مسئوليتنا تجاه هذا الجيل

مسئوليتنا تجاه هذا الجيل[1]
لا يجوز أن نعيش في هذا الجيل كمتفرجين. كما لا يجوز أن نأخذ منه موقفًا سلبيًا، ونصلي قائلين: “تُنَجِّينَا وتَحْفَظُنا مِنْ هَذَا الْجِيلِ” (مز12: 7). بل من الناحية الإيجابية، ينبغي – كما قال الرب – أن نكون نورًا للعالم وملحًا للأرض (مت5: 13، 14).
إن لم نستطع أن نتحمل مسئولية عامة تجاه هذا الجيل، فعلى الأقل نحن مسئولون نحو أولادنا وتلاميذنا ومجتمعنا.
نعم، كيف يكون لنا في هذا الجيل أثر وتأثير؟
وقبل كل شيء، ينبغي أن ندرس أولًا طبيعة هذا الجيل وحروبه ومشاكله. لأن كل جيل، له لون خاص من المسئولية تتفق وحالته، ويحتاج إلى نوعية خاصة من المواجهة.
خطورة هذا الجيل
المسئولية تجاه هذا الجيل تحتاج إلى جدية عميقة واستعداد، لأن خطورته أعمق، ومشاكله أكثر. فكيف هذا؟
لم يوجد جيل انتشرت فيه وسائل الإعلام وتعددت مثل جيلنا هذا، وتميزت بكل أنواع الإغراء والإثارة والعثرة، كما توجد حاليًا في العديد من المجلات والجرائد والكتب، بحرية في النشر لم تكن معهودة من قبل.
إلى جوار الراديو والتلفزيون بكل قنواته واتجاهاته، واتصالاته بكل ما ينشر ويذاع في شتى بلاد العالم. في القنوات الفضائية، والأقمار الصناعية، والدش، والكومبيوتر، والإنترنت. وما يشمله كل ذلك من أفلام وصور وتأثيرات، ليس على النشء فقط، بل على الكبار أيضًا.
يضاف إلى هذا، المخدرات التي انتشرت وتعددت أسماؤها، وظهرت منها أنواع ما كنا نعرفها من قبل. ووصلت حتى إلى المدارس، وعرفها الطلبة، واستخدمها عدد منهم، وأصبحت خطرًا على أولادنا، يمكن أن يقع فيها البعض عن طريق الخداع أو القدوة السيئة. وعلينا أن نحميهم من كل ذلك.
جيلنا أيضًا عرف التطرف والشذوذ والإرهاب. وأخذت فيه الحرية مفهومًا خاطئًا قد يصل أحيانًا إلى التسيب، وإلى مناقشة القيم والمسلّمات أو محاولة تغييرها. جيل أصبح أيضًا لا يحترم الكبار، ويعمل على معاداة أية سلطة!
ولا ننسى أيضًا الطوائف الغريبة التي انتشرت، وبخاصة وسط البسطاء أو غير الدارسين، مثل شهود يهوه والسبتيين. أولئك الذين يعتقدون أن السيد المسيح هو الملاك ميخائيل، وينادون بحفظ السبت اليهودي، وأن الملكوت لا يدخله من لا يحفظ السبت. كما أنهم لا يؤمنون بخلود النفس، ويرون أن عقيدة الخلود قد ابتدعها الشيطان.
إن مراقبة نشاط هذه البدع، وحماية أولادنا منها، هو جزء من مسئوليتنا الكنسية. وكذلك نشاط باقي الطوائف التي تحارب الأرثوذكسية، وتحسب أن نموها الطبيعي يأتي بخطف أولادنا بكافة الطرق والإغراءات والأنشطة، وضمّهم إلى معتقداتهم. ويعمل هؤلاء في مجالات متعددة، منها الأحياء العشوائية وامتدادات المدن والأماكن التي لا توجد فيها كنائس! مع عملهم أيضًا في المدارس، وعن طريق النوادي، وكذلك في الرحلات ووسائل الترفيه المتنوعة.
ومن أسوأ ما يحارب هذا الجيل: الانحرافات الفكرية في العقيدة والتفسير، التي تنبع من بعض الخدام والقادة من داخل الكنيسة!!
وقد وصلت خطورة هؤلاء إلى نشر أفكارهم في كتب يطبعونها ويقدمون بها تعليمًا غريبًا. وعلينا مسئولية هامة في مراقبتهم، وعدم إعطائهم الفرصة في تغيير أفكار ومعتقدات شباب يصغون بكل اطمئنان إلى تعليم خدامهم أو يقرأون كتاباتهم. فإذا بهؤلاء الخدام يبعدونهم عن كنيستهم باسم نهضة روحية يدعونها وباسم إصلاح داخلي!
وبعض هؤلاء – للأسف الشديد – يستهويهم تقديم فكر جديد.
يظنون أنهم بهذا الفكر يبرهنون على مستوى أعلى من جهة الفهم. حتى لو كانوا بذلك يهدمون معتقدات راسخة في عقول وقلوب الناس. وجيلنا هذا انتشرت فيه الكثير من الكتب الأجنبية، يقرأها البعض ويعتنقون ما بها من أفكار غريبة، وينشرونها كلون من التجديد والفكر. ويقدمون كل هذا في المحيط الكنسي، باسم الأرثوذكسية!!
إذًا مسئوليتنا خطيرة، لخطورة ما يحدث. لو كانت الأمور في الماضي تحتاج إلى عناية بسيطة، فمهمة هذا الجيل تحتاج إلى عناية مضاعفة. لأن المشاكل معقدة ومركبة.
مسئوليتنا نحن
إنها مسئولية خطيرة جدًا، إن لم ننقل التعليم الصحيح إلى الناس، وإن لم ننقل إليهم كلمة الله، وقواعد الروحانية والقداسة، ونعلم وننذر ونعظ، لكي نمنعهم عن السقوط سواء من جهة السلوك أو من جهة الفكر. وإن لم نفعل هذا، يسمع كل خادم منا ذلك الإنذار الإلهي الذي كرره الرب مرتين بنفس الأسلوب في سفر حزقيال النبي، إذ قال: “ذلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتْ بِإِثْمِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ” (حز3: 18) (حز33: 8).
هناك خطورة المسئولية: إن الله سوف يطالبنا بدم هؤلاء، إن لم نقم بواجبنا نحوهم: سواء دم المخطئين إن لم ننذرهم، أو دم الذين يعثرون بسببهم، إن لم نحمهم منهم بالتعليم والتوعية والوعظ والرعاية.
إننا باستمرار نقول في صلواتنا في المزمور الخمسين: “نَجِّنِي مِنَ الدِّمَاءِ يَا اَللهُ، إِلهَ خَلاَصِي”. فأية دماء نطلب من الله أن ينجينا منها، ولسنا من سافكي الدماء؟! لا شك أنها دماء الذين يقول الرب عن كل منهم: “ومن يدك أطلب دمه”.
إن الله سيطلب منا دماء الذين تركناهم في عثرتهم، أو الذين لم نقم برعايتهم سواء بالوقاية أو الحماية أو الإنقاذ.
كما سيطلب الله دماءهم أيضًا من الذين تسببوا في عثرتهم.
إننا لا نستطيع أن نترك الساقطين ملقين على الطريق، ونجوز مقابلهم كما فعل الكاهن واللاوي في قصة السامري الصالح (لو10: 31، 32). ولا نستطيع أيضًا أن نقول كما قال قايين من قبل “أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟!” (تك4: 9). وإلا فسوف نسمع قول الرب: “صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ” (تك4: 10).
حقًا، إن دماء كثيرة في هذا الجيل تصرخ إلى الله من هذه الأرض، التي تحيا فيها معنا. فماذا فعلنا لكل هؤلاء؟! إن الأمر بلا شك يتعلق بنقطتين أساسيتين. فما هما؟
يتلخص واجبنا في نقطتين: هما الشعور بالمسئولية، والقيام بالمسئولية.
ذلك لأننا أن لم نشعر بالمسئولية، فلن نقوم بأي عمل.
والمسئولية على نوعين: منها مسئولية رسمية تحملها الكنيسة من جهة رجال الكهنوت بكل رتبهم، مع الشمامسة والخدام، والمكرسين والمكرسات. وكذلك الآباء والأمهات. بالإضافة إلى المدارس والجمعيات وكل البيوت التي تقوم بعمل من أعمال الخدمة، ككل بيوت الإيواء مثلًا، ومن تعتمد عليهم الكنيسة في مسئوليات معينة.
مسئولية الكاهن في هذا الجيل مسئولية شاملة:
يضع أمامه قول السيد المسيح: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28). فكما أنه مسئول عن قيادة الشعب روحيًا، هو مسئول كذلك عن حلّ مشاكله من كل ناحية، “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو12: 15). وأمامه في الخدمة قول السيد الرب: “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” (حز34: 15، 16).
ومن جهة المشاكل الفكرية والشكوك، على الكنيسة أن تدرسها دراسة جيدة، وتوجد لها حلولًا مقنعة، وتريح ضمائر الناس.
والمفروض في كل مناهج التعليم الديني، أنها لا تتجاهل الواقع الذي يعيش فيه الناس، وما يصبه المجتمع في أذهانهم من أفكار وأحاسيس. كما يجب أن تتنوع المناهج: للطلبة، وللعمال، ولأخوة الرب، بالإضافة إلى المناهج الشاملة للمناطق الريفية، حيث يجتمع كل الشعب بكل فئاته معًا مع اختلاف السن والمعرفة والخبرة.
وإلى جوار التعليم، نحن مسئولون عن الفقراء والمحتاجين.
ليس فقط من جهة تكاليف المعيشة الضرورية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، وإنما أيضًا من جهة صحتهم. وبخاصة في أيامنا التي كثرت فيها الأمراض الخطيرة والمعقدة، التي قد تكلف آلافًا من الجنيهات أو عشرات الآلاف. وهنا يتساوى في الاحتياج حتى كبار الموظفين أصحاب الدخل المرتفع. ولكنهم أمام هذه الأمراض يدخلون في نطاق المحتاجين.
وعلينا أن نعرف أن المرض أو الاحتياج، قد يقود إلى ما هو أخطر، وقد تستغله هيئات لتضم إليها الفقير والمحتاج.
إن المساعدات الشهرية المحددة والمحدودة التي تقوم بها بعض الجمعيات أو الكنائس لم تعد تناسب هذا الجيل. إنما يناسبه المساعدة الشاملة التي تسد احتياجات الأسرة كلها بكامل أفرادها لتحميها من العوز ومن الانحراف.
علينا أن نوجد حلولًا حاسمة لمشكلة البطالة.
يدخل فيها التدريب المهني، والمساعدة في إيجاد مشروعات صغيرة. وتدريب المثقفين على مهارات تضاف إلى شهاداتهم العلمية، وتعطيهم امتياز وقدرات تؤهلهم للعمل. وفي هذا تتعاون الكنيسة أيضًا مع رجال الأعمال. وكذلك تستفيد من المجالات التي تفتحها الدولة في هذا الميدان.
الأسرة أيضًا عليها واجب هام في تربية أبنائها.
سواء الأب والأم، أو الجد والجدة، أو الأخوة والأخوات الكبار. كل فرد من هؤلاء عليه دور يساهم به في واجب الأسرة الروحي. يضاف إلى هذا القدوة الصالحة والعمل الروحي المشترك. إن الأسرة القوية في روسيا هي التي حفظت الإيمان خلال 70 سنة هي الحكم الشيوعي الملحد، حيث تولت الأمهات والجدات تعليم الأطفال في البيوت وتدريبهم روحيًا، وغرس الإيمان في قلوبهم.
كل منا عليه مسئولية. وحذار من الهروب من المسئولية، وتحويلها إلى آخرين. كأن تحولها الأسرة إلى الكنيسة، وتحولها الكنيسة إلى الأسرة.
سيأتي وقت يقول فيه الله لكل منا: “أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ” (لو16: 2). فلنستعد من الآن للإجابة على هذا السؤال. لأننا لسنا مسئولين فقط عن أنفسنا، بل أيضًا عن هذا الجيل.
هناك مسئولية أخرى في حدود الزمالة والصداقة.
كثيرًا ما يكون لنا أصدقاء، ونخجل من أن نحدثهم في أي موضوع روحي أو ديني!! بينما هذه مسئولية علينا. إذ كيف ننفذ وصيّة الرب القائلة: “تَكُونُونَ لِي شُهُودًا” (أع1: 8). ليتنا نتذكر قول الكتاب: “مَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ” (يع4: 17).
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “مسئوليتنا تجاه هذا الجيل”، الكرازة 12 يونية 1998م.




