هل لك رسالة في الحياة؟

هل لك رسالة في الحياة؟[1]
بمناسبة بدء العام الجديد
هل لك رسالة في الحياة؟
ما هي رسالتك؟ وهل لها عمق وأهمية؟
ما مدى اتساع رسالتك؟ وما عنصر الروح فيها؟
ما الذي حققته حتى الآن؟ وما الذي تريد تحقيقه؟
جميل بالإنسان في بدء عام جديد، أن يجلس إلى نفسه، ويفحص أين هو، وإلى أين يسير؟
غير أن البعض في جلستهم مع أنفسهم، يناقشون جزئيات ضئيلة، دون أن يلقوا نظرة شاملة على حياتهم ككل، ليسأل الشخص نفسه عن رسالته في الحياة: ما هي؟ وماذا حققه منها؟
أولًا، هل لك رسالة؟
هل تشعر أن لك رسالة في الحياة؟ تعيش من أجلها، وبسبب هذه الرسالة أصبحت لحياتك قيمة بالنسبة إليك وبالنسبة للناس، وأصبح لحياتك طعم!
أم حياتك تمر بأسلوب روتيني؟ يوم يسلمك بيوم… وأنت تعيش كل يوم كوحدة منفصلة عن الحياة كلها، المهم أن يمر بخير وينتهي…!
وهل يشعر الناس بحياتك وأثرها؟
هل رسالتك في الحياة واضحة وملموسة، ويحس الناس بفاعليتها؟ بحيث إذا غبت يومًا، يشعرونك بأنك قد تركت فراغًا لا يمكن أن يملأه سواك؟
هل يشعر الناس أن لك حياة لازمة جدًا لحياتهم هم…؟
وأنك تؤدي رسالة من نحوهم، وأنك تدخل في حياتهم أرادوا أو لم يريدوا، شاءوا أو لم يشاءوا، لتعمل عملًا نافعًا لهم، أو مفرحًا لهم يفتقدونه إذا لم يوجد، ويحنون إليه وإليك إذا غبت..؟ بحيث أصبحت جزءًا منهم، لا يمكن أن يستغنوا عنك..؟
وهنا نسأل..
2- هل رسالتك في الحياة قاصرة على نفسك؟ أم هي نافعة لغيرك؟
كثير من الناس ليس لهم هم سوى أن يعيشوا، وأن يتمتعوا، وأن يحققوا أغراضًا في حياتهم، وأهدافًا ثابتة تعطيهم مكانة خاصة، أو توصلهم إلى رغبات معينة في قلوبهم..
فإن وصلوا إلى هذا شعروا بالرضى عن النفس، وبالسعادة، والاكتفاء، ولم يعد يعوزهم شيء.. أما الآخرون وباقي الناس، فليسوا موضعهم اهتمامهم!!
أما أصحاب النفوس الكبيرة، فإنهم يشعرون بأن لهم رسالة نحو الغير. وهم لا يعيشون لأنفسهم، بل لغيرهم. وكلما أسعدوا الناس، حققوا رسالتهم.
أي أن رسالتهم هي إسعاد غيرهم وهم في سبيل ذلك مستعدون أن يبذلوا أنفسهم. لذلك فهم دائمًا يتعبون كل التعب، لكي يستريح كل من يحيط بهم. وهم دائمو التفكير، لا في شئونهم الخاصة، وإنما في خير الناس وتدبير أمورهم…
وهذه هي رسالتهم في الحياة..
والرسالة نحو الآخرين تختلف من جهة العدد، ومن جهة النوع، وأيضًا من جهة المدى الزمني.
هناك شخص كل رسالته نحو الآخرين، لا تتعدى حدود أسرته القريبة جدًا، كالزوجة والأولاد، أو الأب والأم والأخوة.. وربما تتسع لأعضاء أبعد في نطاق موسع للأسرة.
وشخص آخر، رسالته موجهة إلى بلدته، أو مجتمعه المحلي، أو الهيئة التي ينتسب إليها، كجمعية أو نقابة.
وقد تمتد رسالة الإنسان فتشمل وطنه كله. وقد تمتد أكثر فتشمل البشرية جمعاء. مثال ذلك العلماء الذين يعملون لخير الإنسانية كلها ولراحتها ونفعها..
أما من جهة النوعية، فنسأل:
3- ما هو نوع رسالتك؟ اجتماعية مثلًا، أو ثقافية، أو هي رسالة روحية؟
بعض الآباء والأمهات يظنون أن رسالتهم تجاه أبنائهم تكمُل إذا ما اعتنوا بصحتهم، واهتموا بلوازمهم المادية، وأكملوا لهم تعليمهم، واطمأنوا على زواجهم واستقرارهم في بيوت..
وربما تتسع رسالة أب نحو أولاده فيورثهم شيئًا ينالونه بعد وفاته!
أما حياة هؤلاء الأبناء الروحية، ومدى صلتهم بالله.. وأما مصيرهم في الأبدية، فأمر قد لا يعطيه الآباء والأمهات ما يستحقه من أهمية وتركيز! والأكثر من هذا قد تكون حياة الوالدين معثرة لأبنائهما وسببًا في بعدهم عن الله!
وكما نقول هذا في الرسالة نحو الأبناء، نقوله في الرسالة الاجتماعية أيضًا..
فكثير من المشتغلين بالخدمة الاجتماعية، يشعرون أن كل رسالتهم تتركز في منح المعونة المالية للفقراء.. وربما هذه المعونة المادية تقود الفقراء إلى ألوان متعددة من الكذب والاحتيال واختلاف الأسباب التي يحصلون بها على المال، بخداع المشرفين الاجتماعيين بعلل مزيفة!
ومع التعب في هذه الخدمة في رعاية الفقراء ماديًا، قد تهلك أرواحهم، وتذهب إلى الجحيم!
4- لذلك نرى أن أنبل الرسالات هي الرسالة الروحية، الرسالة التي تهدف إلى خلاص النفس، وإلى سعادتها في الأبدية..
والتي وسيلتها قيادة الناس إلى التوبة، وإلى نقاوة القلب ومحبة الله. وفي كل ذلك تقديم كل أنواع المحبة العملية السامية إلى كل من يحتاجها. وما أجمل ما قيل عن السيد المسيح في ذلك: “الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا” (أع10: 38)
كان يهتم بكل أحد، روحًا وجسدًا “كَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى… وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ” (مت9: 35).. كان قلبًا محبًا للجميع، وقد ظهرت محبته في قوله: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28).
فمع العمل الروحي، يوجد الاهتمام بمشاكل الناس والعمل على حلها. وإراحة كل أحد بطريقة سليمة، وتقديم عمل المحبة للجميع، في كل من النواحي الروحية والمادية أيضًا.. لأنه لا تستطيع أن تعظ جوعانًا، وتتركه جوعانًا، بل كما قال الرب: “يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هَذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ” (مت23: 23).
وهكذا تمشي العمل الروحي مع العمل الاجتماعي جنبًا إلى جنب..
السيد المسيح وعظ الجموع حتى مال النهار. ثم قال: “لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ” (مت15: 32).. وأمر تلاميذه أن يعطوهم ليأكلوا..
فهل رسالتك في الحياة تشمل الأمرين معًا: العمل الروحي، والعمل الاجتماعي! وهل تعمل على خلاص النفس، وفي ذات الوقت تحل مشاكل الناس وتريحهم في متاعبهم؟
5- وهل رسالتك لها ثمر؟
هل كلمة الرب على لسانك “قوية وفعالة” ومثل سيف ذي حدين”؟ وهل الكلمة التي تقولها فيها روح، لأنك تقولها وأنت مملوء بالروح، وقد مزجت كلمتك بالصلاة.
هل لك في الخدمة ثمر، وقد أوصلت كثيرين إلى معرفة الله؟ وتستطيع أن تقول في الملكوت: “هَا أَنَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ اللهُ”؟ (عب2: 13).
وهل كل من يراك؟ يحب الله بسببك، وتؤثر فيه حياتك، وتجذبه جذبًا نحو الله بما فيها من كمال؟
وهل خدمتك تنمو باستمرار؟
وهل طاوعت في ذلك قول الرسول: “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذَلِكَ، لأَنَّكَ إذَا فَعَلْتَ هَذَا تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” (1تي4: 16).
ما أعمق حياة أولئك القديسين الذين كانت لهم رسالة روحية مثمرة. وما أجمل قول الرسول في ذلك: “مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا” (يع5: 20).
فهل أنت تعمل في هذا النطاق، حسبما أعطاك الله من نعمة، وحسبما استأمنك من وكالة؟ ولو في نطاق ضيق، حسب وزنتك.. ولو بمجرد القدوة الصالحة، دون كلام، إن كان الله لم يعطيك موهبة الكلام.
كثيرون كان رسالتهم في الحياة، أنهم كانوا أيقونات جميلة في الكنيسة..
كانوا صورة حية مقروءة من جميع الناس. قدموا بحياتهم صورة الله لكل من التقى بهم..
كانوا مثلًا عمليًا صالحًا، لحياة البر، وحياة الإيمان، ومحبة الله..
كانوا عظة، ولم يكونوا وُعاظًا.
“أَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ فَهَذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (مت5: 19).
هذه هي الرسالة العظيمة حقًا: أن تكون صورة الله ومثاله وأن تشهد لله حسبما تقدر.
ولا تدخل ملكوت السموات وحدك، بل يدخل معك أيضًا كل من أحب الله عن طريقك..
وهكذا يكون لك ثمرة.
وتكون بناء حكيمًا في ملكوت الله.
إن كلمة الرب تخيفنا، حينما يقول: “مَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ” (مت12: 30).
فهل أنت تجمع مع الرب؟ متبعًا قول بولس وسيلا: “نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ” (1كو3: 9).
إن كثيرًا من الأعمال التي يقوم بها الناس، ستنتهي بعد حين.. وهي ملتصقة بهذا العالم وحده، لا تتخطاه إلى السماء. وستبطُل في الأبدية.
أما العمل الروحي، فهو باقٍ، وهو ممتد من هنا إلى الأبدية.
الذي يختاره، قد اختار النصيب الصالح الذي لن ينزع منه..
فهل أعمالك أنت أرضية أم سمائية وهل رسالتك في الحياة تقتصر على هذه الأرض وحدها، أم هي تمتد إلى السماء.
وهناك سؤال آخر:
6- هل رسالتك قاصرة على عمرك هنا على الأرض.
ما أكثر الذين تنتهي رسالتهم في الحياة، على المدى الزمني لعمرهم هنا على الأرض لا تتعداه..
فإن ماتوا، ماتت معهم كل أعمالهم، وربما ينساها الناس بعد حين.. أو يذكرونها قليلًا ثم تنتهي.
أما أصحاب الأرواح الكبيرة فرسالتهم تمتد بعد هذا العمر الأرضي.
فقانون الإيمان الذي وضعه القديس أثناسيوس، ما زلنا نعيش به حتى الآن. والرهبنة التي أنشأها القديس أنطونيوس، ما زالت قائمة وحية حتى الآن، بل قد نمت وانتشرت.
والكتب التي وضعها آباء الكنيسة القديسون، وما زال العالم يستقي من نبع روحياتها وعلمها حتى الآن، وسيظل يستقي منها في مستقبل الزمان.
حياة هؤلاء ممتدة بعد جيلهم، أفكارهم وأعمالهم لا تزال قائمة.
فهل رسالتك في الحياة من هذا النوع؟ هل لها العمق والمدى الزمني؟
إن الإنسان يبقى في رسالته أكثر مما يبقى في أولاده ونسله.
ورسالته تعطي صورة حقيقية عنه، أكثر دقة بما لا يقاس من الصورة التي يقدمها عنه أولاده.
ليتك تجلس إلى نفسك الآن، وتفكر ما هي رسالتك في الحياة..
وإن لم تكن لك رسالة تكون حياتك ضائعة وبلا قيمة
فأجعل حياتك ذات قيمة، بأن تؤدي عملًا له قيمته، وله دوامه، ويصحبك في الأبدية..
وكل عام وأنتم بخير..
[1] مقال: قداسة البابا شنوده الثالث “هل لك رسالة في الحياة؟”، وطني 28 ديسمبر 1980م.





