آباؤنا الرسل – تذكار استشهاد القديسين بطرس وبولس

كانت الكنيسة تعيد أمس، بتذكار استشهاد القديسين بطرس وبولس، وبعيد الرسل بصفة عامة.
وأود في هذه الليلة أن يكون موضوع حديثنا هو آباؤنا الرسل
ما أقل الكنائس التي بنيناها على أسماء آبائنا الرسل القديسين، بينما لهم علينا فضل لن ننساه، وهو أنهم بشرونا بالإيمان،
ولولاهم ما وصل الإيمان إلينا… هم تعبوا، ونحن دخلنا على تعبهم… والكتاب يقول لنا: “اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ.” ( العبرانيين 13 : 7 ).
الكتاب المقدس يشبهم بالجبال، ويقول المزمور: ” أساساته في الجبال المقدسة ” كما يقول “رفعت عيني إلى الجبال من حيث يأتي عوني”.
ويشبههم الكتاب أيضًا بالأنهار التي ترمز لعمل الروح القدس كما قال الرب ” مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ»..
قَالَ هَذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ، ” ( يوحنا 7 : 38-39 ).
ولهذا عندما ماجت عليهم الأمم واضطربت الممالك، ورفعوا صوتهم إلى الله مشتكين، تنبأ عنهم المزمور بقوله:
“رفعت الأنهار يا رب، رفعت الأنهار صوتها، من صوت مياه كثيرة “… ولهذا شبه المؤمن البار، بشجرة مغروسة على مجاري المياه، مياه هذه الأنهار العذبة، آبائنا الرسل…
تعاليمهم الحلوة، التي تروي النفس، تذكرنا بقول المزمور “مجاري الأنهار تفرح مدينة الله”…
وقد قيل عن أبائنا الرسل أيضًا أنهم أعمدة الكنيسة
وفي ذلك قال بولس الرسول “فإذ علم بالنعمة المعطاة إلى يعقوب وصفا ويوحنا، المعتبرون أنهم أعمدة، أعطوني وبرنابا يمين الشركة”( غلاطية 2 : 9 ).
ونحن لكي نتذكر أن آبائنا الرسل أعمدة الكنيسة، ترفع الكنيسة علي 12 عمودًا يرمزون للرسل الاثنى عشر.
الرسل أيضًا هم وكلاء الرب وسفراؤه وهم الكرامون الأتقياء
الكرمة هي الكنيسة، وقد تركها الرب لكرامين في العهد القديم ظهر أنهم كرامون أردياء، فنزعها منهم وسلمها للرسل.
وصار الرسل وكلاء الرب “وكلاء السرائر الإلهية “وقال عنهم الرب “يا ترى من هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على عبيده ليعطيهم طعامهم في حينه”(لو 12)
بل قيل عن خلفاء الرسل (الأساقفة) إنهم وكلاء الله “لأنه يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل لله”( تيطس 1 : 7 ).
وقال بولس الرسول “نسعي كسفراء للمسيح، كأن الله يعظ بنا، ننادي أن اصطلحوا مع الله”.
وقيل عن الرسل إنهم أحباء المسيح وخاصته وأخوته…
قال لهم “لا أعود أسميكم عبيدًا بل أصدقاء” وقيل عن علاقة الرب بهم “إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم حتى المنتهى” ( يوحنا 13 : 1 ).
ودعاهم أخوته فقيل إنه “بكر وسط أخوة كثيرين “وانه ” شابه أخوته في كل شيء ما عدا الخطية”.
ومن اكرام الرب لهم، اشر كهم معه في عمل الدينونة…
فعندما يجلس في مجده، سيجلسون معه على إثني عشر كرسيًا، يدينون أسباط اسرائيل الاثني عشر، بل قال بولس الرسول أيضًا “أم لستم تعلمون إتنا سندين ملائكة”…
وأكرمهم الرب أكثر فقال “الأعمال التي أعملها تعملونها وتعملون أعظم منها” .والعقل يقف مذهولًا أمام عبارة “وتعملون أعظم منها” هؤلاء الذين غسل أرجلهم…
هؤلاء الرسل هم حملة الإيمان إلى العالم كله…
لقد حملهم الرب هذه الرسالة، حينما قال لهم: “أذهبوا إلى العالم أجمع، وأكرزوا بالإنجيل للخليفة كلها” ( مرقس 16 : 15 ).
وقال “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم…وعلموهم جميع ما أوصيتكم به” ( متى 28 : 19-20 ).
وقال كذلك “وتكونون لي شهودا في أورشليم واليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض”( أعمال الرسل 1 : 8 ).
رسالتهم إذن كانت إلى أقصي الأرض. لذلك “في كل الأرض خرج منطقهم، وإلى أقصي المسكونة بلغت أقوالهم” ( المزامير 19 : 4 ).
ترى ماذا كان مصيرنا، لولا كرازة هؤلاء الرسل؟
لولا هؤلاء الرسل ما كانت كرازة، ولا كان إيمان، ولا كانت كنائس، ولا رسامة أساقفة وكهنة، ولا تسلسل وضع يد، وما عرفنا الإيمان الذي، سلمه الرب لهم،
وسلموه هم إلينا “تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضًا”(1كو 11).
الكنيسة تستمد كيانها من تأسيس الرسل. فالكنائس السليمة المعتقد هي الكنائس الرسولية، والتي أسسها الرسل، واحتفظت بالتسليم الرسولي وتعاليم الرسل وتقاليدهم سليمه لم تنقض.
ان الرسل هم الخزانة الذهبية التي حفظت الإنجيل الشفاهي، ونقلته من فم المسيح إلى الناس بكل أمانة. ..
إن تعليم المسيح لم يرد كله في الإنجيل( يوحنا 21 : 25 ) ووردت في الأناجيل الأربعة إشارات كثيرة إلى عظات للرب القاها في البيوت،
وفي الخلاء، وعلى شاطئ النهر أو شاطئ البحيرة، أو في الطريق… ولم يكتب لنا شيء منها. وأحاديثه مع الرسل مدى أربعين يومًا،
كل هذه أيضًا لم تسجل لنا في الأناجيل الأربعة. ولكن الرسل احتفظوا بها وعلموها للناس ( متى 28 : 20 )..
وحدثنا الكتاب عن إنجيل شفاهي. إذ قيل “جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان.. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل( مرقس 1 : 14-15 ).
فما هو هذا الإنجيل؟ إنه شفاهي حفظه آباؤنا الرسل. وقال الرب للرسل “اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها”( مرقس 16 : 15 ).
إنه نفس الإنجيل الشفاهي الذي أؤتمن عليه الرسل القديسون، الذي اوصلوا تعليمه الإلهي للعالم، بكل دقة.
استؤمنوا علي كلمة الله، لذلك اهتموا جدًا (بخدمة الكلمة)
( أعمال الرسل 6 : 4 ). وملأوا الدنيا تعليمًا، أخذوه من المسيح، ولم يكتب كلمة لنا، بعضه في رسائلهم، والبعض في قوانينهم وفي الدسقولية والبعض تركوه في التقليد،
حياة وممارسة. والبعض سلموه إلي تلاميذهم، لكي يسلموه هم أيضًا إلى اناس أمناء وأكفاء يعلمونه الآخرين ( تيموثاوس الثانية 2 : 2 ).
هؤلاء الرسل القديسون لم يقحموا أنفسهم في الخدمة، وإنما اختارهم الرب بنفسه وقال لهم “بل أنا اخترتكم”..
ولم يخترهم الرب عبثًا. بل الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم”، والذين سبق فعينهم، فهؤلاء دعاهم أيضًا”( رومية 8 : 26 ).
حتي بولس الرسول، الذى لم يكن من الاثني عشر، بل انضم أخيرًا إلى الرسل، قال عن نفسه
” لما سر الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته…”( غلاطية 1 : 15 ).
ماذا كان في هؤلاء القديسين من الفضائل ليختارهم الرب؟
أولا، كانوا متواضعين، تعلموا من الرب الوديع المتواضع القلب.
أنظروا إلى بولس الرسول، الذي صعد إلى السماء الثالثة، والذي أجر الله على يديه آيات وعجائب، وكانت له كثرة استعلانات، وتعب أكثر من جميع الرسل،
إنه يقول: “أنا الذي لست مستحقًا أن أدعى رسولًا، لأني اضطهدت كنيسة الله”، ويقول: “الخطاة الذين أولهم أنا”.
وبطرس، يقول في انسحاق بعد معجزة السمك “اخرج يا رب من سفينتي فإني رجل خاطئ”. وفي صلبه، طلب أن يصلب منكس الرأس !
ويوحنا الحبيب يقول “إن قلنا إن لم نخطئ نضل أنفسنا، ويعقوب الرسول يقول “لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا”.
إن المسيح المتواضع، الذي أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد، اختار هؤلاء الرسل المتواضعين، كما اختار أمًا متواضعة، وإنسانًا متواضعًا،
يمهد الطريق قدامه (المعمدان)( متى 7 : 11 ).
ومن أهم صفات الرسل أنهم كانوا يحبون الرب…
يوحنا الرسول كان يتكئ على صدر الرب، وقال: “نحن نحبه لأنه أحبنا قبلا ” . وبطرس الرسول حتي بعد أن أنكر قال “أنت تعلم يا رب كل شيء.
أنت تعرف أني أحبك”( يوحنا 21 : 17 ). وبولس الرسول يقول: “خسرت كل الأشياء، وأنا أحسبها نفاية،
لكي أربح المسيح، وأجد فيه”( فيلبي 3 : 8 )،
وكان يدعو الناس أن يعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة”( أفسس 3 : 19 ).
هذه المحبة جعلتهم يحتملون كل شيء من أجله، بفرح…
دخلوا في “شركة آلامه، واحتملوا من أجله الجلد والسجن والتعذيب والإهانة” أما هم فخرجوا فرحين، لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا لأجل اسمه” ( أعمال الرسل 5 : 41 )…
ونحن نكرم الرسل أيضًا، لأنهم كانوا أواني للروح القدس …
لم يبدأوا خدمتهم إلا بعد أخذهم قوة من الروح القدس. لم يتكلموا، وإنما كان روح الله هو المتكلم من أفواهم”( متى 10 : 20 ) لذلك كان كلامهم هو كلام الله.
ولما عقدوا مجمعًا، توجوا قرارهم بعبارة “رأي الروح القدس ونحن” ( أعمال الرسل 15 : 28 ). وفي اختيار برنابا وشاول فيما هم يصومون ويصلون،
قال الروح القدس أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه”( أعمال الرسل 13 : 3 ) وظل الروح يقودهم باستمرار.
حديثنا عن آبائنا الرسل لا يتنهي، يكفي أن نسجل في قداسة حياتهم قول بولس الرسول: “لكي أحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ”( غلاطية 2 : 20 ).
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة (العدد التاسع والعشرون) 20/7/1979م



