
كثيرون يسيرون في حياة البر ويخطئون. لأنهم لا ينظرون إلى الدين ككل. وإنما يضعون نصب عيونهم فضيلة واحدة، بغض النظر عن علاقتها بباقي الفضائل. وقد يظنون أنهم قد أتقنوا هذه الفضيلة، بينما يكونون قد وقعوا مع ممارستهم لها في رذائل متنوعة.
لذلك نود أن نحدثكم اليوم في موضوع:
مضار
الفضيلة الواحدة1
إن الكتاب المقدس هو كتاب كامل وليس آية واحدة. والحياة الروحية هي حياة متكاملة وليست زاوية واحدة، أو فضيلة واحدة.
الإنسان الحكيم يقيم توازنًا بين جميع الفضائل وبخاصة التي قد يبدو بين بعضها
والبعض الآخر شيء من التعارض أو من التناقض.
ينظر إلى الكل. لا يغفل وصية واحدة. ولا يحسب أن تنفيذ وصية يعفيه من باقي الوصايا، أو يكون عذرًا له إن كسر وصية أخرى. يقول بولس الرسول: “إن كانت لي نبوة، وأعلم جميع الأسرار وكل علم، وإن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال، لكن ليس لي محبة، فلست شيئًا” (1كو13: 2).
إن كل الفضائل لا قيمة لها عند الله، إن نقصت فضيلة واحدة هي المحبة… وحتى هذه المحبة من المفروض أن يكون الإنسان حكيمًا في استخدامها.
1- فضيلة المحبة كمثال:
فالأب الذي يحب ابنه، فيدللـه في الحب حتى يفسد، يكون قد سار بطريقة الفضيلة الواحدة، فأخطأ، إذ كان ينقصه الحزم والحكمة. كذلك الذي يحب والديه حبًا يجعله ينسى اهتمامه بالله في مجاملتهم، هذا كذلك أيضًا يسمع قول الرب: “من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني”. إن محبة الناس بغير محبة الله لا تفيد. وهكذا أيضًا الذي يحب فتاة، وفي محبته ينسى عفته. ويحاول أن يغطي ضميره بعبارة “أحبوا بعضكم بعضًا” نقول له لا محبة بلا عفة.
2- مثال آخر: الدفاع عن الحق:
إنسان يقول: “أنا أحتفظ بسلامي وهدوئي، ولا يدافع عن الحق، إن كان هذا في مقدوره وإمكانه، يكون قد تمسك بفضيلة واحدة وترك الأخرى، ويقف أمامه قول الرب: “وتكونون لي شهوداً”.
أو إنسان آخر يدافع عن الحق، ولكنه في ذلك يثور ويشتم، تقف أمامه الآية التي تقول: “لا شتامون… يرثون ملكوت الله” (1كو6: 10) ويكون في فضيلة الدفاع عن الحق، قد فقد فضيلة الوداعة. وفي شتائمه تقف أمامه الآية التي تقول: “من قال لأخيه يا أحمق يكون مستوجباً نار جهنم” (متى5: 22).
إن ملكوت الله يحتاج داخله إلى حكمة وإفراز في ممارسة الفضائل بحيث لا يحطم فضيلة في سبيل اقتناء فضيلة أخرى.
كل فضيلة تريد اقتنائها، وتحطم عندك فضيلة أخرى، اعرف أنها ضربة يمينية من الشيطان يريد بها تحطيم ما عندك. أرفض هذه، وقل إنني من أجل الله لا أريدها.
وإنما عندما يريد الله أن يمنحني فضيلة ما، سيمهد لي وسيلتها الصالحة…
إن الفضيلة الحقيقية ينبغي أن تكون وسيلتها أيضًا فاضلة. فإن كانت وسيلتها خاطئة، فربما يكون الشيطان هو الدافع إليها لإسقاطك.
شاب يريد أن يشهد لله في بيته، ويتكلم بكلمة الله في هذا البيت، ويقود أسرته إلى طريق الله. كل هذا خير وبركة. وهذه غيرة مقدسة وفضيلة لا شك. ولكن إن جعل هذا الشاب فضيلة الغيرة وحدها أمام عينيه، بحيث أنه في هداية البيت لم يكرم والديه: أهانهما أو كلمهما في غير أدب أو وبخهما بأسلوب لا يليق بابن أن يكلم أباه، حينئذ يكون مذنبًا أمام الله وأمام والديه، ويقف أمامه قول الوحي الإلهي: “العين المستهزئة بأبيها، والمحتقرة إطاعة أمها، تقورها غربان الوادي” (أم30: 17) إن فضيلة الدفاع عن الحق ينبغي أن تكون معها فضيلة الأدب واللطف.
لا توجد فضيلة تقف وحدها: لابد أن يكون هدفها فضيلة، ووسيلتها فضيلة، ونتيجتها فضيلة، وغالبًا ما تصحبها فضائل في الطريق، ولا يجوز أن تتناقض مع فضيلة أخرى أو تكسرها، لأنه لا خلطة بين النور والظلمة.
3- مثال ثالث هو فضيلة الطاعة:
إن الطاعة فضيلة أساسية لازمة للإنسان. وقد قال الكتاب: “أيها الأبناء أطيعوا آباءكم في الرب” وقال: “أطيعوا مرشديكم”. ولكن أناساً قد يضعون هذه الفضيلة وحدها أمامهم بطريقة تفقدهم فضائل أخرى كثيرة: كأن يصيرون نسخاً مطابقة لآبائهم، بغض النظر عن طبيعتهم وظروفهم، أو كأن يعادون من يعاديه آباؤهم، ويحبون من يحبونهم، ويتقلبون معهم في آرائهم. وهكذا تضرهم الفضيلة الواحدة. لأن الطاعة أيضاً تحتاج إلى حكمة.
4- مثال رابع هو فضيلة الوداعة:
إن الوداعة فضيلة من أعظم الفضائل إذ قد قال السيد المسيح: “تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب”، وقيل أيضًا إن الله: “يعلم الودعاء طرقه” ولكن كثيرين يسيرون بطريقة الفضيلة الواحدة فيحبون الوداعة ويتركون في سبيلها فضائل أخرى.
فقد يفهم إنسان أن الوداعة تحمل معنى الطيبة والتسامح وعدم العنف، فيسير في هذه الأمور بدون حكمة، حتى يفقد كرامته أمام الناس ويشجعهم على أن يخطئوا في حقه، ويستهزئوا به بلا سبب ولا مناسبة، ثم يقاسي من هذا الأمر.
وقد يستعمل إنسان الطيبة على الدوام ويفقد في سبيلها الحزم، وتفسد أمور كثيرة لعدم استخدامه الحزم، بينما السيد المسيح نفسه أظهر حزمه في مواقف عديدة جدًا سواء مع تلاميذه أو مع أعدائه، وأوقف كثيرين عند حدهم.
إن الذين يستخدمون طريقة الفضيلة الواحدة فيمارسون الوداعة بدون الحزم، نصيحتنا لهم قول الكتاب: “لكل شيء تحت السماء وقت”.
أناس آخرون يستخدمون الوداعة بطريقة الفضيلة الواحدة، فيفقدون فضيلة النخوة والشجاعة، والدفاع عن الحق، والدفاع عن الآخرين، ظانين أن الوداعة معناها الهدوء الكامل، وعدم التحرك بالغضب لأي أمر مهما كانت قداسته ومهما كانت خطورته. وفي أثناء ذلك ينسون موقف إبراهيم أبي الآباء الذي قال عنه الكتاب: “فلما سمع إبرام أن أخاه لوطًا قد سبي جر رجاله المدربين… وانقسم عليهم ليلًا هو وعبيده وكسرهم… واسترجع كل الأملاك، واسترجع لوطًا أخاه أيضًا وأملاكه والنساء …” (تك14)
إن الوداعة لا تمنع الشجاعة والنخوة. وهناك مواقف جريئة يظهر فيها الإنسان شجاعته، ويظل وديعًا…
لا يصح أن نتناول الوداعة بطريقة الفضيلة الواحدة، وبذلك نفهمها فهمًا خاطئًا. فموسى النبي قيل عنه: “وكان الرجل موسى حليمًا جدًا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض” ومع ذلك لما رأى الشعب قد عبد العجل الذهبي، غضب جدًا، وكلم هارون أخاه بحزم شديد، فخاف منه هارون. وألقى موسى بلوحي الشريعة فكسرهما. وحطم العجل الذهبي وذرى ترابه.
وهنا نرى أن الوداعة لم تمنع من الغضب أحيانًا ولم تمنع من الحزم الشديد، وبقي صاحبها وديعًا.
هل يوجد وسط الودعاء كلهم مثالًا أكثر من المسيح وداعة؟
حاشا، ومع ذلك فإن السيد المسيح مثال الوداعة أمسك سوطًا وطهر الهيكل من الأخطاء الموجودة فيه. وقلب موائد الصيارفة، ووبخ المخطئين، وطرد الباعة.
إن الذي يحب الوداعة ينبغي أن يحب معها الشجاعة والنخوة والحزم والغيرة، وتقف هذه الفضائل جميعًا معًا لتكون كلها متجانسة بلا نقص.
احترس من استخدام الفضيلة الواحدة، كما ينبغي أن تحترس من استخدام الآية الواحدة في العقيدة وفي التفسير، خذ الروحيات كحياة متكاملة الجوانب، كالبنيان المرصوص يسد بعضه بعضًا..
5- مثال خامس: البساطة:
هناك قوم قد يحبون البساطة، بطريقة الفضيلة الواحدة. فيصدقون كل شيء ولا يشكون في أحد، ويمكن أن ينخدعوا بأقوال الأردياء. واضعين أمام أعينهم قول الكتاب: “المحبة تصدق كل شيء” (1كو13: 7) …
إن البساطة ليس معناها عدم الفهم، أو إغماض العين بغير حكمة، إن البساطة هي عدم التعقيد. فيمكن أن الإنسان لا يعقد الأمور، وفي نفس الوقت يكون واعيًا صاحيًا.
والسيد المسيح لم ينصح بالبساطة وحدها، وإنما ربطها بالحكمة، فقال: “كونوا بسطاء كالحمام، وحكماء كالحيات. ولكن احترزوا من الناس لأنهم يأتونكم بثياب الحملان وهم ذئاب خاطفة”. وفى قول السيد: “كونوا بسطاء وحكماء” إنما ينبهنا إلى أن البر ليس فضيلة واحدة، وإنما هو تفاعل الفضائل معًا.
6- مثال سادس: فضيلة الصمت:
حقًا إن “الاستماع أفضل من التكلم”. وكما قال القديس أرسانيوس: “كثيرًا ما تكلمت فندمت، وأما عن سكوتي، فقط ما ندمت”. وقال داود النبي: “ضع يا رب حافظًا لفمي، وبابًا حصينًا لشفتي”. ولكن مع هذا كله، لو أن إنسانًا أخذ الصمت كفضيلة مستقلة بنفسها عن باقي الفضائل، لأخطأ في أشياء كثيرة. وكما يقول الكتاب: “للسكوت وقت، وللتكلم وقت” (جا3: 7). حقًا، هناك أوقات يجب أن نتكلم فيها، وإن لم نتكلم ندان على صمتنا. هناك أوقات تلزم فيها كلمة مجاملة، أو كلمة عزاء، أو كلمة نصح، أو كلمة تشجيع، أو كلمة إنذار… ويكون الصمت خطيئة.
7- مثال سابع: التسامح والعقاب:
إن التسامح فضيلة، ومغفرة الذنب نوع من الحنو والعطف…ولكن إذا أخذ هذا الأمر بطريقة الفضيلة الواحدة فإنه يضر. لأن هناك مواقف لابد للمسئول فيها أن يعاقب…
إن الله عاقب عالي الكاهن، لإنه لم يكن حازمًا في معاقبة أولاده. إذن ليس كل تسامح فضيلة. لابد أحيانًا من العقاب.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – نشر في مجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الخامس 2-11-1974م



