وأما من عمل وعلّم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات

وأما من عمل وعلّم [1]
فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات
“وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ فَهَذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (مت5: 19).
من عمل:
العظة على الجبل – من أولها إلى آخرها – حديث عن الأعمال.
فبينما يقول الرب في أولها: “يَرَوْا (الناس) أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت5: 16). يقول في آخرها: “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” (مت7: 21). ويقول أيضًا: “كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ…” (مت7: 24).
وأيضًا في قوله: “مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ” (مت7: 20). كلمة “ثمار” تعني بلا شك: الأعمال. ولكي تعمل، لا بد أن تعرف الوصية لتعمل بها.
إذن بثلاثة تتعلق الحياة الروحية: تعلَم، وتعمل، وتُعلم.
“تعلم” أي أن تقرأ الكتاب، وتعرف وصايا الله، في روحها ثم “تعمل” فتختبر هذه الوصايا في حياتك عمليًا. كيف يمكن التنفيذ؟ وما هي العوائق التي تصادفك؟ وكيف تنتصر عليها؟ وبعد ذلك تُعلِم عن خبرة، وفي قدوة لغيرك.
والسيد المسيح أيضًا، كان يعمل ويعلم…
كان ينفذ كل الوصايا لكي “يُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ” (مت3: 15). وهكذا استطاع أن يتحدى جيله قائلًا: “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟” (يو8: 46). وهكذا قيل أيضًا عنه إنه: “قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ” (عب7: 26).
وإذا عمل وعلم ترك لنا “مِثَالًا” (يو12: 15) حتى “كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هَكَذَا نَسْلُكُ نحن أَيْضًا” (1يو2: 6).
عيب في الكتبة والفريسيين أنهم كانوا يُعلمون دون أن يَعملوا!
وهكذا قال عنهم السيد الرب: “عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ. فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ وَلَكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ” (مت23: 2، 3). ولأنهم لم يختبروا الحياة الروحية عمليًا، كانوا قادة عميانًا. وكانوا “يَحْزِمُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ” (مت23: 4، 16). كانوا أكثر الناس تدقيقًا وتضييقًا!
أمنا حواء – رحمها الله – كانت تعلم ولا تعمل.
عندما قالت لها الحية: “أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟” أجابت حواء بكل تدقيق: “مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ. وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلَّا تَمُوتَا” (تك3: 1-3). وعلى الرغم من الدقة في عبارة (ولا تمساه). قطفت وأكلت وأعطت آدم!
من يُعلّم:
إن العلم الحقيقي، ليس مجرد المعرفة النظرية بل الاختبارية أيضًا.
والمعلم الحقيقي هو الذي يسير في الطريق الروحي قبل أن يُعلم بها الآخرين. فلا تكفي مجرد معرفة الوصية. بل حتى هذه المعرفة ينبغي أن تكون بعمق، معرفة الروح وليس الحرف “لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ” (2كو3: 6). ثم معرفة الاختبار.
ما أكثر من يُعلم مثلًا عن (الوداعة) وأهميتها في الحياة الروحية. دون أن يعرف ماذا تكون الوداعة؟ وكيف تكون؟ وما أكثر الذين يتكلمون عن المثاليات، دون أن يمارسوا شيئًا منها. وقد يدينون غيرهم في مجال المثاليات. وهم أعداء ما جهلوا…
لذلك ليس كل شخص يصلح أن يكون مرشدًا روحيًا لغيره. بل الذي عمل أولًا، وعرف حقيقة الطريق الروحي، ومطباته وحروبه. وحيل العدو ومكره. كما قال القديس بولس الرسول: “لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ” (2كو2: 11).
والذي يعلِّم ويدعى عظيمًا في ملكوت السماوات، لا بد أن يكون شفوقًا طويل الأناة، عارفًا بالنفس البشرية.
وهكذا الله المُعلِم: لما سقطنا، أشفق علينا. وعلمنا طرق الخلاص. وقيل عن شفقة ربنا يسوع المسيح المعلم الصالح: إنه “لَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا” (مت9: 36) …
وقال القديس بولس الرسول عن مثل هذه الشفقة: “أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هَذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا” (غل6: 1). وقال أيضًا: “اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ” (عب13: 3).
ومن أسباب الشفقة، معرفة قوة العدو، وضعف الطبيعة البشرية.
في هذا قال القديس بطرس الرسول: “اُصْحُوا وَاسْهَرُوا لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ” (1بط 5: 8، 9). وأيضًا قيل عن الخطية في سفر الأمثال إنها “طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ” (أم7: 26).
لذلك فالمُعلم الشفوق يشجع، لكي يقيم الساقطين ويمنحهم قوة للقيام. واضعًا أمامه قول الكتاب: “لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي. إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ. إِذَا جَلَسْتُ فِي الظُّلْمَةِ فَالرَّبُّ نُورٌ لِي” (مي7: 8). وكذلك ما ورد في سفر الأمثال إن “الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ” (أم24: 16).
والمعُلم الحقيقي يقدم التعليم بتدريج، على قدر الاحتمال.
كما قال القديس بولس لأهل كورنثوس: “سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ…” (1كو3: 2). وهكذا نرى يسوع المسيح وبخ الكتبة والفريسيين لأنهم كانوا يضعون على أكتاف الناس أحمالًا عسرة الحمل (مت23: 4). أما هو – فمن الناحية المضادة – كان يقول: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28).
كذلك مفروض في المعلم، أن يقدم التعليم السليم.
كما قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيطس أسقف كريت: “وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ” (تي2: 1). وكان يشترط أن يكون الأسقف “صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ” (1تي3: 2)، “مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ” (تي1: 9). هكذا قال لتلميذه تيموثاوس أسقف أفسس: “وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أوْدِعْهُ أنَاسًا أمَنَاءَ، يَكُونُونَ أكْفَاءً أنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أيْضًا”(3تي2: 2).
حسن أن يعمل الإنسان ويعلم، بشرط أن يعلم تعليمًا سليمًا، وإلا فإنه يقع في دينونة إن أخطأ في التعليم.
وفي هذا قال القديس يعقوب الرسول: “لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا” (يع3: 1، 2). وقال القديس يوحنا الرسول: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ وَلاَ يَجِيءُ بِهَذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ الشِّرِّيرَةِ” (2يو10، 11). ولذلك قال: “لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ”(1يو4: 1).
لذلك – مع عظمة التعليم – ليس لكل إنسان سلطان أن يعلم.
كما قال الرسول: “كَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟”(رو10: 15).
إن رب المجد أرسل تلاميذه لكي يتلمذوا جميع الأمم ويعلموهم (مت28: 19، 20). “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ” (أف4: 11). وقال عن مواهب الروح القدس: “فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ. وَلِآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ” (1كو12: 8)، وتساءل في تعجب “أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟” (1كو12: 29).
والكنيسة منحت سلطان التعليم لأناس أمناء أكفاء (2تي2: 2).
تأتمنهم على التعليم. وبالأكثر على نقاوة التعليم. بتوصيل تعليم الكنيسة لأبنائها. وليس فكرهم الخاص. والذين شذوا وقدموا تعليمًا خاطئًا، أخذت الكنيسة موقفًا ضدهم – كالهراطقة ومنعتهم من التعليم.
والمعلمون الأمناء منحتهم رتبًا كنسية تسمح لهم بالتعليم.
منها درجات الكهنوت، ورتب الشمامسة، لكي يميزهم الناس عن غيرهم ممن يقيمون أنفسهم معلمين بغير تفويض من الكنيسة. وقد ينحرفون ويضلون آخرين. والذين نالوا درجة ولم يكونوا أمناء للتعليم عزلتهم.
إن الرب قد طوب من عمل وعلم. غير أن العمل بالوصية هو للكل. ولكن التعليم ليس لكل أحد.
وهكذا يقول القديس بولس الرسول: “إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ” (1كو9: 16). ونسأله ما هي هذه الضرورة الموضوعة عليك؟ فيجيب “قَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَة” (1كو9: 17).
ونراه يقول للأسقف تيموثاوس، الذي بأسقفيته قد اؤتمن على وكالة “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ اذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” (1تي4: 16).
وفي تفسير “وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ”، يأمره في رسالته الثانية قائلًا: “اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ” (2تي4: 2).
الآباء والأمهات أيضًا – بالنسبة إلى أبنائهم – قد استؤمنوا على وكالة ليعلموهم طريق الرب حسبما أمر منذ القديم (تث6: 7).
حيث قال الرب عن وصاياه: “وَقُصَّهَا عَلى أَوْلادِكَ وَتَكَلمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ”.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “وأما من عمل وعلم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات”، جريدة وطنى: 7 أكتوبر2001م، كما تم نشرها في 16 مارس 2003، وأيضًا في 26 أغسطس 2012، وأيضًا في 11 يناير 2015م.




