الخدمة

الخدمة[1]
ليست الخدمة قاصرة على الذين يعملون في مجال التعليم. إنما هي لازمة للكل ونافعة للكل. وتعتبر من الوسائط الروحية العامة. وهي مبدأ روحي عام يطالب به كل مؤمن: الكبار والصغار، المتزوجين وغير المتزوجين. يكفي قول الكتاب: “مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع4: 17). فالخطايا ليست هي فقط السلبيات في تصرفات الإنسان إنما عدم الخير يعتبر خطية. ولذلك فالإنسان الروحي هو الذي يعمل الخير باستمرار، كصورة لله الذي نصفه بأنه “صانع الخيرات” وكما قيل عن السيد المسيح له المجد إنه: “جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا” (أع10: 38) فهل أنت كذلك؟
والخدمة على أنواع:
منها الاجتماعية، ومنها أيضًا الروحية، وخدمات أخرى كثيرة.. ومن أجل ما قيل في الخدمة الروحية، قول الكتاب: “مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا” (يع5: 20)، وأيضًا “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ إذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” (1تي4: 16) إذن هي خدمة تتعلق بخلاص النفس ما أمجدها!! والكتاب يقول: “نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ” (1بط1: 9) أما الخدمة الاجتماعية فمن سموها أيضًا جعلها الرب ميزانًا للدينونة في اليوم الأخير:
إذ يقول للذين عن يمينه: “لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي… مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ” (مت25: 35، 36، 40)، ويشرح ذلك بقوله: “بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ” معتبرًا كل هؤلاء المحتاجين كشخصه تمامًا.. ويقول الكتاب أيضًا: “اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللَّهِ الآبِ هِيَ هَذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ” (يع1: 27).
إذن هي أنواع عديدة من الخدمة وكل إنسان يخدم حسب النعمة المعطاة له.
ولا يستطيع إنسان مطلقًا أن يقول إن الله لم يهبه أية إمكانات للخدمة. لا بد أنه يستطيع أن يفعل شيئًا.. والإنسان الخدوم، أقصد الذي فيه روح الخدمة، تجده يخدم في كل مجال: في البيت، في مكان العمل أو الدراسة في الكنيسة، في الطريق، في النادي… مع كل أحد إنه إنسان معطاء كل من يقابله لا بد أن ينال من عطائه.
والخدمة في جوهرها ما هي إلا تعبير عن الحب المختزن في القلب من نحو الله والناس.
فالمفروض في كل مؤمن أن يحب الله من كل القلب والفكر والنفس وهذه وصية منذ العهد القديم (تث6: 5)، وقد تكررت في العهد الجديد أيضًا (مت22: 37- 39)، والمحبة ليست مجرد شيء نظري فالكتاب يقول: “لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ” (1يو3: 18)، والمحبة العملية تظهر عن طريق الخدمة فأنت تحب الله فتعبر عن محبتك له بنشر ملكوته، بخدمة الكنيسة وخدمة الكلمة وأنت تحب الناس فتخدمهم بكل الوسائل المتاحة لك والنافعة لهم…
الإنسان الروحي لا يحيا لنفسه فقط…
بل أن المثل المشهور يقول: “ما عاش من عاش لنفسه فقط”. إذن في الخدمة لا بد أن تخرج من قوقعة نفسك لتلتقي بالغير. تخرج من مجال الأنا لتشبع من حبك للكل وتشعر أن رسالتك في الحياة أن تفعل خيرًا نحو كل من يدفعه الله في طريقك.. وكلما تكتسب خبرة في الحياة وسعة في القلب تتسع دائرة خدمتك، فلا تقتصر على بيتك وأسرتك ولا على أقاربك وجيرانك ومعارفك وزملائك وأصدقائك بل تصل إلى نطاقات أوسع وأوسع…
وقد رأينا أنواعًا من الخدمة تشمل المجتمع كله. وتتعداه إلى مستوى عالمي…
فالهيئات العالمية مثل الصليب الأحمر وجمعيات الإسعاف والهيئات الدولية للإغاثة وأمثالها هذه التي تقدم معونة لكل من يحتاج أينما كان سواء في البلاد التي حدثت فيها كوارث طبيعية كالفيضانات مثلًا، أو كوارث حربية أو مجاعات. تجد المعونات تصلها من بلاد بعيدة ربما ما كانت تعرفها من قبل، ولا كانت بينها وبينها صلة ولكنه الشعور الإنساني والمحبة نحو الكل، التي تهب من تلقاء ذاتها لإغاثة المحتاج.
فإن كانت الهيئات العلمانية التي لا صلة لها بالكنيسة تفعل هكذا فكم بالأولى نحن؟!
أنت مطالب أن تفعل شيئًا من أجل أخيك الإنسان وقد أعطانا الرب مثال السامري الصالح (لو10: 30- 37) الذي أغاث وهو سائر في الطريق إنسانًا، على الرغم من وجود عداوة بين شعبه وشعبه ولكنها المحبة التي لا تعرف تفريقًا.
ولا يقل أحد في نفسه “لست مدعوًا للخدمة”!! كلا فأنت مدعو أن تحب الكل وتعبر عن محبتك بالخدمة، أما الخدمة التعليمية فتحتاج إلى أن ترسلك الكنيسة (رو10: 15) لأنه ليس كل إنسان صالحًا للكرازة والتعليم…
اسأل نفسك إذن: ما نصيب الآخرين في حياتي؟
إن التكريس يحتاج إلى دعوة. أما الخدمة العامة فلا تحتاج إلا إلى الحب، والدافع القلبي نحو خدمة الآخرين. وهذه في حد ذاتها دعوة قلبية.
أتذكر في إحدى المرات سألني طبيب جراح عما يستطيع أن يعمله لأجل الآخرين فقلت له: على الأقل عشر العمليات الجراحية التي تقوم بإجرائها لتكن للفقراء والمحتاجين وهكذا يكون لله نصيب في علمك وعملك وتعبر عن محبتك للفقراء بالتنازل عن بعض أجرك من مهنتك…
المهم أن يوجد في حياة الإنسان، كل إنسان، عنصر البذل والعطاء…
وهكذا تجد أن الخدمة قد أكسبتك فضيلة روحية هي الحب والعطاء والبذل وتكون قد استفدت من خدمتك… وقد تخدم الفقراء، وتجد أن الفقر أو الاحتياج، قد حول بعضهم إلى الكذب أو الغش للحصول على ما يريدون فلا تتبرم بهؤلاء، ولا تيأس منهم، ولا تتضايق ولا يكون رد الفعل عندك هو أن تعاملهم معاملة سيئة… ربما سمح الله لك أن تلتقي بهؤلاء لتتعلم الاحتمال روحيًا لكي يتخلصوا من مثل هذه الطباع السيئة. وتكون أنت قد استفدت فضائل روحية فيما تخدمهم.
إن الخدمة تقوى روحيات الخادم. كما أن روحيات الخادم تقوي الخدمة. فأنت فيها تعطي وتأخذ… ولذلك نعتبر أن الخدمة من الوسائط الروحية، أن سلك فيها الإنسان حسنًا فكما تعطي المخدومين حبًا من قلبك كذلك يشبع قلبك حبًا بهذه الخدمة. لا شك إن الإنسان الذي يخدم الأيتام أو المرضى أو المعوقين أو الفقراء والمحتاجين عمومًا يشبع قلبه في هذه الخدمة بمشاعر عميقة تسمو بنفسه وتغنيه عن عواطف العالم الزائلة فإن العاطفة التي يكتسبها الإنسان من ملاقاة الألم والمعاناة هي أقوى بكثير من العواطف التي تقدمها مجالات اللهو والترف وهكذا أنت تأخذ في خدمتك أكثر بكثير مما تعطي مجرد شعورك إنك أسعدت إنسانًا أو حللت مشكلة يفيض على قلبك بمشاعر عميقة.
وهناك ألوان من الخدمة، غير التعليم…
كنت أعرف زميلاً في مدارس الأحد منذ حوالي 45 عامًا لم يكن له فصل في التدريس إنما كانت خدمته هي الافتقاد وحل مشاكل الناس قبل أن تتعقد وأحيانًا حل المشاكل المعقدة وكان يجد سعادة كبيرة في هذه الخدمة. وكان يرى يد الله في كل ما يحله من مشاكل أقصد في المشاكل التي يحلها الله على يديه. وكان يحكي لنا عن عمل الله حديثًا روحيًا ممتعًا جدًا…
إذن من الفوائد التي تتركها الخدمة في حياتك: الخبرات الروحية…
إنه شرف عظيم لك في الخدمة إنك تعمل مع الله. كما قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن زميله أبولس “نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ” (1كو3: 9). أنت في الخدمة تعمل مع الله ويعمل الله معك ويعمل فيك ويعمل بك وفي كل ذلك ترى عجائب من عمله وتلمس كيف تتدخل يد الله فتحل كل الأمور المعقدة أو تفتح لك بعض الأبواب المغلقة أو تقدم لك حلولًا ما كنت تفكر فيها أو ترسل لك معونات من حيث لا تدري، فتمجد الله في كل عمله، أما الذين لا يخدمون فأنهم يحرمون أنفسهم من كل هذه الخبرات ومن شركة الله في الخدمة.
الخدمة أيضًا تفيدك في أنها مدرسة للصلاة…
إنك كلما تخدم كلما تشعر أن هناك أمورًا تحتاج إلى معونة إلهية فتتدرب على الصلاة من أجلها. كما إنك تصلي لكي يبارك الله العمل ويدخل فيه ولا يتركك وحدك. كذلك تصلي لكي تكون خدمتك روحية وليست مجرد نشاط أو روتين أو مجرد عمل اجتماعي كذلك كثيرًا ما تصلي مع المخدومين أو تدخلك الخدمة في اجتماعات صلاة وهكذا تتدرب على عمل الصلاة.
والخدمة عمومًا تدخل الإنسان في جو روحي… وهذا نافع له بلا شك إذ يجد نفسه في جو كنسي ومع أشخاص روحيين وملتزمًا بمبادئ وقيم روحية وقد يجد نفسه كذلك ملتزمًا بحياة روحية خاصة حتى يكون في خدمته قدوة للمخدومين أو على الأقل لا يكون عثرة لهم، بل يردد قول الكتاب:
“لأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ” (يو17: 19). السيد المسيح قال هذه العبارة بمعنى وأنت تقولها بمعنى آخر لتكون حياتك مقدسة في الخدمة ومثالًا للمخدومين في كل عمل صالح، وقد تقول لله في صلاتك إن هؤلاء الناس يا رب يحتاجون أن أكون متصلًا بك باستمرار من جهتهم فأعطني أن تكون لي هذه الصلة بك ليس من أجلهم فقط وإنما أيضًا من أجل نفسي لكي ترعاني وترعاهم وتحفظني وتحفظهم، وليتني أكون جسرًا صالحًا يصلون به إليك أو أكون حاملًا لهم أمامك في قلبي…
وبهذا نجد أن الخدمة أوجدت لك صلة بالله وأصبحت هذه الصلة من ضروريات الخدمة وبالتالي تصبح الخدمة أيضًا ضرورة توصلك بالله باستمرار ولذلك أستطيع أن أقول: غالبية الذين تركوا الخدمة فترت حياتهم… ولم تعد لهم الحرارة التي كانت لهم أثناء خدمتهم ولا الصلاة ولا العمق ولا الالتزام… ولم تعد لهم الغيرة المقدسة التي كانت لهم ولا حتى الفضائل الاجتماعية التي صاحبت الخدمة.
والخدمة أيضًا ما تعطي فرحًا أوسع لقراءة الكتاب المقدس وللمعرفة الروحية بوجه عام مع ما يصحب ذلك أيضًا من تأمل ومن تفسير وبخاصة للذين يخدمون خدمة روحية أو تعليمية بكافة أنواعها وهكذا تكون من فائدة الخدمة تنميه المعرفة الروحية وربما المعرفة الدينية من نواح متعددة.
وهذه المعرفة تأتي من مصادر كثيرة منها القراءة سواء قراءة الكتاب المقدس أو سير القديسين أو الكتب الروحية وتأتي أيضًا من حضور الاجتماعات الدينية الخاصة بالخدمة.. وكذلك مما يسمعه الإنسان في القداسات من فصول الكتاب ومن العظات وهذه المعرفة تدخل الإنسان في تدريبات روحية عملية، وأن ترك الخدمة ربما يترك كل هذا بل قد يأخذ الإنسان ألوانًا أخرى من المعرفة… فيعرف مشاكل الناس ويعرف تفاصيل كثيرة عن النفس البشرية وما يجول فيها من مشاعر ويعرف حروب الشياطين وحيلهم ويعرف أيضًا الحلول العملية لكل هذا إن كانت خدمته تتطرق أيضًا إلى معالجة ما يتعرض له الناس من مشاكل داخلية وخارجية فإن لم يكن يعرف فعلى الأقل سيرى كيف يتدخل المرشدون الروحيون أو الآباء في هذه المشاكل وكيف يحلونها وفي كل ذلك تزداد خبراته في الحياة.
هناك أنواع من الناس لم يذكر لنا الكتاب خدمتهم أو تفاصيلها إنما كانوا يخدمون الخدام أو يقدمون الإمكانات للخدمة… نسوة كثيرات كن يتبعن السيد المسيح “يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ” (لو8: 3)، وفي بداية الكنيسة الأولى تركت مريم أم مرقس الرسول بيتها ليكون أول كنيسة يجتمع فيها المؤمنون ويصلون، كذلك ذكر لنا القديس بولس الرسول عن إكليلا وبريسكلا والكنيسة التي في بيتهما (رو16: 5)، وأيضًا الكنيسة التي كانت في بيت نمفاس (كو4: 15)، وشرح لنا التاريخ الخدمات العديدة التي كان يقوم بها المعلم إبراهيم الجوهري وأخوه المعلم جرجس للكنائس والأديرة..
ربما أناس لا يخدمون القرى لكنهم يتبرعون بعربة تنقل الخدام إلى هذه القرى… أو يدبرون المكان أو يعدون المكان للخدمة أو أن يشتروا الأناجيل والبشائر والأجابي والصور والجوائز وما يوزعه الكاهن من صلبان وأيقونات أو يهتمون بالعمل الإداري للاجتماعات كأن يقوموا بكتابة أسماء الحاضرين أو يعدوا كشوف الغائبين لافتقادهم، وما إلى ذلك من الخدمات التي تبدو بسيطة ولكنها لازمة ونافعة على الأقل.
هناك من يقومون بخدمة الصلاة من أجل الاجتماعات ونجاحها والمشاكل وحلها… وقد تكون لصلواتهم استجابة أكثر نفعًا من خدمة الكلمة وتقتدر كثيرًا في فعلها، وتكون هي الخدمة المخفية التي تقوم على أساسها الخدمة الظاهرة.
المهم يا أخي أن تخدم…
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “سلسلة الوسائط الروحية (15) – الخدمة”، وطني 2 نوفمبر 2008م.




