تأملات في الميلاد

تأملات في الميلاد
نهنئكم جميعًا بميلاد السيد المسيح، هذا الميلاد الذي كان البدء التنفيذي لقصة الخلاص، وقصة الفداء.
ولذلك حينما حمله سمعان الشيخ على ذراعيه، قال: “الآن يا رب تطلق عبدك بسلام، لأن عينيَّ قد أبصرتا خلاصك”…
لقد جاء السيد المسيح إلى العالم، لكي: “يطلب ويخلِّص ما قد هلك”. وهذا الخلاص العظيم دفع إليه الحب… وهكذا: “أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية”.
إذًا كلما تنظر إلى صورة الميلاد، نتذكر محبة الله لنا.
إذ أنه: “فيما نحن خطاه” جاء المسيح لخلاصنا… أخلَى ذاته، وأخذ شكل العبد، وصار في الهيئة كإنسان” “وأطاع حتى الموت موت الصليب”.
إننا لا نأخذ من قصة الميلاد، درس الحب والبذل فقط، وإنما أيضًا نأخذ درسًا في الاتضاع…
كيف احتمل الرب أن يأخذ شكل العبد وأن يولد في مزود بقر، من أم فقيرة، مخطوبة إلى نجار فقير، في قرية صغيرة هي “الصُغرَى في يهوذا”؟! وكيف احتمل أن ينتسب إلى الناصرة التي قيل عنها باستغراب: “هل من الناصرة يخرج شيء صالح”!! ولكنه الاتضاع والبعد الكامل عن المظاهر، وعن محبة العظمة والمديح…
لما رأى الرب أن آدم قد سقط بمحبة العظمة وشهوة الألوهية، وكذلك الشيطان من قبله رد على ذلك، بأن أخلى ذاته، لكي يميت الكبرياء بالاتضاع.
جاء المسيح ليقدم لنا الصورة الإلهية التي فقدناها بالخطية. لقد خلقنا على صورة الله ومثاله، ولكننا في سقوطنا لم نعد كذلك. فأتى السيد المسيح يقدم لنا حياة القداسة وحياة الكمال في صورة عملية، يمكننا أن نقتدي بها في حياتنا…
وأعطانا صورة الكمال للإنسان في كل مراحل العمر.
صورة الميلاد تعطينا أيضًا فكرة عن الاحتمال: لقد وُلِدَ المسيح في أكثر أيام السنة بردًا. نقاسي البرد والفقر، كما قاسَى الاضطهاد من هيرودس، ومشقة الغربة في مصر والهروب إلى أرض غريبة…
ولكنه أحب الاحتمال، وكما بعد عن مظاهر العظمة، كذلك بعد عن الراحة أيضًا، ووجد لذة في أن يتعب لأجلنا…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الثاني) 9-1-1976م




