إنكار الذات

[1]إنكار الذات
أكبر عدو للإنسان هو “ذاته”.
وأثقل حمل يحمله الإنسان على كتفيه، طول حياته هو ذاته.
هذه الذات التي تريد أن تكون كل شيء… تريد أن تظهر، وأن تكبر، وأن تنتصر، وأن يختفي أمامها كل أحد، وتختفي أمام رغباتها جميع القيم والمُثُل والوصايا zz
ذاته المغرورة التي ترى في نفسها أكثر من حقيقتها.
إذا انتصر الإنسان على ذاته، صار قوة لا تقهر، وحصنًا لا يناله أحد… إن استطاع أن يؤخر ذاته، فلا تتقدم على أبديته، ولا تتقدم على غيره من الناس… إن استطاع أن يخضع رغباتها، ويضع كبرياءها حينئذ يمكنه أن يسير في طريق الرب بلا عثرة…
لذلك كانت فضيلة إنكار الذات هي الفضيلة الأولى، أو هي نقطة البدء في الحياة الروحية، حتى لا يوجد حائل بين الإنسان والله. ولذلك قال الرب “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ…” (لو9: 23).
ضع نفسك آخر الكل. دربها على أن تفرح بالمتكأ الأخير، وتفضل غيرها على ذاتها في كل شيء، بالبذل، بالتضحية، بالحب.
دربها على أن تضع الله أولًا، بكتبه ووصاياه، وأن تضع المصلحة العامة قبل مصلحة الأشخاص، وأن تضع بعد ذلك راحة الناس قبل راحتها… وهكذا تجعل ذاتها آخر الكل… فهذا هو إنكار الذات.
في كل أمر من الأمور لا تضع ذاتك أولًا. تعلم البذل. ابذل أولًا كل الذي لك، ثم ابذل ذاتك. وإن خسرت كل الأشياء، وحسبتها نفاية، من أجل محبة الله والناس، حينئذ تكون قد ربحت كل شيء…
لا تقل: إن سرت وراء هذه المبادئ من إنكار الذات، ضيعت نفسي! فقد قال السيد المسيح:
مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ (نفسه) يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ (نفسه) مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا…
إن محبة الذات تسبق كل خطية. تسبق الكبرياء، وتسبق الشهوة، وتسبق الزنا، وتسبق الغضب والانتقام، وتسبق الكسل، وتسبق البطنة، وتسبق محبة المال… إلخ ولكن قد يقول إنسان: كيف لا أحب ذاتي؟! هذا أمر طبيعي. من ذا الذي يستطيع أن يكره نفسه؟!…
نعم، يمكنك أن تحب نفسك. ولكن لا يصح أن تحبها محبة خاطئة…
إن الذي يعيش في طريق اللذة، هذا لا يحب ذاته محبة حقيقية، وإنما يهلكها… ويضيع أبديتها، كما قال السيد المسيح من وجد نفسه يضيعها…
[1] مقال لقدسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنه السادسة العدد الخامس 31 يناير 1975




