الشخصية المتكاملة

تتحدث هذه المحاضرة لقداسة البابا شنوده الثالث عن مفهوم الشخصية المتكاملة في الحياة الروحية، مؤكدًا أن الإنسان الروحي الحقيقي لا يعيش بفضيلة واحدة على حساب أخرى، بل يجمع الفضائل جميعها في تناغم واتزان. فالفضائل لا تتناقض، بل تتكامل، كما أن الله نفسه يجمع في صفاته بين الرحمة والعدل، والمحبة والمهابة، والبساطة والحكمة.
أولًا: التكامل بين الفضائل
يشدد قداسة البابا شنوده الثالث على أن الإنسان لا ينبغي أن يتمسك بفضيلة واحدة ويترك باقي الفضائل، لأن هذا يؤدي إلى اختلال في الشخصية.
فالبساطة يجب أن تقترن بالحكمة، والوداعة بالشجاعة، والطاعة بالإفراز، والمحبة بالحزم.
الإنسان الروحي يكون بسيط القلب حكيم العقل، طيبًا لكنه قوي، محبًا لكنه حازم عند الضرورة.
ثانيًا: المحبة والمخافة
من المفاهيم الخاطئة أن المحبة تلغي المخافة. فالمحبة الحقيقية لله لا تنفصل عن مخافته المقدسة.
نحب الله كأب، ونهابه كإله عظيم.
فالتكامل يظهر في اجتماع الحب مع المهابة، دون إفراط أو تفريط.
ثالثًا: الحزم والحنو
في الأسرة والرعاية الكنسية، لا يكفي الحب وحده ولا الحزم وحده.
الأب أو الأم أو الراعي الناجح هو الذي يجمع بين الحنو والحزم، بين العطف والتأديب، فلا يسمح بالخطأ باسم المحبة، ولا يقسو باسم النظام.
التكامل هنا هو أن يكون القلب محبًا والعقل مدبرًا حكيمًا.
رابعًا: التأمل والخدمة
الحياة الروحية المتكاملة تجمع بين حياة التأمل وحياة الخدمة.
فلا ينشغل الإنسان بالخدمة حتى ينسى صلاته، ولا ينعزل في التأمل حتى يترك مسؤوليته تجاه الآخرين.
الإنسان المتكامل يعرف متى يختلي بالله، ومتى يخدم الناس، فيوازن بين الاثنين بحكمة.
خامسًا: الإيمان والجهاد
الإيمان لا يعني التواكل، والجهاد لا يعني الاعتماد على الذات فقط.
الشخصية المتكاملة تؤمن بنعمة الله وتعمل في نفس الوقت.
تعتمد على الله كل الاعتماد، وتجاهد بكل قوة، قائلة: بدونك لا أستطيع أن أفعل شيئًا.
الرسالة الروحية العامة
الإنسان الروحي هو صورة الله، وصورة الله تعني الكمال المتزن.
لذلك ينبغي أن نسعى إلى حياة متكاملة، لا يغلب فيها جانب على آخر، بل تتناسق فيها كل الفضائل، فيصير الإنسان ثابتًا، حكيمًا، قويًا، ومحبًا في آن واحد.



