثر تسليم… هو حياة يتسلمها جيل من جيل. ويتسلمها بالممارسة العملية التي يراها ويلاحظها ويلمسها في الكبار: في البيت أولًا، ثم في المدرسة والمجتمع.
وإذا كان تأثير البيت قويًا، فإنه ينقذ الطفل من محاكاة أخطاء المجتمع.
وهكذا يتربى الطفل تربية قوية عميقة، بالتعليم والتدريب والقدوة الصالحة. على أن يكون كل ذلك ممزوجًا بالحب، لأن الطفل يتعلم مِن مَن يحبه، ويحب أن يحاكي أيضًا من يحبه.
والمعاملة السيئة قد تدفعه إلى العناد وإلى العصيان…
وهنا تضيع كل فائدة التعليم، مهما كان صحيحًا وسليمًا، إن كان الطفل يصر على رفضه في عناد شديد، لأنه صادر من أب أو أم يسيء معاملته…
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: الأسرة والتربية الدينية بمجلة الكرازة 11/ 5/ 1990




