رسالتك هي البناء

رسالتك هي البناء[1]
في بدء العام الجديد
رسالتك هي البناء
حاول أولًا أن تبني نفسك روحيًا على أساس سليم
ثم اعمل في بناء الآخرين واشترك في بناء الملكوت
ابني الناس بالحب، وبالصلاة ليعمل الله معك.
تكلمنا في العدد الماضي عن أنه ينبغي أن تكون للإنسان رسالة في الحياة، وأن تكون رسالة قوية ولها عمق، ولها دوام، وأن تكون أيضًا رسالة روحية، فهذه لها أعظم قيمة بين باقي الأعمال الأخرى.
واليوم نود في بداية العام أن ندعوك إلى البناء، وأن يكون البناء هو رسالتك في الحياة.
والذي نقصده بالبناء هو البناء الروحي لأن كثيرين قد بنوا، ولم ينتفعوا شيئًا من كل ما بنوه…
الغني الغبي أراد أن يبني!
فقال: “أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ… وَأَقُولُ لِنَفْسِي: … لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ” (لو12: 18، 19)، فأتاه الصوت: “هَذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ فَهَذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟” (لو12: 20).
إنه بناء باطل، يشبه ما بناه سليمان لأجل ترفه ومتعته الأرضية!
وهو نفسه قال في ذلك: “بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا. عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ… قَنِيتُ عَبِيدًا وَجَوَارِيَ… جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّة وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ… وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا” (جا2: 4- 10)، وماذا كانت النتيجة؟ يقول سليمان: “ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ!” (جا2: 11).
الإنسان الحكيم، أول ما يبنيه هو نفسه من الداخل.
هناك من يحاول أن يبني لنفسه مجدًا زائلًا على الأرض، ينتهي بعد حين! أو من يبني لنفسه ثروة، ربما يورثها لأبناء يبددونها في غير ما يعلم، دون أن يستفيد هو شيئًا لأبديته من كل هذه الثروة والجاه…
أما الحكيم فيبني نفسه، ويبنيها على أساس روحي سليم.
يبني عقله وفهمه ومعرفته ويبني إرادته وشخصيته، وقبل الكل يبني علاقته مع الله ويبني أبديته.
والبيت المبني على الرمل، الذي قصده السيد المسيح في العظة على الجبل، هو كل بناء دنيوي، مبني على أساس ضعيف من الرغبات العالمية الزائلة. وهو أيضًا كل بناء روحي مبني على أساس خاطئ من محبة الذات أو الاعتماد عليها…
أما البناء المبني على الصخر:
فهو بناء النفس على الإيمان ومحبة الله…
وأن تستطيع أن تعمل في هذا البناء بالتداريب الروحية القوية التي تنمي عواطفك الروحية تجاه الله.
وكذلك أن تبني ذاتك روحيًا بنعمة الله العاملة معك، واستدعائها إليك بالصلاة والانسحاق، وبالتعاون والشركة مع الروح القدس بحياة التسليم الكامل، التي تترك حياتك تركًا كاملًا في يديّ الله، مسلمًا له الإرادة والمشيئة، كما تُسَلِم قطعة الطين ذاتها في يديّ الفخاري العظيم، لكي ما يشكلها كما يريد، ويجعل منها “إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ” (رو 9).
والآن ادخل في التفاصيل، واُنظر كيف تبني نفسك؟
وكمثال لذلك: ما هو نوع القراءات التي تبني بها فكرك ومعلوماتك؟
هل تقتصر على بناء ذهنك علميًا؟
أو تقتصر على المسليات العابرة، التي ليس لها عمق يبنيك؟
أم أنت بدلًا من البناء، تهدم نفسك بقراءات معثرة، تثير عواطف خاطئة في قلبك، أو بقراءات مملوءة بالشكوك تضلل فكرك أو تضيع إيمانك؟
وبالأكثر كيف تبني أطفالك؟
هذه النفوس البريئة الطيعة، السهلة الانقياد، كيف تبنيها؟ وما الذي تغرسه فيها من مشاعر، ومن أفكار، ومن تأثيرات، ومن عادات؟
لقد قال السيد المسيح في البناء: “عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي…” (مت16: 18)، وهذه الصخرة هي الإيمان السليم الذي لا يتزعزع. الإيمان غير المخطئ الذي أعلنه الآب على فم القديس بطرس وقتذاك…
والسؤال الآن هو:
هل أنت تشترك مع الرب في عملية البناء الروحي؟
هل تعمل مع الروح القدس في بناء الإيمان، في بناء الكنيسة والملكوت، في بناء النفوس روحيًا؟؟
هل تشترك في بناء أورشليم السمائية، التي هي مسكن الله مع الناس (رؤ21: 2، 3).
وكم هي النفوس التي بنيتها؟
وهل بنيتها مع الرب على أساس قوي لا ينهار بعد حين؟
بولس الرسول كان بناءً حكيمًا في ملكوت الله. وقد قال عن نفسه: “حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ. وَلَكِنْ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ كَيْفَ يَبْنِي عَلَيْهِ” (1كو3: 10).
والذي يبني يحتاج إلى حكمة ويحتاج أيضًا إلى حب…
ولا تكفي مجرد المعرفة. فالمعرفة قد تنفخ، بينما المحبة تبني (1كو8: 1)، لا يمكن أن تعمل على بناء أشخاص، إن لم تكن تحبهم.
ما أكثر ضياع عمل أولئك الذين يتحمسون للملكوت، فيشبعون المخطئين توبيخًا!
وقد يحطمون نفوسهم بالتوبيخ المر، وربما ينفر هؤلاء إذ يشعرون في عنف التوبيخ قسوة تبعدهم…!
بهذا الحب بنى السيد المسيح المرأة السامرية، والمرأة التي ضبطت في ذات الفعل. وبالحب بُني زكا العشار…
وبالحب أيضًا بُني شاول الطرسوسي الذي كان “ينفث تهديدًا” وكان أيضًا “يرفس مناخس”. وبالحب بُني بطرس الذي أنكره ثلاث مرات، وبُني نيقوديموس الخائف من اليهود، وبُني المجدلية التي كان فيها سبعة شياطين.
بالحب تشفق على المخطئين وتعينهم على القيام من سقطتهم.
وفي ذلك قال القديس بولس الرسول: “اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ” (عب13: 3).
وقال أيضًا: “أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هَذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ… اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ” (غل6: 1، 2).
وقال يعقوب الرسول: “فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ” (يع3: 13). وضرب لنا السيد المسيح مثالًا بنفسه، في رفق البناء الحكيم، فقيل عنه: “قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ” (مت12: 20).
وقال: “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ” (أش61: 1).
كن رفيقًا بالمخطئين، لكي ما يحبوك، فتستطيع أن تبنيهم بالحب.
بهذا الرفق، تجسد الرب، وعاش بيننا، وكان يجول يصنع خيرًا. وبهذا الرفق احتمل الرب الخطاة في كل جيل بطول أناة عجيبة. وبطول الأناة هذه، اقتادهم إلى التوبة.
وبهذا الرفق وبخ الكتبة والفريسيين الذين كانوا يُحَمِّلون الناس أحْمَالًا ثقيلة عسرة الحمل…
نقطة أخرى نضيفها
كما تبني الناس بالحكمة وبالحب، ابنهم أيضًا بالصلاة.
نعم، أنت تعمل في البناء. ولكن هل حقًا أنت الذي تبني، أم هو الله، هوذا المرتل يقول في المزمور: “إنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ البَيْتَ، فَباطِلًا تَعَبُ البَنّاؤُونَ” (مز127: 1).
إن كان الرب هو الذي يبني، اطلبه إذن بالصلاة، ليتولى العمل بنفسه، ويكون كل عملك هو أن تشترك مع الله في عمل البناء…
هوذا بولس الرسول يقول للرعاة في أفسس: “وَالآنَ أَسْتَوْدِعُكُمْ يَا إِخْوَتِي لِلَّهِ وَلِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ الْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ” (أع20: 32).
إن لم يدخل الله في عملية البناء فلن تتم. لأن بناء النفس ليس مجرد مجهود بشري، وليس هو حكمة إنسان، إنما الله بروحه القدوس، هو الذي يبني النفوس كلها، بعمل نعمته…
ولذلك كان البَنَّاء الحكيم، هو مجرد خادم يحمل الله “ثيئوفورس”. الله الذي يعمل فيه، ويعمل معه، ويعمل به…
لذلك كان بناء النفس، لا بد أن يسبق بناء الآخرين… ولذلك كان العمل مع الله، لا بد أن يسبق العمل مع الناس. أما الذي يعمل بمفرده، دون أن يعمل الله فيه، فلن يبني شيئًا…
بل ربما بالغيرة الخاطئة، وبعدم الحب وعدم الحكمة، يهدم ولا يبني.
وهنا يبدو الفرق بين الشخص الروحي وبين غير الروحي، حينما يدخل كلاهما في عمل البناء…
الإنسان الروحي:
كل كلمة يقولها هي كلمة بنَّاءة. وكل تصرف يتصرفه، هو تصرف بنَّاء. وكل إنسان يقابله، يشعر هذا الإنسان بأن أساسًا روحيًا قد وُضِعَ في قلبه، ولبنة روحية قد بُنِيَت في حياته.
وكل مخطئ يقابل الخادم الروحي، يتأكد من محبته، إنه يبنيه، وأنه حريص عليه أكثر من حرصه على نفسه… وكل ما يعمله معه، إنما هو عمل للخير…
لذلك أقول – كما لأحبائي – ابنوا.
وإن لم تكن لكم خبرة في البناء، فعلى الأقل شجعوا البناءين، وعضدوهم.
وعلى الأقل: لا تهدموا.
استمعوا إلى صوت القديس نحميا وهو يقول: “هَلُمَّ فَنَبْنِيَ سُورَ أُورُشَلِيمَ وَلاَ نَكُونُ بَعْدُ عَاراً” (نح2: 17)
وليكن البناء في كل مجال…
في محيط الأسرة، وفي محيط الأصدقاء والمعارف، وفي مجال العمل في الكنيسة، وفي المجتمع عامة، وعلى المستوى المسكوني، كما في العمل الفردي أيضًا…
وثقوا أن الله لا ينسى تعب المحبة…
وما أجمل قول معلمنا بولس الرسول: “إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ كُونُوا رَاسِخِينَ غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ” (1كو15: 58).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “رسالتك هي البناء”، وطني 4 يناير1981م.




