حياة السلام الدائم

حدثتكم في الأسبوع الماضي عن (حياة التسليم)، وأود أن أحدثكم اليوم عن
(حياة السلام). ذلك للارتباط الذي بينهما. لأن الذي يسلم حياته لله، لا شك أنه يحيا في سلام دائم..
حياة السلام الدائم
أولاد الله يعيشون دائمًا في سلام، مطمئنين إلى عمل الله معهم، مهما كانت الظروف المحيطة بهم.
بل يقول الكتاب إنه “سلام يفوق كل عقل”.
ليس هو سلامًا عالميًا، أو نفسيًا، أو سلامًا مخادعًا، ولا هو تخدير للأعصاب، إنما هو سلام من الروح القدس.
هذا السلام هو ثمر من ثمار الروح القدس ( غلاطية 5 : 22 )
الذي يسكن الروح القدس في قلبه، يعيش في سلام…
ليس هو سلامًا ناتجًا عن اعتداد بالذات، أو ثقة بالنفس، أو بقوة الشخصية، إنما هو سلام داخلي من الروح القدس.
لما تجسد رب المجد غنت الملائكة “… وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة” مبشرة بالسلام والفرح. وقبل صعود الرب قال لتلاميذه “سلامي أترك لكم، سلامي أنا أعطيكم”. “ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع”.
ما كان أولاد الله يضطربون اطلاقا، بل كان أعداؤهم يضطربون حينما يرونهم في سلام، على الرغم من كل متاعبهم.
وأكثر عبارة يكررها الكاهن في الكنيسة هي “السلام لجميعكم” لأن الكنيسة تريد أن تزود أولادها بالسلام في كل وقت.
ولما أرسل المسيح تلاميذه السبعين، قال لهم “وأى بيت دخلتموه فقولوا سلام لهذا البيت. فإن كان ابنًا للسلام، يحل سلامكم عليه”.
من هنا حينما يتقابل الناس، يبدءون بعبارة السلام..
هذا السلام، إذا فقده الناس، يتعبون روحيًا ونفسيًا وجسديًا.. ويقعون في الخوف والاضطراب والانزعاج والقلق والشك، وفي أمراض عصبية وجسدية كثيرة…
ولهذا تريدنا الكنيسة أن نمتلئ بالسلام الداخلي، ونعيش في فرح تملك علينا البشاشة… “افرحوا في الرب كل حين”.
الشهداء في السجون، كانوا يرتلون ويغنون. بولس الرسول كان يسبح الله، ورجلاه في المقطرة، في السجن الداخلي. بطرس وهو مسجون، كان نائمًا إلى أعماقه، في سلام كامل… السلام لم يفارق الشهداء، حتى وهم ذاهبون إلى الموت، وحتى في أماكن الاستشهاد أمام آلات التعذيب الرهيبة.
كذلك في البرية، وسط الوحوش والدبيب وحروب الشياطين، كان القديسون يعيشون في سلام وفرح. قال القديس أثناسيوس الرسولي عن الأنبا أنطونيوس “من كان مضطربًا أو مر النفس، ويري وجه الأنبا أنطونيوس، إلا ويمتلئ بالسلام”.
الممتلئون بالسلام تجدهم دائمًا أشخاصا مريحين، يريحون الآخرين.
إن جاءهم شخص متعب، يخرج وهو مبتهج القلب، وقد ملأ السلام قلبه، دون أن يتملقوه أو يخدعوه، قد يتبكت على خطيته، ومع ذلك يمتلئ بالسلام.
سلام لأنه عرف نفسه. وسلام في الله المحب الذي يغفر.
ما أجمل أن يعيش الإنسان في سلام، وسط المتاعب…
كان داود يطارده شاول الملك. ومع ذلك كان سعيدًا بمزماره، يغني للرب أغنية جديدة، في وسط متاعبه وآلامه.
الملك يحاول قتله، وهو يغني للرب، دون أن يفقد سلامه إنه يقول عن أعدائه “أحاطوا بي مثل النحل حول الشهد، والتهبوا كنار في شوك”. فهل فقدت بذلك سلامك؟ يجيب داود: كلا، “دفعت لأسقط، والرب عضدني” “قوتي وتسبحتي هو الرب، وقد صار لي خلاصًا. إنها خبرة السلام التي جعلته يقول:
“يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات. وأما أنت فلا يقتربون إليك، بل بعينيك تتأمل، ومجازاة الخطاة تبصر”.
إن داود لا ينظر إلى الأخطار، إنما إلى الله…
وفي سلسلة اختباراته يقول “نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ أنكسر ونحن نجونا” “لولا أن الرب كان معنا، حين قام الناس علينا، لابتلعونا ونحن أحياء”.
إذن هو الله، الذي نذكره في كل ضيق، فنمتلئ سلامًا.
داود الطفل، أمام جليات الجبار، لم يفقد سلامه، لأنه ذكر الرب “أنا آتيك باسم رب الجنود” “اليوم يحبسك الرب في يدي “لأن الحرب للرب، وهو يدفعكم ليدنا” (1صم 17).
إن ذكر اسم الرب في وسط الضيق، يمنح سلامًا “اسم الرب برج حصين، يركض إليه الصديق، ويتمتع” ( الأمثال 18 : 10 ).
“اليوم يحبسك الرب في يدي”.. إنها كلمة إنسان يدرك مركزه عند الله، ويدرك مركز الله في حياته..
لا جليات الجبار يفقده سلامه، ولا شاول الذي يطارده بالموت.
أولاد الله في حياة السلام، لا يعرفون خوفا على الأطلاق…
“إن سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف شرًا لأنك أنت معي”.. حتى في وادي ظل الموت، لا يخاف… لماذا؟ لأن “الساكن في ستر العلي، في ظل القدير يبيت”، ينجيه الرب من سهم الصياد، ومن أمر يسلك في الظلمة. لا تضربه الشمس بالنهار، ولا القمر بالليل… يحيا في الحفظ الإلهي.
القلب المملوء سلامًا، يقول في كل ضيقة “كله للخير”. أما الفاقد السلام فيتخيل متاعب، حيث لا توجد متاعب. هناك قوة تحيط به، ومشكلته الكبري أنه لا يراها..
جيحزي رأى جيوش الأعداء فقط، تحيط بالمدينة، فقد سلامه. أما أليشع فكان يرى القوة الإلهية تدافع عن المدينة، فقال عبارته الخالدة.
“إن الذين معنا، أكثر من الذين علينا”. هكذا امتلأ سلامًا.
وطلب من الرب أن يفتح عيني الغلام جيحزي، ليرى فيطمئن. إن كنت ترى فقط الذين عليك، دون أن ترى الذين معك وجند الرب المدافعة عنك، حينئذ تفقد سلامك. آمن أن الله معك، وأنه لا يتركك، فتمتلئ سلامًا.
إن الذي يفقد إيمانه، يفقد سلامه. والمؤمن يعيش في سلام بإيمانه أن الله موجود: وأنه يعمل، وأنه “يحكم للمظلومين” وأن الرب يحفظ الأطفال، وأنه ضابط للكل يرى كل شيء، ويدبر كل شيء.
آمن أن حياتك في يد الله، تمتلئ سلاما. أما إن شعرت أن حياتك في أيدي الناس، فحينئذ ستفقد سلامك.
إن الله وحده هو الذي يملك حياتنا ومصائرنا هو الذي بيده مفاتيح الموت والحياة. هو الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح. أما الناس فلا يملكون شيئًا…
نحن إن عشنا، فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت. إن عشنا أو متنا، فللرب نحن. لا سلطان للناس علينا…
ضع إذن حياتك في يد الله، أو آمن تمامًا أنها في يده، وأن الناس أيضًا كلهم في يده. لتحيا في سلام إبراهيم أبو الآباء، لم يفقد سلامه حينما أمره الرب بتقديم ابنه وحيده إسحق محرقة للرب، ولا إسحق فقد سلامه.
إن أولاد الله لا يفقدون سلامهم، حتى أن وضع إسحق فوق الحطب، وارتفعت فوق رأسه السكين. مادام الله يمسك باليد التي تمسك السكين، حينئذ نطمئن ولا نفقد سلامنا لابد أن الله سيقول “لا تمس الغلام، ولا تصنع به شرًا”.
إن آمنت أنك في حمي الله، وإن ذكرته، ستذكر مواعيده:”لا أهملك ولا أتركك”. “لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع”. “سلامي أنا أعطيكم”. “أنا معكم كل الأيام”… فيمتلئ قلبك سلامًا.
أولاد الله لا يضطربون. كل مشكلة لها حل، ولها الله. وكل مشكلة هي للخير، فيها يقودنا الله في موكب نصرته.
أهل العالم عندما يرون سلام أولاد الله، يقولون: هؤلاء الناس فيهم سر. يعجبون من سلامهم، ولا يدركون أن مصدره هو الروح المعزي، مصدر كل عزاء…
المهم، لكي نحتفظ بسلامنا، أن تكون قلوبنا بلا لوم أمام الله. لأنه “لا سلام، قال الرب، للأشرار”…
إن اهتزت علاقتك بالله، تفقد سلامك. إن سيطرت عليك الرغبات والشهوات، تفقد سلامك أيضًا، وتظل عبدًا للرغبة، متى تتحقق؟ وكيف؟ وتتعب بالرغبة وبالانتظار، وتحتك بالناس بسبب اصطدام مصلحتك بمصالحهم. وقد صدق القديس الذي قال “ازهد في ما في أيدي الناس، يحبك الناس”.
لكي تعيش في السلام، لا تحمل هموم الغد لا تقل ماذا يحدث في الغد؟ إن الغد له إله، هو يهتم به “لا تهتموا بما للغد. فالغد يهتم بما لنفسه”.
إن أردت أن تعيش في سلام، لا تحمل همومك، إنما ألقها على الله الذي قال “تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم”. حياتك إن وضعتها في يدك ستتعب، وإن وضعتها في أيدي الناس ستتعب. أما إن وضعتها في يد الله فإنك تستريح.
لا تقف وحدك، بعيدًا عن الله. لا تحاول أن تحل مشاكلك بنفسك، ناسيًا أن الله هو الذي يحل المشاكل قل له أنا يا رب تعبت الليل كله ولم أصطد شيئًا.. أو قل له كما قال القديس أُغسطينوس:
ستظل قلوبنا مضطربة إلى أن تجد راحتها فيك.
إنك لا يمكن أن تجد سلامك، إلا إذا عرفت الله، ومشيت معه، وألقيت عليه كل همومك، ولم تفكر في الغد، ولا في المتاعب، وإنما حصرت فكرك في الله.
ما أجمل قول داود النبي “الرؤساء قاموا عليَّ. أما أنا فكنت أتلو في وصاياك، لأن شهاداتك هي درسي”.
وهؤلاء الرؤساء القائمون عليك؟ لقد تركتهم لله، هو يتفاهم معهم، أما أنا فأتلو في وصاياه لأنها لذة نفسي..
هذه هي طريقة العائشين في سلام، لا تطحنهم المشاكل، لا تشغل فكرهم، لا تحطم أعصابهم، لا ينحصرون فيها، لا يحملون همها، لا يغلون في الداخل، إنما في سلام يتركون الأمر لله ويؤمنون تمامًا بحلوله الجميلة فيستريحون.
داود النبي كان يصلي، ويعرض مشاكله على الله. وفي أثناء صلاته يشعر بالاستجابة، فيحول الطلب إلى شكر. إنه يقول أثناء طلبه: ابعدوا عنى يا جميع فاعلي الإثم. فإن الرب قد سمع صوت صلاتي؟ الرب لصلاتي قبل”.
إن أولاد الله لا يقلقون أبدًا. القلق كلمة لا توجد مطلقًا في قاموسهم الروحي. لا يعرفونه، ولم يختبروه… ولا في أحلك اللحظات، ولا في أتعب الأمور.. إنهم يعيشون حياة الفرح الدائم، وحياة السلام الدائم، اليوم وغدًا، وبعد غد، وإلى أبد الآبدين أمين؟
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثامن والثلاثون) 23-9-1977م



