مركز الله في الخدمة

مركز الله في الخدمة[1]
ما أكثر الكلام الذي يمكن أن يقال عن الخدمة. ولكن من أهم ما يقال هو مركز الله في الخدمة: الله الذي هو سبب الخدمة، وهو الداعي لها، وهو العامل فيها، وهو غايتها وهدفها.
نقول ذلك، لأن كثيرًا من الخدام يتحدثون في موضوعات عديدة، ما عدا الله! لا ترى الله في كلماتهم. ولا يدخلون الله في قلبك، ولا يدخلونه في حبك، ولا في فكرك ولا في حياتك…!
كلامهم مجرد معلومات، تزيدك معرفة، ولكن ليس في الإلهيات، وليس عن الله… ربما عن الفضائل، عن التاريخ، عن مشاهير الشخصيات، عن العقيدة، عن الطقس، دون أن يبدو الله واضحًا في كل هذا…! وهنا نود أن نبدي بضعة ملاحظات منها:
1- إن الخدمة هي تواضع من الله:
فالله يستطيع بلا شك أن يعمل كله وحده. يستطيع أن يحول كل العالم إلى قديسين. يستطيع أن يدبر كل أمور الخدمة بدونك وبدوني، وبغير احتياج إلى أحد. يمكنه بروحه القدوس أن يغير القلوب، وأن يقود الخاطئ إلى التوبة…
ولكنه من تواضعه، أراد أن يشركنا معه في عمله.
أدخلنا في شركة الروح القدس، لكي يعمل بنا، ويعمل معنا، ويعمل فينا، ويعطينا نصيبًا معه في الخدمة، نسير فيها مع روح الرب، هو يعمل كل شيء، وينسبه إلينا…!
هل بعد هذا ننسى الله في الخدمة؟ أهذا يليق؟!
بل أعجب من هذا أن إنسانًا يتخذ الخدمة ليبني نفسه! ينحرف بالخدمة، فتحل الذات محل الله! يريد أن يبني بها مركزًا له. وشهرة وسمعة وسلطة! ويكوّن له مذهبًا فكريًا، ومجموعة خاصة… وربما بهذا تدخل الخدمة في نزاعات وانقسامات.
ويوجد بولس وأبولس. وتقف الذات في محيط الخدمة ليقول (الخادم): ما مركزي في الخدمة؟ وما حقوقي وكرامتي؟ …
وهكذا يدور الجهد كله حول الذات، ويختفي اسم الله…! بينما الله هو الأصل…
2- الله هو الذي يدعو إلى الخدمة…
لقد قال السيد المسيح لتلاميذه: “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ” (يو15: 16). وهؤلاء “الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ” (رو8: 29).
إن الله هو الذي يدعو، وهو الذي يختار، وهو الذي يعين: “وَلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ (الكرامة) بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا” (عب5: 4) سواء من جهة الكهنوت أو باقي الخدام، من جهة الاثني عشر، كما من جهة السبعين (لو10: 1)، أو غير هؤلاء وأولئك. إنه يقول للآب: “كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ” (يو17: 18).
إذن الخدمة إرسالية، يرسلها الله، ويختار لها من يشاء. هي عمله، والكرم هو كرمه، وهو يقيم فيه من يشاء من الوكلاء، يعملون في الكرم تحت إشرافه… كيف إذن نعمل في الخدمة. دون أن يكون الله هو الأساس في كل شيء؟! إنه ليس فقط الذي يدعو ويختار ويرسل. وإنما أيضًا:
3- الله هو المتكلم في الخدمة:
لا يجوز في الخدمة أن يتكلم أحد من ذاته، حتى بلعام نسمعه يقول: “الكَلامُ الذِي يَضَعُهُ اللهُ فِي فَمِي بِهِ أَتَكَلمُ” (عد22: 38).
إذن الخادم هو شخص يتكلم بما يضعه الله في فمه. هو مجرد شخص يأخذ من الله، لكي يوصل للناس. وما عليه إلا أن يكون موصلًا جيّدا لكلمة الله. إنه شخص ناطق بالإلهيات… إننا نقرأ كثيرًا في سفر اللاويين هذه العبارة: “وَقَال الرَّبُّ لِمُوسَى… قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ…” (لا1: 1، 2)، (لا4: 1، 2) (لا7: 28، 29) (لا11: 1، 2).
وهكذا كان موسى يأخذ من فم الله، ويكلم الناس. موسى ما كان يعرف أن يتكلم. وقد سبق أن قال للرب: “لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ”. فأجابه الله: “أَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعَلِّمُكَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ” (خر4: 10، 12).
وهوذا ربنا يسوع المسيح يقول لتلاميذه قولًا معزيًا: “لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ” (مت10: 20).
ما أجمل هذا، إن الإنسان لا يتكلم من ذاته، إنما يوصل كلمة الله للناس، وليس فكره الخاص، ولا مفهومه الخاص، وإنما فكر المسيح (1كو2: 15). بل هوذا بولس الرسول نفسه بكل مواهبه يطلب من أهل أفسس أن يصلوا بكل صلاة وطلبة في كل وقت من أجله… وتسأله لماذا؟ فيقول:
“لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي” (أف6: 19). إنه يطلب أن يعطيه الله الكلام الذي يقوله… أليس هذا درسًا لنا نتعلمه من هذا القديس العظيم، أعظم كارزي المسيحية؟! فهل أنت تصلي من أجل هذا أيضًا، لكي يعطيك الله كلمة عند افتتاح فمك غير معتمد على ذكائك ومعلوماتك وخبرتك…؟!، فالله هو “الرَّبُّ يُعْطِي كَلِمَةً. الْمُبَشِّرَاتُ بِهَا جُنْدٌ كَثِيرٌ” (مز68: 11).
فإن كنت لم تأخذ من الله، فمن الخطورة أن تتكلم. نعم من الخطورة أن تملأ أذهان الناس بكلام بشري، أو كما يقول الرسول: “بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ” (1كو2: 4)، وليس بكلام الله.
اسكب نفسك إذن أمام الله قبل الخدمة، لكي يعطيك الكلمة المناسبة النافعة للناس. الله إذن هو الذي يدعو ويرسل وهو الذي يعطي الكلمة. وماذا يعطيه أيضًا؟
4- الله هو الذي يعطي القوة والتأثير:
لقد أمر السيد المسيح تلاميذه ألا يبرحوا أورشليم حتى “تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي” (لو24: 49). وماذا كانت تلك القوة؟ لقد قال لهم: “لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا” (أع1: 8). وفعلًا لم يخدموا إلا بهذه القوة التي أخذوها من الروح القدس…
فإن كنت لم تأخذ قوة من الروح القدس، فبأي قدرة يمكنك أن تخدم؟!
إعداد الخدام:
هنا ولعلنا نسأل: كيف يكون إعداد الخدام للخدمة؟
كثيرون يعدونهم بالمناهج: مناهج تربوية، ودروس في الكتاب وفي التاريخ، وفي العقيدة وفي الطقس، مع تداريب عملية تحت إشراف. وكل هذا نافع، ولكنه ليس كل شيء… ولا هو قبل كل شيء. وإنما… لا بد من الإعداد الروحي، الذي يمتلئ فيه الخادم من روح الله، ليأخذ منه ما يعطيه.
لا يأخذ منه فقط الكلام، وإنما أيضًا القوة والروح والتأثير، كما يأخذ منه كذلك الحب العميق الذي يحب به المخدومين، ويسعى به إلى خلاصهم بكل اجتهاد.
لقد قال بطرس الرسول كلمة في يوم الخمسين نخست القلوب. فآمن ثلاثة آلاف من اليهود، إذ قد “نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ” (أع2: 37). واعتمدوا في ذلك اليوم (أع2: 41). فكيف حدث ذلك؟ هل كلمة عادية تُحدِث كل هذا التأثير؟ كلا، وإنما:
كانت الكلمة تحمل قوة، تحمل روحًا، وتحمل أيضًا لسامعيها قدرة على التنفيذ…
هناك فرق بين إنسان يقول لك كلامًا، فتقتنع به، ومع ذلك تشعر بعجزك عن التنفيذ، وبين إنسان آخر يعطيك الاقتناع ومعه القدرة على العمل. المسألة ليست مجرد ثقافة أو لباقة أو قدرة على التخاطب. إنما روح يصل إلى السامع مع الكلام الذي يصل إلى أذنيه.
إذن تحضيرك للدرس هو تحضير نفسك روحيًا…
لكي تكون في حالة روحية، تملأ فيها النعمة قلبك، وتمنحك مع الكلمة قوة وتأثيرًا. وتستطيع أن تحضر الله معك، يدخل إلى الفصل. وهو الذي يتكلم على لسانك، وهو الذي يعمل في القلوب وفي الاسماع. ويشعر السامعون أن الله كان معهم أثناء الكلمة.
ويقولون: حقًا إن هذه الكلمة مملوءة من روح الله… كنا نشعر أثناءها أن روح الله يحرك قلوبنا. ويشعل إحساساتنا ومشاعرنا.
الخادم الحقيقي هو إنسان حامل الله (ثيؤفورس):
مثل لقب القديس أغناطيوس الأنطاكي، إنه يحمل الله معه أينما سار. وينقله إلى الناس، إنه إنسان عاش مع الله، وذاق حلاوة العشرة مع الله. وهو يقدم هذه المذاقة إلى الناس. ويقول لهم: “ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!” (مز34: 8).
لذلك نقول إن هناك فرقًا بين الخدمة والتدريس…
التدريس هو توصيل المعلومات إلى العقول من شخص تربوي خبير بطرق التعليم. أما الخدمة فهي توصيل الناس إلى الله عن طريق شخص روحي لا يعطيهم مجرد معلومات، إنما يعطيهم روحًا، ويعطيهم حبًا لله ولملكوته…
عندنا في مدارس الأحد مدرسون كثيرون ليسوا خدامًا.
عندنا كثيرون يقرأون الكتب، ويمتلئون بالمعلومات، ولهم قدرة على تفهيم الآخرين هذه المعلومات. ولكن هل هذه هي الخدمة؟!
إن هذا تعليم وليس خدمة… أما الخدمة فهي روح ينتقل إلى السامعين فيشعلهم بمحبة الله. وهكذا يكون الخادم: يوصل الروح والحب، وليس مجرد الكلام.
إنه شخص يحب الناس، وينقل إليهم محبة الله.
إنه ثابت في الله. وبالتالي ثابت في المحبة، لأن “اَللهُ مَحَبَّةٌ” (1يو4: 16). والله يدرب خدامه على الحب، لأن الحب عنصر لازم للخدمة، بدونه تصبح الخدمة مجرد نشاط.
والمحبة التي في القلب هي التي تخدم. ولا تستريح حتى توصل كل نفس إلى قلب الله.
إن كنت لم تصل إلى هذه المحبة، فأنت لم يتم إعدادك بعد للخدمة.
ولكن أيَة محبة؟ نجيب: تحب الناس كل الحب، كما يحبهم الله. تحبهم لأنهم إخوتك، ولأنهم أولاد الله. تحب خلاص أنفسهم، وتحب أرواحهم لكي توصلها إلى الله. تحب الكنيسة التي هي جسده وتحب الملكوت الذي هو متعة الناس بالله. ومن كل قلبك تريد أن الجميع يحبون الله، “لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً” (1يو4: 19).
الخدمة ليست مجرد معرفة تنتقل من عقل إلى عقل، إنما هي روح وحياة يمتصها المخدوم من الخادم. من خادم يحلّ الله فيه، وينتقل حبه إلى السامع، فيشعر بنفس الحلول… ومسكين هو ذلك الخادم البعيد عن الله، أي فراغ يقدمه لسامعيه؟ وكيف يقدم الله للناس وهو لم يختبره؟!
وما أجمل المثل القائل: فاقد الشيء لا يعطيه.
ونود هنا أن نقدم مثالًا من سفر الرؤيا يوضح علاقة الرب بالكنيسة وبالخدام:
مثال المنائر والكواكب:
قال القديس يوحنا الرائي إنه أبصر الرب في وسط سبع منائر من ذهب هي السبع الكنائس، ويمسك في يمينه سبعة كواكب هي ملائكة الكنائس (رؤ2: 1)، (رؤ1: 20).
والرؤيا تشرح كيف أن الله في وسط الكنيسة “الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ”. أليس هو الذي قال: “حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ” (مت18: 20). أو ليست هذه هي صورة خيمة الاجتماع في وسط خيام الشعب كله… والله يكون في وسط الكنائس عاملًا ومدبرًا ومقويًا، ومعطيًا كلمة للمتكلمين.
إنه النور الحقيقي. وبنوره تنير هذه المنائر السبع… إنه الزيت المقدس الذي تتشبع به الفتيلة، فتضيء في المسرجة. وهو عصارة الحياة التي تسري في الكرمة، فتنتعش وتنمو وتثمر. وهو الذي يمسك الخدام في يمينه، ويحركهم حيث يشاء.
يمينه هي التي تتحرك بهم، فيخيل إلى الناس أن الخدام هم الذين يتحركون.
وفيما هم في يمينه، يغني كل خادم بمزمور داود قائلًا: “يَمينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً. يَمينُ الرَّبِّ رَفَعَتْني” (مز117: 15، 16). وإن كان الخادم في يمين الله فلا يمكن أن يشرد أو ينحرف أو يضل. لأنه لا يتحرك من ذاته، بل يمين الله هي التي تحركه.
عليك إذن أن تتأكد من وضعك. إن لم تكن في يمين الله، فلا يمكنك إذن أن تخدم.
إذن إعداد الخدام في جوهره هو وضعهم في يمين الله، فيعمل بهم، ويتحرك بهم من موضع إلى موضع، كمجرد أداة طيّعة في يديه. كل منهم طينة ناعمة ليّنة، طيّعة في يدي الفخاري العظيم، يصنع بها آنية للكرامة (رو9: 21) إنها الخدمة الفعالة الناجحة.
والخادم يحاول باستمرار أن يستمد قوة من الله تتجدد فيه كل يوم.
إنه يصلي باستمرار ويقول: إن العالم يا رب كما ترى يزخر بفنون متعددة من الفساد، ومن أنا حتى أقاوم المنجذبين إليها؟ أنت يا رب الذي تستطيع أن تمنح القوة لي، ولهؤلاء السامعين، فأعطني كلمة من عندك، وأعطني حكمة أسلك بها، واحفظني حتى لا أكون عثرة لأحد. أنت ترشدني وترشدهم، تعلمني وتعلمهم، ترعاني وترعاهم، وتقودني وإياهم إلى المراعي الخضراء وينابيع المياه الحية.
وكما قال القديس أوغسطينوس: “إنني أبدو معلمًا لهم، ولكنني تلميذ معهم في فصلك. وقد أبدو راعيًا لهم، ولكنني واحد منهم في قطيعك”. بهذا تُدخِل الله معك إلى الخدمة، ويكون الدرس الذي تلقيه، هو درس من الله لك ولهم. درس في محبة الله والالتصاق به. وهكذا يكون الله هو الدرس وهو أيضًا المدرس.
وبهذه تكون الخدمة عبارة عن نعمة من الله تعمل في إنسان من أجل إنسان آخر، لتربط كليهما بالله. أو تكون الخدمة هي شركة الروح القدس حيث يشترك الروح مع الخادم من أجل المخدومين، وإن كانت الخدمة هكذا، فماذا يكون التكريس إذًا؟
التكريس هو نمو في الحب، حتى يصبح القلب كله لله، والوقت كله لله، في مناجاته أو خدمته.
ولكن ماذا عن الذين ينهمكون في الخدمة، حتى تنسيهم الله؟ هؤلاء لم يفهموا الخدمة بمفهومها السليم، وظنّوها مجرد دروس ومعلومات!! أو مجرد أنشطة وحركة! أو هم قد انشغلوا بالوسيلة عن الهدف! أو جعلوا ذاتهم هي محور الخدمة، وبعدوا بالخدمة عن الله نفسه.
الخدمة ليست مجرد معرفة… فالمعرفة كانت أول حرب للإنسان. لذلك حينما اشتهى شجرة المعرفة (تك3) وأكل منها، فصار جاهلًا. لأنه اشتهى “معرفة الخير والشر” وليس معرفة الله، الذي نقول له في القداس الإلهي: “أعطيتني فضل معرفتك”… هذه المعرفة التي قال عنها ربنا يسوع المسيح لله الآب: “هَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ” (يو17: 3).
والاقتصار على المعرفة يخرج علماء وليس متدينين.
ما أكثر الذين يعرفون، ويعلمون ويشرحون، وحياتهم خالية من الله! وإن جادلتهم في شيء يضجون ويثورون، ولا تبدو في ملامحهم صورة الله! ما أكثر العلماء، ما أقل القديسين… ومع ذلك نحن نحب المعرفة. ولكن أية معرفة؟ معرفة الله ومعرفة طرقه، كما قال داود النبي للرب: “أظْهِرْ لي يَا رَبُّ طُرقَكَ، وعلِّمْني سُبُلَكَ” (مز25: 4).
وأيضًا المعرفة المتواضعة التي لا تنفخ (1كو8: 1). والمعرفة التي هي مجرد وسيلة تقود إلى الله. لأن كثيرين ملأوا عقولهم وعقول الناس بمعلومات ينطبق عليها قول الكتاب: “الَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْناً” (جا1: 18). فابحث معلوماتك من أي نوع هي؟
البعض ظنوا الخدمة مجرد أخلاقيات لا روحيات.
والأخلاقيات موجودة في الفلسفة أيضًا، وخارج نطاق الدين، كما في الفلسفة الرواقية مثلًا. وتجدها في بعض الديانات البدائية، كما في الهندوسية والبوذية. ولكن هناك فرقًا بين الأخلاقيات والروحيات. فالواحدة منها قد تكون مجرد سلوك، بينما الأخرى فيها روح الإنسان تتعلق بروح الله. وما أكثر ما نجد إنسانًا مهذبًا، ولكن لا علاقة روحية بينه وبين الله!
إذن في الخدمة هناك مستويات تتطور من مجرد المعلومات، إلى الأخلاقيات إلى الروحيات، والإلهيات.
فمن أية الأنواع أنت وخدمتك؟ وهل تحرص في خدمتك أن تربط مخدوميك بالفكر، أم بالمجتمع، أم بك أنت؟ أم تربطهم بالله. هل تعلمهم مجرد الخلق الكريم، أم تدربهم على القداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب، وعلى نقاوة القلب التي يصبحون بها صورة الله، ويؤهلون لسكنَى الله فيهم، بالإيمان؟
الفضائل لازمة، ولكنها ليست منفصلة عن الله، وكذلك المعلومات.
وما أقوله في ذلك عن الخادم في الكنيسة، أقوله أيضًا عن الأب والأم في البيت، فهل التربية المنزلية هدفها إيجاد أبناء مؤدبين هادئين، أم إيجاد أبناء لله، تربطهم بالله علاقة حب، وعلاقة طاعة وانتماء، ليكونوا مقدسين له فكرًا وجسدًا وروحًا.
ولهم سلوك طيب… نابع من محبتهم لله ولوصاياه… ولهم اهتمام بأبديتهم حيث يتمتعون بالله وملكوته… ويعدون أنفسهم باستمرار لسكنَى الله فيهم…
هذا المنهج هو الذي يدخل في التدريس فيعطيه روحًا.
أمثلة في التعليم:
1– في الكتاب المقدس هل تقدم فيه معلومات، أم قصة الله مع الناس في محبته ورعايته واحتماله؟
أتحكي قصص الكتاب كما تحكي روايات من التاريخ المدني؟ أم تركز على الله ومعاملاته. الله الذي أحب البشر قبل أن يوجدوا، ومن أجل هذا خلقهم. وفي محبته رعَى وهدَى وفدَى.
إنه “عِمَّانُوئِيلَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ اَللهُ مَعَنَا” (مت1: 23). وما الحديث عن الخلق، سوى حديث عن محبة الله الخالقة، وعن قدرة الله الفائقة، وعن حكمة الله المدبرة، التي رتبت للإنسان كل شيء قبل أن يخلقه الله…
2– وإن تحدثت عن الخطية والتوبة، أيكون حديثًا عن الله؟
فالخطية ليست مجرد فساد وضلال، إنما هي بالأكثر انفصال عن الله، وتمرّد على الله. والتوبة ليست مجرد إصلاح السيرة، إنما هي بصورتها السليمة تصالح مع الله ورجوع إلى الله، وتغيير المسيرة من محبة العالم إلى محبة الله. وهكذا تكون الدعوة إلى التوبة: لماذا تحيا بعيدًا عن الله، محرومًا منه؟! اقترب إذن إليه وتمتع به وبعشرته، كما يقول المرتل: “ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!” (مز34: 8).
3– وعلى هذا النحو فكيف يكون تدريس سير القديسين؟
هل هو مجرد سرد لتاريخ حياتهم وأعمالهم؟ أم كيف أعد الله هذه النفوس، حتى وصلت إلى ذلك المستوى العالي؟ وكيف قوّاها وحفظها؟ وكيف أحبّوه هم من كل القلب، وظهرت هذه المحبة في حياتهم.
هل قصة القديس هي قصة حياته: أم هي حكاية الله داخل هذا الإنسان؟
أو هي قصة عمل الله فيه، ومحبة الله له، ومحبته هو لله. وكما لخّص بولس الرسول تاريخ حياته بقوله: “فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غل2: 20). أنستطيع إذن أن نحكي سير القديسين بدون حياة الله فيهم؟! بدون المواهب التي من الله، وقيادة الله لهم “فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ” (2كو2: 14).
وقصة الحب الإلهي الذي أغناهم عن محبة الأقرباء والأصدقاء والمعارف. وكما قال الشيخ الروحاني: “محبة الله غرَّبتني عن البشر والبشريات”.
4- والنعيم الأبدي: هل نصفه بعيدًا عن الله؟!
هل هو مجرد سماء، ومجرد نعم وملكوت، وأورشليم السمائية؟ وهل هي جنة؟ أم النعيم السمائي هو التمتع بالله نفسه، هو العشرة الدائمة مع الله ومع القديسين الذين أحبوه، هو تحقيق لقوله الإلهي: “حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا” (يو14: 3) … إنه: “مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ” (رؤ21: 3).
5– وبنفس الأسلوب يكون تدريس اللاهوت والعقائد والطقوس:
فلا تكون مجرد معلومات عقلية جافة، إنما تكون حديثًا ممتعًا عن الله، يشعر فيه سامعوك أنك “ناطق بالإلهيات” بأسلوب شيق ممتع بعمق محبتهم لله.
وحاليًا، لست أرى هذا المقال متسعًا للتحدث في هذا المجال الواسع، فإلى اللقاء في مقال آخر، أو في كتاب… إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “سلسة الخدمة (12) – مركز الله في الخدمة”، وطني 7 نوفمبر 1993م.



