كُلّ وَاحِد سَيَأخُذ أجرَتَه بحَسَب تعَبهِ

كُلّ وَاحِد سَيَأخُذ أجرَتَه بحَسَب تعَبهِ[1]
التعب المقدس، الذي من أجل الله، له مكافأته من الله.
فبقدر ما يتعب الإنسان في هذا المجال، بقدر ما يُكافأ. وقد قال الرب لراعي كنيسة أفسس “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ” (رؤ2: 2).
وقال في عظته على الجبل “ُدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!” (مت7: 13، 14).
ويقول الكتاب نتألم معه، فلكي نتمجد أيضًا معه” (رو8: 17).
ويقول الكتاب بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله “(أع14: 22). “إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ” (رو8: 17).
ويقول القديس بولس الرسول “لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا” (2كو4: 17).
على أنه ليس كل تعب له بركته، فهناك تعب باطل.
مثل تعب الشيطان وأعوانه في إغواء الناس وإسقاطهم. ومثل كل تعب في السعي إلى الخطية: كتعب السارق الذي يدخل بأساليبه إلى بيوت أبوابها مغلقة، ويسرق أموالها ويخرج دون أن يشعر به أحد. ومثل الزناة الذين يتعبون لكي يحصلوا على شهواتهم! إنه تعب باطل، كتعب الذين يسعون إلى كرامة، وكتعب الغني الذي قال “أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَلاَّتِي وَخَيْرَاتِي. وَأَقُولُ لِنَفْسِي… اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي. فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ فَهَذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟” (لو12: 18- 20).
ومن التعب الباطل، التعب الذي بغير معرفة، مثل قول بطرس الرسول “تَعِبْنَا اللَّيْلَ كُلَّهُ وَلَمْ نَأْخُذْ شَيْئاً” (لو5: 5).
أما التعب المقدس فهو على أنواع، منه التعب في الخدمة، والتعب في الطريق الضيق، وفي الاحتمال، وفي العبادة، وفي أمور أخرى.
التعَب في الخدمَة
ومن أمثلته تعب بولس الرسول الذي تعب أكثر من جميع الرسل وقال “فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ. فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ. فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ. فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً” (2كو11: 23). وشرح ألوانًا من هذه الأتعاب، والأخطار التي تعرض لها في الخدمة والكرازة، فقال “بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً. بِأَخْطَارِ سُيُولٍ. بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ. بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي. بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ. بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ” (2كو11: 26).
وقال عن خدمته وخدمة زملائه: فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ، فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ” (2كو6: 4، 5) ” مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لَكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، لَكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ… حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ” (2كو4: 8 ــ 10).
وإن كانت هذه أتعاب القديس بولس وزملائه في الخدمة، فإن هناك أتعاب أكثر هي آلام الشهداء والمعترفين، وما لاقوه من عذابات من أجل ثباتهم في الإيمان. لذلك تجعلهم الكنيسة في مقدمة القديسين…
ومن جهتنا ينبغي أن نتكلم أيضًا عن الآباء الأساقفة والكهنة، وما ينبغي أن يبذلوه من تعب في الخدمة.
وهنا أتذكر أنني في إحدى المرات في رسامة أسقفين، قلت لهما “أمامنا طريقان في الخدمة لا ثالث لهما. إما ان نتعب ليستريح الناس، أو أن نستريح ويتعب الناس. وها أنا قد دعوتكما للتعب.
لا يجوز إذًا لرجل الكهنوت أن يكتفي بخدمة القداسات والعشيات ويستريح مهملًا الشعب! بل عليه أن يتعب في الافتقاد وفي التعليم وفي حل مشاكل الناس. هناك أسرات شكت إلىّ قائلة “مرت علينا سنوات، لم يدخل بيتنا فيها كاهن واحد!!”. هذا أمر مؤلم ومخجل بلا شك. هل ينسى مثل هذا الكاهن قول السيد الرب لتلاميذه ” اخْتَرْتُكُمْ وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ” (يو15: 16). فأين هذا الثمر في الخدمة؟!
في تعب الخدمة، ليضع كل راعٍ أمامه قول الدسقولية “ليهتم بكل أحد ليخلصه”. وليضع أمامه أيضًا توبيخ الرب للرعاة الذين يرعون أنفسهم ولا يرعون الغنم، كما قال الرب في سفر حزقيال النبي إصحاح 34 “غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً” وقوله “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا… وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” (حز34: 8، 15، 16). وأيضًا فليتذكر الكل رسالة السيد المسيح له المجد حينما قال “أُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ… أَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، أُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ” (إش61: 1). وقد أرسلكم لتعملوا عمله وتسيروا على آثار خطواته.
وهكذا في تعب الخدمة، على الأب الكاهن أن يعرف عناوين كل شعبه ويفتقدهم، كما قال الرب عن خرافه ” أَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً… وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي” (يو10: 27، 28).
وعلى الكاهن أيضًا أن يحب شعبه، ويشترك معهم في مشاعرهم، كما قال الكتاب “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” (رو12: 15).
وعليه أن يعمل على إراحة الكل، كما قال السيد “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28).
تعب الخدمة هو أيضًا واجب خدام مدارس الأحد، وخدام الشباب.
وقد ذكر الكتاب “الَّذِينَ يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيمِ” (1تي5: 17) سواء من الكهنة، أو مدرسي الدين. على الأقل التعب في تحضير الكلمة، ومن يقول أي كلام! كذلك التعب في إعداد وسائل الإيضاح، وفي افتقاد كل الغائبين وإحضارهم، والحرص على نمو المخدومين في حياتهم الروحية.
**وأيضًا تعب الخدمة يشمل الوالدين في تربية أبنائهم تربية روحية. ليس فقط في العناية المادية بهم، من حيث الطعام والملابس والتعليم، كما ألاحظ عند كثيرين، بل أيضًا إرشادهم روحيًا.
**وتعب الخدمة واجب كل المؤمنين، كما يشكر الرسول مخدوميه على تعب محبتهم (1تس1: 3).
التعَب في العبَادة
أعني في الصوم، والصلاة، والسهر، والقراءات، والمواظبة على ذلك، وإطالة الوقوف أمام الله. وعدم الإسراع في الصلاة وفي الألحان حتى تبدو بلا فهم ولا عمق.
وأيضًا التعب في أعمال التوبة. كما قال داود النبي “تَعِبتُ فِي تَنهُّدِي. أعُوِّمُ كلَّ لَيلةٍ سَرِيرِي، وبدُمُوعِي أبلُّ فِراشِي” (مز6: 6) “مزجت شرابي بالدموع”…
وكذلك في دفع العشور والنذور والبكور، وكل نصيب الله من أموالك، والعطاء بسرور، وبسخاء، ومن العوز.
على أن يكون التعب في العبادة بفرح.
تعَب الطريق الضيق
الطريق الواسع سهل، ولكن الحكماء يبتعدون عنه.
سهل أن تغطي خطية بكذبة أو تبريرات زائفة. أما الطريق الضيق فهو أن تعترف بالخطاء، وتقدم اعتذرًا لا أعذارًا!!
الطريق الواسع فيه الكسب غير المشروع والرشوة، وفيه الرياء والتملق وكسب المديح، والتحايل والخداع. ولكن الذي يسير في الطريق الضيق يرفض كل ذلك ويرضى بالتعب.
والذي يؤمن بالطريق الضيق، يرفض الزواج غير الشرعي، كما يرفض التطليق لأي سبب. ويرفض التذمر والشكوى.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة والثلاثون – العددان 5، 6 (22-2-2008م)




