أحفظك وأردك إلى هذه الأرض

يعقوب أبو الآباء، لما أخذ البكورية من أخيه عيسو، بالخداع، وخاف أن يقتله أخوه فهرب إلى أرض خاله لابان…
فيما هو خائف في الطريق، هاربًا، بعيدًا عن بيت أبيه… قابله الرب في الطريق، وعزاه، قائلًا:
وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب وأردك إلى هذه الأرض ( تكوين 28 : 15 )
أحفظك، وأردك إلى هذه الأرض
إن عبارة ” أحفظك، وأردك، وأنا معك”، إنما تدل على العمل الإلهي في حياة الإنسان… الحفظ الإلهي… كما تدل أيضًا على وعود الله المطمئنة للنفس البشرية.
لم يكن يعقوب قادرًا على أن يحفظ نفسه في طريق كله مخاطر، وضد أخ عنيف هو عيسو، وما كان قادرًا أن يرد نفسه إلى تلك الأرض وهنا تدخل الله…
هكذا عندما كان الشعب في أرض السبي، وقد جلسوا على أنهار بابل يبكون، عاجزين عن رد أنفسهم، بنفس العبارة خاطب الرب الشعب الباكي” أحفظك، وأردك إلى هذه الأرض”.
وفعلا” رد الرب سبي صهيون، فبنى المسبيون أسوار أورشليم المهدمة، وأصلحوا أبوابها المحروقة بالنار… تمامًا كما رد الرب يعقوب، وأنقذه من عيسو.
إنه عمل الله لأجل النفس، العاجزة عن إنقاذ ذاتها.
بعد طرد آدم من الفردوس، ما كان آدم قادرًا على إنقاذ نفسه.
ولكن في نفس لحظة العقوبة، قدم له الرب نفس الموعد “أحفظك، وأردك إلى هذه الأرض” وذلك بأن “نسل المرأة يسحق رأس الحية”. وفعلًا رد الرب آدم وبنيه إلى الفردوس…
وقد يبطئ الرب في رد الإنسان، ولكن لابد أن يرده في الموعد الذي تحدده الحكمة الإلهية، في ملء الزمان.
لقد رد يعقوب بعد 20 سنة، ورد المسببين في بابل بعد 70 سنة، ورد سبي آدم بعد أكثر من 5000 سنة.
إن عقوبة الله ليست دائمة. فهو لا يغضب إلى الأبد، ولا يحقد إلى الدهر… صادقة هي مواعيده.
ولقد رد كثيرين، كانوا خطاه، وعاجزين عن رد أنفسهم.
آدم كان قد أخطأ إلى الرب، وكذلك يعقوب الذي خدع أباه، وبنو إسرائيل الذين عبدوا الأصنام. وآدم ويعقوب وبنو إسرائيل كانوا عاجزين عن رد أنفسهم.
إنها أمثلة كلها رجاء، عن عمل الله في الخلاص…
عجيب أن يقول الله للخاطئ” أنا معك، وأردك إلى هذه الأرض”
الخروف الضال، ما كان قادرًا أن يرد نفسه إلى الحظيرة.والدرهم المفقود، ما كان قادرًا أن يرجع إلى جيب صاحبه.
ويونان في بطن الحوت، ما كان بقادر أن يرجع مرة أخرى، فيبصر هيكل قدسه.
ولكن الأمل الوحيد لكل هؤلاء، كان هو وعد الرب: أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض.
إن غير المستطاع عند الناس هو مستطاع عند الله…
الثلاثة فتية يلقون في أتون النار، والرب يقول لكل منهم: أنا معك أحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض.
ونفس العبارة يسمعها دانيال النبي وهو في جب الأسود…
إن الله عجيب في محبته، وفي حفظه، وفي عمله الإلهي على أن هذا الموضوع، يمكننا أن نتناوله بطريقة روحية.
بطرس الرسول لما أنكر وجدف وشتم، شعر أنه قد خرج عن رعوية الرب الذي قال:” وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.”.
فبكى بكاءًا مرًا، وسمع قول الرب ” أردك إلى هذه الأرض”. وقد رده فعلًا حينما قال له:” أرع غنمى، أرع خرافى”.
ونفس الوضع حدث لداود النبي بعد أن زنى وقتل، وصرخ قائلًا: “رد لي بهجة خلاصك”، فرده إلى تلك الأرض.
مشكلة الإنسان، هي ظنه أنه سيرجع بذاته إلى الرب!
صدقوني لو كان الإنسان بمجهوده وحده سيرجع إلى الرب، ما رجع أحد.
فالنفس ميالة إلى الخطية، والإرادة ضعيفة، وحروب الشيطان قوية، ومعطلاته كثيرة.
ولكن الإنسان كلما يتوه في مسيرته الروحية، يعود فيسمع قول الرب: ” أنا معك، أحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض”.
هذه الأرض هي أرض الأحياء، كما قال المزمور (مز 26)
كثيرون سقطوا، وما كان يبدو أن لهم رجاء في الخلاص!
“يارب لماذا كثر الذين يحزنونني؟ كثيرون قاموا على. كثيرون قالوا إنه ليس له خلاص بإلهه”. (مز 3).
كان يبدو أن التوبة مستحيلة، وأن الخطية قد صارت عادة، بل طبعًا، بل طبيعة، صارت ملتصقة بالإنسان أكثر من دمه في عروقه…
ولم يعد أمل، غير وعود الرب…
ما دام الرب هو الذي سيرد الخاطئ، إذن فالخلاص ممكن، لأن الرب يستطيع كل شيء، ويريد أن الجميع يخلصون.
بأنواع وطرق شتى، يرد الله الإنسان اليه…
بالحب والحنان، يرده إليه، وبالشدة والعقوبة، وأيضًا يرده. بالتجارب بالضيقات، بالوعظ والإرشاد..
بأية الطرق: يربط الشيطان فلا يؤذيه.. يقوي مغاليق أبوابه، ويجعل تخومه في سلام، ويملؤه من شحم الحنطة..
تأمل إذن عمل الله في حياتك، يده ونعمته وروحه القدوس.
أما عملك أنت، فلا تضعه إلا في المرتبة التالية.
أذكر وعود الله لك، وثبتها في ذاكرتك. وكلما يخيفك الشيطان، ويقول لك “قد وقعت في قبضتي” قل له “أين شوكتك يا موت! أين غلبتك يا هاوية! أنا متمسك بالوعد الإلهي…
أنا لا يرعبني عيسو وتهديداته، ولا تخيفني نيران الأتون، ولا الأسود في الجب، ولا الضغطات في بطن الحوت. إنما يفرحني وعد الرب، إنه معي، وإنه سيردني إلى تلك الأرض.
مهما تآمر الرؤساء معًا، وقامت ملوك الأرض على الرب وعلى مسيحه، مهما هاجت المياه الكثيرة، ومهما التهب أعدائي كنار في شوك، فلست أخاف شراً، لأنك أنت معي.
إن وقف أمامي البحر الأحمر، فالرب قادر أن يشقه، ويمهد لي فيه طريقًا. وإن وقف أمامي جليات الجبار، سيحبسه الرب في يدي. سينجيني الرب، كالعصفور من فخ الصيادين.
إن كان الرب معنا، فمن علينا؟! ونحن دائمًا نفكر في هذا الإله الذي معنا، فلا يتعبنا الذين يقومون علينا.
حنون هو الرب وطيب، قوته حافظة، ووعوده معزية…
يكفيني من الكتاب المقدس كله، عبارته المعزية “أنا معك، أحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض”. وما دمت أنت يا رب معي، فلن أبالي بالدنيا وما فيها”…
هذه العبارة ستعطيني قوة، وشجاعة، وأيمانًا، وثقة لا تحد…
هذه هي قوة المسيحية، التي تعتمد على ذراع حبيبها..
إن الله سيحفظك حيثما تذهب، يحفظك من الشيطان، ومن الناس الأشرار، ومن نفسك. يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات، وأما أنت فلا يقتربون إليك.
لا تضربك الشمس بالنهار، ولا القمر بالليل، ولا تخشي سهمًا يطير في الظلمة.
لا تخف، سيردك الله إلى تلك الأرض. وما هي؟
يقول الرائي إنها أرض جديدة، يسكن فيها البر، أرض مقدسة، لا خطية فيها لا تحتاج إلى شمس، لأن الرب هو نورها…
وكلما تعبت من جسد هذا الموت، يشير الرب إلى هذه الأرض ويقول: ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الثالث والعشرون) 10-6-1977م




