الإنسان وكيف يكون ضد نفسه؟

يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث عن حقيقة روحية هامة، وهي أن الإنسان قد يكون هو السبب الرئيسي في متاعبه وسقوطه، وليس الظروف الخارجية أو الناس أو حتى الشياطين. فالإنسان كثيرًا ما يضر نفسه بطريقة تفكيره، وانفعالاته، وكبريائه، وتصرفاته.
ويستشهد بقول القديس يوحنا ذهبي الفم:
“لا يستطيع أحد أن يضر إنسانًا ما لم يضر هذا الإنسان نفسه.”
🧠 أولًا: طريقة التفكير
يركز قداسة البابا شنوده الثالث على أن الأفكار قد تكون ضد الإنسان.
فالشخص الموسوس أو المتشائم أو الذي يخزن داخله صورًا وأفكارًا خاطئة، هو الذي يصنع لنفسه التعب. المشكلة ليست في الحدث الخارجي، بل في رد الفعل الداخلي والانفعال به.
ويستشهد أيضًا بقول الحكيم سليمان في سفر الأمثال:
“توجد طريق تبدو للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت.”
أي أن الإنسان قد يظن أنه على حق بينما هو يقود نفسه إلى الهلاك بعناده وتمسكه برأيه.
🔥 ثانيًا: الانفعالات والأعصاب
ليس الحدث هو الذي يدمر الإنسان، بل طريقته في استقبال الحدث.
مشكلة واحدة قد تمر على شخص بسلام، بينما تحطم آخر بسبب انفعاله الزائد أو استسلامه للحزن والقلق.
فالإنسان سريع الاشتعال، سهل الاستثارة، هو مادة قابلة للاحتراق.
أما الإنسان الهادئ المتزن، فلا تؤثر فيه النيران الخارجية.
👑 ثالثًا: الكبرياء والطباع
الكبرياء من أخطر ما يجعل الإنسان ضد نفسه.
فالمتكبر يخسر الناس ويضيع نفسه بسبب حساسيته الزائدة واعتزازه المفرط بذاته.
والكتاب يقول: “قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح.”
كذلك القسوة، والنكد، والعصبية، والاندفاع، واللسان غير المنضبط—كلها صفات داخلية تجر على الإنسان مشكلات كان يمكن تجنبها لو تحلى بالاتضاع والحكمة.
🗣️ رابعًا: اللسان والتصرفات
قد يكون لسان الإنسان هو سبب هلاكه.
كلمة غير محسوبة، أو أسلوب جارح، قد يخلق عداوات ويهدم علاقات.
وبحسب رسالة يعقوب، اللسان عضو صغير لكنه يشعل نارًا عظيمة.
✝️ البعد الروحي
الرسالة الروحية العميقة هي دعوة إلى التوبة الداخلية.
بدل أن يلوم الإنسان الظروف أو الناس، عليه أن يرجع بالملامة على نفسه، ويفحص قلبه وفكره وانفعالاته.
فالمشكلة غالبًا ليست في الخارج، بل في الداخل.
والقديسون، مثل أيوب، واجهوا كوارث عظيمة، لكنهم لم يسمحوا لانفعالاتهم أن تحطمهم.
فالانتصار يبدأ من الداخل، من تغيير القلب والفكر، لا من تغيير الظروف.
🌿 الخلاصة
الإنسان يستطيع أن يكون جبلًا لا تحركه الرياح، أو مادة قابلة للاشتعال تحترق من أقل شرارة.
فليفتش كل إنسان في داخله، لئلا يكون هو نفسه سبب متاعبه، وضد خلاص نفسه.



