العمل الإيجابي

العمل الإيجابي[1]
في حياتنا الروحية علينا أن نهتم بالعمل الإيجابي البناء. ولكن فيما نحن نبني حياتنا وحياة الناس، يحاول الشيطان أن يقدم لنا سلبيات لكي ننشغل بها وتعطلنا عن العمل الإيجابي. فما هي أهمية العمل الإيجابي:
العمل الإيجابي
أمثلة للعمل الإيجابي:
1- إن السيد المسيح في خدمته، هو أروع مثل للعمل الإيجابي:
في بدء خدمته كانت توجد في المجتمع اليهودي أخطاء كثيرة، امتدت حتى شملت الكهنة ورؤساءهم وشيوخ الشعب والكتبة والفريسين. ولكن السيد استمر في عمله البنائي الإيجابي. لم يقاوم أحدًا من هؤلاء إطلاقًا. بل ظل يعلم ويعظ في كل مكان: على الجبل، وعند البحيرة، وفي الشوارع، ووسط الحقول، دون أن يلتفت إلى سلبياتهم، على الرغم من انتقاداتهم.
ترى لو انشغل السيد بمشكلة العشارين مثلًا، كيف يجمعون العشور بالظلم، ويسرقونها، وكيف يعالج الأمر، أكان بقى له وقت للعمل الإيجابي؟ إنه ترك هؤلاء واستمر يعمل…
ولكن لعل معترض يقول: ألم يصب السيد المسيح الويلات على الكتبة والفريسين؟ ألم يقل على الكهنة مثل الكرامين الأردياء؟
والجواب أنه فعل ذلك في الأسبوع الأخير فقط. وهو في طريقه إلى الجلجثة، لأنه كان بصدد وضع قيادات جديدة للشعب بدلًا من هؤلاء… أما طول خدمته، خلال كل السنوات الثلاث والثلث، فكانت عملًا إيجابيًا خالصًا… وأعطانا قاعدة المثل القائل: بدلًا من أن تلعنوا الظلام، أضيئوا شمعة.
احتمل ظلم الأشرار، وبذل جهده (لكي لا يعثرهم).
2- على نهج مثال السيد، سار في عصرنا الحديث، الأستاذ حبيب جرجس.
عاش في عصر ضائع ضعيف، لدرجة أن الكنيسة لم تجد إنسانًا يعلم الدين في الإكليريكية، فاختير الطالب حبيب جرجس ليدرس زملاءه! هذا العصر جاب[2]هت أخطاءه ثلاث فئات محبة للإصلاح:
(1) فئة المتشاجرين: تصارعت مع رجال الكنيسة، ورفعت عليهم قضايا في المحاكم. وضاعت أموال الكنيسة وجهودها في هذا النزاع. ولم تصل هذه الفئة إلى الإصلاح المنشود.
(ب) فئة الشتامين. ملأت الدنيا صياحًا وتشهيرًا، كما فعل سرجيوس وجرجس فلتاؤس عوض. ولم تصل هذه الفئة أيضًا إلى شيء…
(ج) فئة الباكين: ظلت تندب الكنيسة. ولم تصل ببكائها إلى الإصلاح.
واذ فشلت فئات المتشاجرين والشتامين والنادبين، انتهج حبيب جرجس منهجًا آخر، هو البناء. أمسك بيديه حجرين كريمين هما الإكليريكية ومدارس الأحد. ووضع أساسًا، وظل يبني.
وارتفع البناء، وامتلأت الكنيسة علمًا وروحًا. ونما العمل.
وظل حبيب جرجس يقول في قلبه الرب: “وأما شعبك فليكن بالبركة ألوف ألوف وربوات ربوات يصنعون مشيئتك”..
وألف حبيب جرجس كتبًا في اللاهوت والعقيدة والروحيات وتاريخ الكنيسة وفي الترتيل أيضًا. ووضع مناهج وكتبًا للتعليم الديني ولمدارس الأحد. وانتقل من بلد إلى بلد، يعظ ويعلم…
ونجحت طريقة حبيب جرجس، وأنتجت، وأحبه الكل. في إحدى المرات كان يعظ. وطول العظة كان البابا كيرلس الخامس يرشمه بالصليب مباركًا. وأحبه الآباء المطارنة، وقدموا له كل إمكانياتهم.
لم يضيع حبيب جرجس وقته في انتقاد الأوضاع الخاطئة، إنما ظل يبني، في هدوء، بالعمل الإيجابي المثمر… ونجح.
3– مثال ثالث للعمل الإيجابي، هو مثل “القمح والزوان”.
قال الناس للرب: أتشاء أن نذهب ونقلع الزوان؟، فأجابهم “كلا “لِئَلاَّ تَقْلَعُوا الْحِنْطَةَ مَعَ الزَّوَانِ وَأَنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ. دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعًا إِلَى الْحَصَادِ” (مت13: 28- 30).
وهكذا لم يبق الزوان فحسب، وإنما بالأكثر تركوه ينمو!! لماذا؟
“لئلا يخلعوا الحنطة مع الزوان… ما أعمقها حكمة…
4- مثال آخر: النور والظلمة من بدء الخليقة…
في قصة التكوين، نسمع أنه كان “عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ” (تك1: 2) ومع ذلك لم يقل الله “لا تكن ظلمة”. وإنما قال إيجابيًا فــ “لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ” (تك1: 3)، وبقيت الظلمة، “وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ” (تك1: 4).
يا إخوتي. سيبقى الزوان في الأرض إلى يوم الحصاد. وستبقى الظلمة في العالم، مع وجود النور…
وستبقى كل أيام الأرض كما قال الكتاب: “بَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لاَ تَزَالُ…” (تك 8: 22).
لقد أمرنا الرب ألا نخلع الزوان. وقال لنا أيضًا: “لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ” (مت5: 39). ولحكمة أمرنا بهذا. فما هي؟
لئلا تقلعوا الحنطة!!
1- أول ضرر يصيبنا في خلع الزوان هو تبديد الطاقات…
إنسان في مقاومة الشر، وفي خلع الزوان، يبدد طاقته، يضيع جهده، يضيع وقته، يتلف أعصابه… فلماذا هذا الإتلاف؟! كان يمكن استخدام هذه الطاقات كلها في البناء والعمل الإيجابي…
إن الشيطان إذا وجد إنسانًا يبني، لا مانع من أن يعاكسه ببعض السلبيات، لكي ينشغل بها ويترك البناء..
وإن لم توجد سلبيات، لا مانع عند الشيطان من أن يخترعها اختراعًا، بأكاذيب، بإشاعات، بسوء فهم. ما أشطر الشيطان في استنزاف طاقات البنائين وتحويلها إلى السلبيات!!
2- ما أسهل في خلع الزوان، أن يفقد الإنسان سلامه…
يفقد سلامه الداخلي، ويفقد سلامه مع الناس، ويقضي الحياة كلها صراعًا وشجارًا وحروبًا. في داخله غضب وثورة على الأوضاع، وفي خارجه بركان ينفجر وينفث حممًا.
أما الإنسان الروحي فهو كينبوع صاف تنظر فيه صورة الله…
والذي يفقد سلامه الداخلي، لا يستطيع أن يمنح غيره سلامًا. ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه. إن الذي يصارع مع الله لأجل الخير، يمتلئ قلبه سلامًا ورجاءً، أما الذي يصارع الناس، فكثيرًا ما يمتلئ ضيقًا وهمًا واضطرابًا..
3- وكما يفقد سلامه في خلع الزوان، قد يفقد أيضًا وداعته:
يفقد بشاشته، وابتسامته، وهدوئه، وطيبة قلبه. وغالبًا ما يتحول في خلع الزوان إلى إنسان قاسي القلب، يضرب، ويحطم، ويهدم، بلا رحمة، بلا لطف، في غضب، في هياج، في ثورة، بلا وداعة…
تنظر إليه، فتراه زوانًا. أين حنطتك أيها الأخ؟! مسكين أنت! فيما تخلع الزوان، قلعت الحنطة أيضًا، وصرت زوانًا!!
نعم، كثيرًا ما نجد الذين يخلعون الزوان أشخاصًا عصبيين، وجوههم متجهمة، وألفاظهم شديدة، وأحكامهم قاسية، وقد فارقهم “الروح الوديع الهادئ” وبغتهم روح الضيق والقلق، واحمرار العينين، واندفاع الدم في كل عروقهم…
العجيب أن مثل هذا الإنسان قد يعتذر بأنه يدافع عن الحق، والحق منه برئ، لأن الحق لا يوافقه على هذه الأخطاء…
إنه فيما يخلع الزوان، أو ما يظنه زوانًا، قد خلع من نفسه الوداعة والهدوء والسلام والطيبة والبشاشة وحسن المعاملة واللطف، وماذا أيضًا؟
4- قد يفقد أيضا المحبة، فكثيرا ما ينحرف الخلاف حول المبادئ، ويتحول الى خلاف شخصي. يتحول من العقل إلى القلب.
مثل هذا الإنسان قد يصير صخري العواطف، كثير الشجار، يقول مفتخرًا: أنا صريح في الدفاع عن الحق، أقول للأعور “أنت أعور” في عينه!! يا أخي، وهل من المحبة أن تقول هذا؟ وأن تجرح شعور الناس؟ وهل الصراحة هي فقدان المحبة نحو الآخرين.
ولكنه فيما يخلع الزوان، خلع الحنطة، وصار زوانًا.
5- وغالبًا ترى هذا الإنسان وقد فقد تواضعه أيضًا:
كثيرًا ما نرى خالعي الزوان يعيدون إلى ذاكرتنا مثال “الفريسي والعشار”. حيث وقف الفريسي يفتخر قائلًا: “اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ” (لو18: 11).
يظن هذا المصلح المسكين أنه أكثر من غيره نقاوة، وأكثر منه معرفة، وأدرى منه بالصلاح والإصلاح. فينتقد غيره ويجرحه، في انتفاخ وكبرياء…
يظن أن الغيرة التي فيه، ليست في أحد. ويظن أنه البطل المدافع عن الحق، والشجاع الذي جسر على خلع الزوان!!
أين حنطتك أيها الأخ؟ إنك تبدو كالزوان في صفاته، فالزوان أيضًا خال من المحبة والاتضاع، وخال من السلام والوداعة!!
6- وقد يفقد هذا الإنسان عدله، ويصبح عينًا لا تبصر سوى الأخطاء، بينما الذي في غيره لا يراه.
ما أصعب أن يتحول الإنسان إلى عين ناقدة، تبحث عن الأخطاء، ولا تعطي عن غيرها سوى صورة سوداء! لا ترى الخير، ولا تمدح فضائل الغير. عين تتجول في الحقول، باحثة عن الزوان لكي تخلعه، غير ناظرة إلى الحنطة الجميلة في الحقل. لقد تعودت ألا تبصر سوى الزوان.
7- ومثل هذا الإنسان كثيرًا ما يقع في خطية الإدانة..
وقد يتطور في الإدانة إلى التشهير… وكل ما في قلبه، يصبه في آذان الناس، وفي أفهامهم، ظانًا أن هذا هو طريق الإصلاح.
8- وهكذا يصير دون أن يدري عثرة للآخرين.
ويصير أولاده من نوعه، وأحباءه ومعارفه من نفس النوع. كما قيل عن الشجر في سفر التكوين “بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ”، “يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِه” (تك1: 12، 11).
اخرج الخشبة من عينك
إن كل الذين تركوا العمل الإيجابي، وتفرغوا لخلع الزوان، لم يستفيدوا شيئا. وغالبيتهم خلعوا حنطتهم، وصاروا زوانًا…
إن كانت في قلبك أيها الأخ غيرة مقدسة لخلع الزوان، فاخلع أولًا الزوان الذي فيك. أخرج أولًا الخشبة من عينيك، وحينئذ تبصر جيدًا… اخلع ما في قلبك من قسوة، وكبرياء، وعدم محبة وعدم وداعة… حينئذ تخرج القذى من عين أخيك.
يا إخوتي الأحباء. ليس عملنا أن نخلع الزوان، إنما أن ننمو كحنطة. وعندما يأتي الحاصد العظيم، يجد سنابلنا مملؤءة قمحًا، فيجمع منها ثلاثين وستين ومائة، وتمتلئ أهراؤه قمحًا…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “العمل الإيجابي”، مجلة الكرازة 1 أغسطس 1975م.




